أطباء غزة يواجهون قرارات عصيبة وسط انتظار المرضى الطويل للتشخيص

في مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح وسط غزة، يتعامل باسم حسن، مدير قسم المختبرات، مع تحاليل طبية تُحدد مصير مرضاه. فريقه يزود الأطباء بالمعلومات اللازمة لتشخيص أمراض تتراوح بين أمراض الكلى والسكري، ومن دون هذه المعلومات لا يعرف الأطباء كيف يواصلون علاج الحالات.

غير أن حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة والحصار المفروض عليها أديا إلى أضرار واسعة في البنية الطبية ونقص في المواد الأساسية اللازمة للتشخيص. وقد توقف إجراء جميع تحاليل غازات الدم، وهي مهمة خصوصاً لمرضى القلب والعناية المركزة، كما يوجد نقص في أنابيب سحب الدم الضرورية لتحاليل الكيمياء السريرية.

كذلك توقفت أجهزة تحليل الكيمياء السريرية الآلية، التي تعتمد عليها المختبرات في أكثر من ٦٠ في المئة من تحاليلها، عن العمل. وتعطلت أيضاً بعض معدات التعقيم والثلاجات المستخدمة في تخزين الدم والبلازما.

وقال حسن للجزيرة إنه في ظل هذه الموارد المحدودة، تُرتّب التحاليل وفق خطورة كل حالة، مع إعطاء الأولوية لمرضى الكلى والسرطان والقلب ونزلاء العناية المركزة.

يعرف الأطباء أن نتائج التحاليل المخبرية ضرورية لتحديد جرعات الأدوية الصحيحة، ومتابعة استجابة المرضى للعلاج، واتخاذ قرارات طبية عاجلة. ومن دون هذه المعلومات يفتقد الأطباء جزءاً أساسياً من الصورة قد يحدد بقاء المريض أو وفاته.

مع اقتراب الذكرى الثالثة للحرب على غزة، أصبح أكثر من ثلاثة أرباع أجهزة التصوير الطبي في القطاع خارج الخدمة. كما بلغ نقص مواد التحاليل المخبرية ٨٧ في المئة، ونقص المستهلكات الأساسية اللازمة للتحاليل والتشخيص ٧٤ في المئة.

وحذرت وزارة الصحة في غزة من أن هذه النقص الخطير والانهيارات المتكررة في المعدات الطبية قد تؤدي إلى توقف بنوك الدم والمختبرات. وسيؤثر ذلك أكثر ما يؤثر في المرضى ذوي الحالات الحرجة، مثل اختلال توازن الأملاح، وارتفاع البوتاسيوم، وضعف وظائف الكلى، وأمراض القلب.

يقرأ  لليلة الثالثة.. تصاعد الاشتباكات وسط احتجاجات مناهضة للحكومة في صربيا — أخبار الاحتجاجات

وقال مروان العزايزة، رئيس قسم القلب في مستشفى شهداء الأقصى، للجزيرة إنه بسبب هذه النقص في المستشفيات العامة، يضطر الأطباء أحياناً إلى استخدام مختبرات خاصة إذا كان المرضى قادرين على تحمل النفقات الإضافية.

وأضاف أنه في حالات أخرى يعتمد الأطباء على الفحص السريري وتخطيط القلب والمؤشرات المتاحة لهم، رغم أن ذلك لا يعوض بشكل كامل عن التحاليل اللازمة لتأكيد تشخيص معين أو نفيه. وتسعى الفرق الطبية إلى التنسيق مع الجمعيات الخيرية والمنظمات الصحية ومؤسسات الإغاثة لتقديم رعاية أوسع لأهل غزة.

وفي الوقت نفسه، لم يبق في غزة سوى خمسة من أجهزة التصوير المقطعي المحوسب الثمانية عشر عاملة، وهي تعمل فوق طاقتها. كما لا توجد خدمات للتصوير بالرنين المغناطيسي في غزة بعد تدمير تسع أجهزة في هجمات إسرائيلية.

وقال محمد أبو سلمية، مدير مستشفى الشفاء في مدينة غزة، للجزيرة إن الفرق الطبية مضطرة الآن إلى حصر التحاليل والأشعة السينية والتصوير المقطعي في الحالات الأكثر إلحاحاً.

وأضاف أن هذا الواقع يدفع الأطباء إلى اتخاذ خيارات صعبة بين المرضى، فيقررون من يحتاج التحليل فوراً ومن يمكن تأجيل تحليله. ورغم أن هذا الأسلوب ضروري في ظل النقص الحالي، فإنه يعني أن كثيراً من المرضى الآخرين يظلون على قوائم الانتظار، مع تأجيل تحاليل تشخيصية يحتاجون إليها لتشخيص أمراضهم أو متابعة علاجهم.

يعاني يوسف العثامنة، ٥٧ عاماً، من دير البلح، من فشل كلوي ويحتاج إلى غسيل الكلى ثلاث مرات أسبوعياً. وهو يخشى نقص البيكربونات وخطوط الدم وأجهزة الغسيل والسوائل الوريدية ومواد أخرى ضرورية لجلسات الغسيل.

وقال للجزيرة إن ما يخيفه أكثر هو احتمال نفاد مستلزمات الغسيل يوماً، أو تعطل جهاز بينما لا تتوفر قطع غيار، فيجد نفسه عاجزاً عن الحصول على العلاج الذي يبقيه على قيد الحياة. وأضاف: كل ما نطلبه هو توفير أبسط ضرورات الرعاية الطبية، حتى نذهب إلى جلسات الغسيل ونحن مطمئنون إلى أننا سنعود إلى عائلاتنا.

يقرأ  الولايات المتحدة تفرض عقوبات على ست سفن إضافية بعد مصادرة ناقلة نفط قبالة سواحل فنزويلا

وقال خليل الدقران، المتحدث باسم مستشفى شهداء الأقصى، إن مرضى السرطان يواجهون نقصاً في أدوية العلاج الكيميائي وأدوية أخرى. كما أن تدمير المستشفى التركي الفلسطيني للصداقة، وهو المستشفى الوحيد في غزة المتخصص في علاج السرطان، زاد الضغط على الفرق الطبية.

وأضاف الدقران أن الحصار الإسرائيلي المشدد على غزة يجعل من المستحيل تقريباً على مرضى السرطان السفر لتلقي العلاج في الخارج. وبشكل عام، يواجه ٣٥٠ ألف مريض بأمراض مزمنة، بينهم مرضى السكري وضغط الدم، نقصاً في الأدوية يهدد استمرار علاجهم وحياتهم.

وقال إن مرضى السرطان والمصابين بأمراض مزمنة ومن يعانون من أمراض القلب والكلى يحتاجون إلى علاج منتظم لا يمكن تأجيله، في وقت يُجبر فيه الأطباء على العمل بموارد محدودة للغاية. وأضاف: ما نحتاجه الآن هو وصول مضمون إلى الأدوية والمستلزمات والمعدات الطبية، حتى لا يتحول النقص إلى سبب إضافي لوفيات كان يمكن منعها.

أضف تعليق