كانت إيمان حتى وقت قريب تلتزم القاعدة: لا هاتف شخصي قبل إنهاء المدرسة الثانوية، ولا حسابات على مواقع التواصل. إذا احتاجت إلى واتساب للمدرسة، أو يوتيوب للواجبات، أو للحديث مع صديقاتها أثناء جائحة كورونا، كانت تستعير هاتف والدتها. كل شيء كان يمرّ عبر بيروت أولاً قبل أن يصل إلى إيمان.
لم يكن هذا الترتيب ناتجاً عن طاعة عمياء. تصف إيمان نفسها بأنها عنيدة، وكانت الخلافات حول الهواتف وأوقات العودة والخروج مع الأصدقاء أمراً شبه معتاد. لكنها، بوصفها الابنة الوحيدة لوالديها، كانت تثق أيضاً في أن الحدود التي يضعانها تنبع من رغبة في حمايتها لا في السيطرة عليها.
كانت قواعد بيروت صارمة، لكنها لم تكن نادرة في غزة. فعدد المراهقين دون السادسة عشرة الذين يملكون هواتف ذكية قليل نسبياً، وحتى بين العائلات الأكثر ثراءً، كان امتلاك الطفل لهاتف يعتمد على موافقة الوالدين بقدر ما يعتمد على الإمكانات المادية. في صف إيمان، لم يكن لدى سوى عدد قليل من الفتيات هواتف خاصة بهن. أما معظمهن فكن يستعرن جهاز أحد الوالدين، وكان امتلاك هاتف قبل إنهاء المدرسة مسألة حظ لا توقّعاً.
مع ذلك، كانت إيمان تريد هاتفها الخاص. صديقتها المقربة هناء كان لديها هاتف طوال سنوات الدراسة، وتتذكر إيمان أنها توسلت إلى والدتها لشراء هاتف لها أيضاً. كانت الخلافات متكررة، لكن بيروت لم تتراجع. قاعدة العائلة بسيطة: لا هاتف شخصي حتى تنهي المدرسة وتُتم الثامنة عشرة.
في ذلك الوقت، بدا الانتظار طويلاً إلى درجة لا تُحتمل. والآن، حين تنظر إلى الوراء، بالكاد تستطيع إيمان أن تتصور ما الذي سيعنيه الحصول على ذلك الهاتف الذي طال انتظاره.
أما خلال الإبادة الجماعية، فقد تحوّل الهاتف إلى شيء آخر تماماً.
كانت تحمل هاتف بيروت القديم، آيفون 11 برو ماكس، بينما كانت العائلة تفرّ من المنزل تحت القصف الإسرائيلي، وتصعد إلى أسطح المنازل أثناء انقطاع الاتصالات الذي استمر شهوراً، وترفع فيديوهات توثّق تلك اللحظات، وقد وصلت في النهاية إلى ملايين المشاهدين.
أصبح الهاتف مصباحاً حين لا يوجد ضوء، وكاميرا، وشاهداً، ودفتر ملاحظات، وخريطة، وأرشيفاً، وفصلاً دراسياً، وغرفة أخبار، ومسؤولية متزايدة.
وغيّر بيروت أيضاً. الأم التي رفضت ذات يوم أن تملك ابنتها هاتفاً، صارت هي التي تحثّها على استخدامه.
الجهاز الذي تعيده إيمان إلى والدتها كل ليلة لم يعد كما كان. بمناسبة عيد ميلادها الثامن عشر، أنفق والداها 6,000 شيكل، أي نحو 1,950 دولاراً، واشتريا لها آيفون 16 جديداً كلياً، هاتفاً وردياً لامعاً داخل غلاف بلاستيكي مزين بالورود والفراشات، وعلى شاشة القفل صورة سيلفي مبتسمة.
في الأسابيع التي تلت السابع من أكتوبر 2023، دُمّر منزل العائلة الذي يعود عمره إلى 300 عام في البلدة القديمة في غزة. شقتهم الحالية تبعد بالكاد مئة متر عنه، في شرق مدينة غزة. ورغم أنها نجت من القصف المحيط، وقد خدشتها الرصاص وحطمت نوافذها، فإن العائلة ما زالت مجبرة على الفرار منها مراراً أثناء العمليات العسكرية.
تقول بيروت: “أردت أن يرى العالم ما يحدث لنا”.
بيروت صغيرة الحجم، تجلس إلى جانب زوجها وابنتها على الأريكة، وملامحها الناعمة تجعلها تبدو كأخت إيمان لا أمها. تتحدث بعاطفة صادقة، ويداها لا تكفان عن الحركة، وعيناها تتسعان وهي تسترجع ذلك الصباح.
“قُصف منزلنا ونحن بداخله… خرجنا حفاةً، لم نأخذ شيئاً، والمنزل يحترق خلفنا… نجونا بأعجوبة… كانت الساعة الخامسة فجراً… في تلك اللحظة تمنيت أن يرى العالم كله ما يحدث.”
كانت الفيديوهات الأولى التي نشرتها إيمان مجرد توثيق بسيط للحياة اليومية. صور للدمار. ذكريات عن منزل طفولتها قبل أن يتضرر. أجزاء من حياة عادية قاطعتها الحرب. لم تلفت انتباهاً كبيراً.
ثم تغيّر الجمهور. فبعد أن منعت إسرائيل الصحافيين الدوليين من دخول غزة، بات الملايين الذين يبحثون عن أي لمحة عن الحياة داخل القطاع يجدونها على وسائل التواصل الاجتماعي. قلة من المشاهدين أصبحت بضعة آلاف، والآلاف تحولت ببطء إلى عشرات الآلاف.
تبتسم إيمان وتهز رأسها: “لم تكن هناك خطة واضحة وراء المحتوى. الأفكار كانت موجودة بالفعل، لأنها كانت حياتنا فقط. كنت آخذ الأفكار من الأشياء اليومية التي نعيشها ونفعلها تحت الحرب… افتح الكاميرا وقل: هذا حدث لنا، أو هذا حدث”.
ثم في أحد الأيام انتشر فيديو بشكل واسع.
إيمان ووالداها يتنقلون في غزة على عربة يجرها حمار، تُعرف محلياً باسم “الكرّة”. ومع تدمير المركبات وتوقف دخول الديزل والبنزين إلى القطاع، أصبحت عربات الحمير واحدة من الوسائل القليلة للتنقل. صوّرت الرحلة تماماً كما كانت: هي ووالدها ووالدتها يمرون بين أنقاض الأحياء المدمرة.
كتبت على الفيديو: “أنا وأبي وأمي”.
تقول إيمان وعيناها تتسعان ويداها تشيران بحماس، وابتسامة عريضة تعلو وجهها وهي تسترجع اللحظة: “حظي الفيديو بتفاعل هائل. بدأت أكسب 100,000 متابع كل يوم. خلال حوالي أسبوع وصلت إلى 500,000”.
استمرت الأرقام في الصعود. بعد حوالي أسبوعين، استيقظت لتجد أن جمهورها تجاوز المليونين. وفي النهاية، وصل إلى خمسة ملايين.