أولياء أمور غزة في معضلة علاج الأسنان: علاج مكلف أم تأمين لقمة العيش؟ — أخبار الصراع الإسرائيلي الفلسطيني

نُصيرات، غزة — يجلس مراد حاجي، خمسيني العمر، صامتًا على كرسي طبيب الأسنان بين ركام مخيم النصيرات للاجئين، يأمل أن يخفف من ألمٍ ناجم عنه أشهرًا طويلة.

يمسك فكه بيده، يثقل عليه نبض حادّ متقطع. قُدّم له عرض علاج يقارب أربعمئة شيكل (نحو 142 دولارًا)، مبلغ يمكن أن يؤمّن لأطفاله طعامًا لأربعة إلى خمسة أيام في ظلّ ارتفاع أسعار المواد الغذائية. ومع تزايد الألم وانتشاره من السن إلى الفك، اضطر حاجي للعودة إلى العيادة بحثًا عن تخفيف ولو مؤقت.

«لم أعد أحتمل الألم… لكنني علمت أن العلاج أغلى مما أستطيع تحمّله»، يقول. «أربعمئة شيكل كثير… أطفالي أحتاجهم هم أكثر».

تشرح طبيبة الأسنان ليزا حسونة كيف أن الحصار الإسرائيلي على غزة أدّى إلى نقص حادّ في مود طب الأسنان واللوازم، ما رفع أسعار العلاج بشكل كبير وجعل تدخلات الجراحة متاحة فقط بتكاليف باهظة.

«كثير من المرضى يأتون إلينا بعد أن تفاقمت العدوى لدرجة كبيرة لأنهم لم يستطيعوا تكاليف العلاج في وقت مبكر»، تقول حسونة. «حينئذٍ، ما كان يمكن أن يكون إجراءً بسيطًا يتحوّل إلى حالة أكثر تعقيدًا، ألمًا ومخاطرة وتكلفة».

حاجي واحد من كثيرين في قطاع غزة حيث الضائقة المالية تضيف عبئًا آخر إلى حياة أصلاً صعبة: ألم سنّ دائم يثقل كاهل العائلة.

تأخير العلاج يؤدي غالبًا إلى امتداد العدوى إلى أجزاء أخرى من الجسم، وقد يستلزم ذلك جراحة للتعامل معها، لكن القيود المالية تحرم الكثيرين من الخيارات المتاحة.

هكذا كان حال حاجي: ما بدأ إجراءً بسيطًا كان يمكن إتمامه خلال يومين تحول إلى عملية أطول وأكثر كلفة. تطورت العدوى إلى حالة معقّدة أظهرت وجهًا متورمًا، سنًّا ملتهبًا، تجمّع صديد، وألمًا حادًا.

يقرأ  أنتوني إدواردز يصاب في الركبة خلال فوز تمبروولفز بالمباراة الرابعة على دنفر نيغتس

العديد من المرضى، مثل حاجي، يحتاجون إلى مسكّنات ومضادات حيوية للسيطرة على العدوى قبل أي تدخل أسناني — وهذا بدوره يتطلّب مبالغ إضافية.

حالة حاجي ليست استثناءً، وحسونة ترى يوميًّا مرضى يواجهون خيارًا صعبًا بين العلاج الطبي وتلبية الاحتياجات المنزلية الأساسية. البعض يعتمد على المسكنات أو يعيش مع الألم حتى يصبح لا يُحتمل.

تضيف الطبيبة أن المرضى، تحت ضغط المال، يميلون إلى اقتراح خلع الأسنان كحلّ أقل كلفة، لكن حتى تكلفة الخلع ارتفعت بحدة.

في غزة، حيث تدهورت الاقتصاد تقريبًا نتيجة الحرب الإسرائيلية التي تصفها تقارير دولية بأنها مدمّرة، باتت إجراءات كانت تعتبر بسيطة ترفًا لا يتحمله معظم الناس، وقد لا تكون كافية إذا كانت العدوى قد انتشرت.

تقول حسونة إن عملها لم يعد يقتصر على العلاج فقط، بل صار موازنة دائمة بين المتطلبات الطبية وإمكانيات محدودة جدًا في المستلزمات.

عامل رئيسي وراء الارتفاع الحاد في الأسعار هو القيود الإسرائيلية المشددة على استيراد الإمدادات، التي تصنّف كثيرًا من معدات ومواد طب الأسنان على أنها «غير ضرورية» أو «تجميلية».

في ظل هذا النقص وارتفاع الطلب، يتحكّم الموردون المحليون في تحديد الأسعار، ما يؤثر مباشرة على قدرة العيادات على تقديم رعاية متواصلة وميسورة.

كما يواجه مدير العيادة الدكتور نضال السندي صراعًا يوميًّا بين واجبه المهني والقدرة العملية على استمرار تشغيل عيادته. ارتفاع إيجارات المكان وتكاليف المستلزمات والمعدات الأساسية أضاف عبئًا ماليًا كبيرًا على العيادة.

كمثال توضيحي، ارتفع سعر علبة مخدّر موضعي من نحو 150 شيكل (حوالي 53 دولارًا) إلى حوالي 500 شيكل (نحو 178 دولارًا)، بينما قفز سعر مادة «زيتا بلس» المستخدمة في أخذ الانطباعات من نحو 150 شيكل إلى ما بين 5,000 و6,000 شيكل (حوالي 1,778–2,133 دولارًا).

يقرأ  تصاعد عنف المستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية المحتلةأسباب التصعيد وآثاره في إطار الصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني

الإجراءات التي كانت ميسورة قبل الحرب أصبحت اليوم رفاهية لغالبية السكان. فقد كان خلع سن بسيط يكلف بين 30 و150 شيكل (11–53 دولارًا)، في حين كان الخلع الجراحي يتراوح بين 100 و300 شيكل (36–107 دولارًا).

هذه التكاليف ارتفعت بشكل كبير، والاعتماد المتزايد على أدوات الاستخدام لمرة واحدة يضيف أعباء تشغيلية إضافية على العيادة.

يقول السندي إنه يشعر بالحزن لكل مريض يغادر عيادته وهو لا يستطيع تحمل تكاليف العلاج، لكن القيود المالية التي تواجهها العيادة محدودة الخيارات.

«أصعب ما في الأمر أن ترى المرضى يغادرون العيادة وهم لا يزالون يتألّمون لأنهم لا يملكون ثمن العلاج، بينما نحن أيضًا نكافح نقصًا شديدًا وتكاليف تشغيل مرتفعة للغاية»، يضيف.

المشكلات التي تواجه قطاع طب الأسنان تعكس أزمة أوسع تكتنف قطاع الصحة في غزة.

تشير بيانات منظمة الصحة العالمية إلى أن نحو 84% من المرافق الصحية في غزة تعرضت لأضرار أو دُمّرت منذ بدء الحرب في أكتوبر 2023.

موجات من الهجمات والحصار المستمر دمّرت أو ألحقت أضرارًا بحوالي 1,800 مرفق صحي في القطاع.

مع تدمير أجزاء كبيرة من النظام الصحي، اضطر كثير من مقدّمي الخدمات الطبية للانتقال إلى عيادات مؤقتة في خيام أو العمل من فضاءات لا تتوفر فيها معايير التعقيم والمعدات الأساسية، لكنها الخيار الوحيد المتاح لغالبية الفلسطينيين في غزة.

مأزق مراد حاجي يرمز إلى وضع قطاع طب الأسنان في غزة حيث تُؤجل الإجراءات الضرورية أو تُهمل، مما يترك آثارًا صحية بعيدة المدى.

في أماكن أخرى من القطاع، تواصل عيادات الأسنان استقبال المرضى الواحد تلو الآخر، كلٌّ بقصته من ألم وتأجيل وحسابات قاسية، في واقع تكاد تختصر فيه الخيارات أمام الفلسطينيين حتى وإن كانت العواقب طويلة الأمد على أجسادهم.

يقرأ  زوبعة عنيفة تدمر بلدة برازيلية وتقتل ٦ أشخاص وتُصيب المئات— أخبار المناخ

أضف تعليق