وسط الحصار التجاري وتجميد الأصول والهجمات على السفن ضمن حصار بحري، أعلنت واشنطن خطتها لفرض موجة جديدة من العقوبات على إيران تستهدف اقتصادها. وقال وزير الخزانة سكوت بيسنت الخميس الماضي إن الولايات المتحدة تعتزم إلحاق المزيد من الضرر الاقتصادي بطهران في وقت مبكر من هذا الأسبوع، مشيراً إلى أن واشنطن ستطبق إجراءات “لم يسبق لها مثيل في تاريخ العزل الاقتصادي لدولة”. وفي اليوم التالي، الجمعة، ردّ الرئيس دونالد ترامب على تصريحات بيسنت قائلاً إن إيران ستُضرب ضربة اقتصادية قاسية.
ومع انتهاء مذكرة التفاهم يوم الاثنين، دعا ترامب طهران إلى رفع “العلم الأبيض للاستسلام”، لكنه شدد على أنه ليس في عجلة من أمره لإنهاء الحرب. ومنذ فبراير/شباط 2025، أي مع بداية ولاية ترامب الثانية، فرضت واشنطن عقوبات على “أكثر من ألف شخص وسفينة وطائرة مرتبطة بإيران”، وفق ما ذكر مكتب مراقبة الأصول الأجنبية في وزارة الخزانة الأمريكية في مايو/أيار.
وفي المقابل، تبقى السلطات الإيرانية متحدية، إذ أعلنت أنها قادرة على التحول إلى عمليات هجومية، وأنها مستعدة في الوقت نفسه لمواجهة أي اجتياح بري محتمل.
ويرى محمد رضا فرزانغان، أستاذ اقتصاد الشرق الأوسط في جامعة فيليبس ماربورغ الألمانية، أن الحصار البحري يخلق وضعاً جديداً تُمزج فيه حزم العقوبات التقليدية مع استخدام القوة العسكرية لإحداث نقص مادي حقيقي في السلع داخل الاقتصاد الإيراني. ويقول فرزانغان: “هذا عبء إضافي يطرح أسئلة جديدة على صانعي القرار في طهران: هل يقبلون باتفاق تملي شروطه إدارة ترامب، أم يواصلون النزاع المسلح لكسر حصار الموانئ؟ ويبدو في الوقت الحالي أن إيران تميل إلى الخيار الثاني”. وأضاف أن على الولايات المتحدة، إذا أرادت تحقيق أهدافها المتمثلة في تغيير سلوك الحكومة الإيرانية، أن “تفتح مخرجاً دبلوماسياً وتقدمه كخيار”. كما حذّر من أنه إذا استؤنف النزاع المسلح بالكامل، “فلن تقتصر التكاليف على الدولة المستهدفة بالعقوبات، بل سيدفع الاقتصاد العالمي أيضاً الثمن” بسبب استمرار الاضطرابات في مضيق هرمز والهجمات في أنحاء المنطقة.
إيران تؤكد التزاماتها في مذكرة التفاهم
في غضون ذلك، توقفت المحادثات حول إيجاد مخرج من الحرب، رغم أن المفاوضين الإيرانيين يواصلون التواصل مع سلطنة عمان ووسطاء آخرين بحثاً عن ترتيب مؤقت في مضيق هرمز، الذي كان يمر عبره قبل الحرب نحو خمس إنتاج العالم من النفط والغاز الطبيعي.
وقال رئيس البرلمان الإيراني وكبير المفاوضين محمد باقر قاليباف، في تصريحات لوسائل إعلام حكومية الثلاثاء، إن مضيق هرمز سيظل مغلقاً حتى تفي الولايات المتحدة بشروط مذكرة التفاهم التي انتهت مدتها. وأضاف: “لأقولها بوضوح: إلى أن تُنفَّذ الالتزامات التي تعهدت بها الولايات المتحدة في مذكرة التفاهم، بما في ذلك رفع الحصار، والإفراج عن الأصول المجمدة، ورفع العقوبات النفطية، ووقف التهديدات والعمليات العسكرية على كل الجبهات، والشروط الأخرى التي وافقت عليها أمريكا، لن يُفتح المضيق”.
ومع تصاعد التوتر قبل الحرب، فوضت الحكومة الإيرانية بعض السلطات للمحافظات الحدودية لاستيراد السلع الأساسية وبناء المخزونات. ومن أجل الصمود في وجه الحصار خلال الأشهر الماضية، ركزت إيران أيضاً على إعادة توجيه واردات الغذاء والسلع الاستهلاكية والمدخلات الصناعية عبر الحدود البرية مع باكستان وتركيا ودول أخرى، وكذلك عبر بحر قزوين مع روسيا وآسيا الوسطى.
وخلال فترة وقف إطلاق النار القصيرة التي نصت عليها مذكرة التفاهم، رُفع الحصار لعدة أسابيع في أواخر يونيو/حزيران وأوائل يوليو/تموز، ما سمح بتصدير سريع للنفط المخزن على متن ناقلات عملاقة، ومنح الجيش وقتاً لإعادة التنظيم. لكن صادرات إيران النفطية توقفت مجدداً منذ انهيار الاتفاق، وبحثت السلطات الأمريكية والإسرائيلية في تعطيل واردات إيران الداخلية لزيادة الضغط.
والضغط المتصاعد لم يفعل سوى تفاقم المشكلات الاقتصادية البنيوية في إيران، التي ترجع جذورها إلى عقود من الفساد وسوء الإدارة المحليين، فضلاً عن العقوبات والعزلة الدولية. وبالنسبة لنحو 90 مليون نسمة، تشمل العواقب تضخماً مستمراً، ووظائف هشة ومنخفضة الأجر، وتراجعاً في القوة الشرائية، وقلقاً متزايداً بشأن المستقبل.
وفي هذا السياق، حددت إدارة الرئيس مسعود بزشكيان هذا الأسبوع أولوياتها للسنتين المقبلتين، وهي استقرار الأسواق، وحماية سبل العيش، وتعزيز الصمود الوطني. لكن مهدي قودسي، الخبير الاقتصادي الكبير في معهد فيينا للدراسات الاقتصادية الدولية، قال إن الركود المطوّل الذي عاشته إيران خلال معظم السنوات الخمس عشرة الماضية يوحي بأن السياسات الحكومية لم تكن متوافقة مع تلك الأهداف. وأوضح في تصريح لشبكة الجزيرة أنه لضمان نمو اقتصادي مستدام، يتعين على الجمهورية الإسلامية تقليل المواجهة مع الولايات المتحدة والغرب وإسرائيل، مع القيام بإصلاحات محلية جادة تبتعد عن الضوابط الاجتماعية القسرية لاستعادة بعض ثقة الجمهور. وأضاف: “من دون خفض التصعيد خارجياً وإصلاح سياسي داخلياً، قد تنجح الحكومة في إبطاء تدهور مستويات المعيشة وأوضاع السوق، لكن من غير المرجح أن تحقق استقراراً دائماً أو سبل عيش أقوى أو صموداً وطنياً حقيقياً”.
الطاقة في مرمى النيران
ذكرت وسائل إعلام أمريكية أن الإجراءات الأمريكية المقبلة ضد إيران قد تشمل فرض عقوبات على مصافٍ صينية مستقلة إضافية، تُعرف باسم “أباريق الشاي”، تشتري النفط الإيراني الخام أو تعالجه. وسبق لمكتب مراقبة الأصول الأجنبية أن فرض عقوبات ثانوية على كيانات صغيرة في الصين وهونغ كونغ تتعامل في أموال النفط الإيراني، لكنه قد يخطو خطوة أكبر عبر تنفيذ تهديده بتصنيف بنوك صينية كبرى إذا تعاملت مع أموال مرتبطة بإيران. ومثل هذه الخطوة قد تثير رد فعل من الصين، في وقت تشعر فيه واشنطن بالقلق إزاء تقلص صادرات المعادن الحرجة.
ويرى الاقتصادي مهدي قودسي أن الطاقة ما تزال أقوى أوراق الضغط الأمريكية على إيران، خصوصاً بعد أن ألحقت الضربات الأمريكية والإسرائيلية أضراراً بالبنية التحتية الإيرانية. وقال: “إذا استمر الحصار حتى الخريف والشتاء، فقد تواجه البلاد نقصاً حاداً في الإمدادات. كانت إيران تعاني أصلاً من اختلالات في الكهرباء والغاز والمياه قبل هذه الصدمة؛ والمزيد من القيود سيعني تقنيناً أعمق وإغلاقات مؤقتة في الصناعة للحفاظ على إمدادات الأسر”.
كما خفضت الحكومة بعض حصص البنزين المدعومة للسيارات الخاصة، وتدرس رفع تكاليف الوقود بعد زيادة سابقة في ديسمبر/كانون الأول الماضي. وقد توقفت واردات الوقود الضرورية والمكلفة، التي كانت تبلغ عدة مليارات من الدولارات سنوياً، بسبب الحرب والحصار. وأوضح قودسي أن هذا هو السبب الذي يجعل الولايات المتحدة تستهدف على الأرجح التجارة الخارجية للطاقة الإيرانية، بما يشمل النقل البحري وخدمات الشحن والتأمين والمدفوعات والمشترين والوسطاء الأجانب الذين يبقون هذه التدفقات تعمل. وأضاف: “عملياً، يعني ذلك تشديداً في الإنفاذ ضد الكيانات في الصين وغيرها التي تسهل معاملات الطاقة الخاضعة للعقوبات، مع تدقيق أوثق في طرق إعادة الشحن والمدفوعات عبر الدول المجاورة وشركاء تجاريين آخرين”.