لماذا تجد الحكومات حول العالم صعوبة في فهم الجيل زد، ولماذا قد تظل أمام الهند فرصة؟
خرج آلاف الشباب الهنود إلى شوارع دلهي حاملين لافتات يطالبون فيها بالمساءلة والشفافية والعدالة. بالنسبة إلى كثير من المراقبين، كانت هذه الاحتجاجات مجرد فصل آخر من الصراع المألوف بين الحكومة والمعارضة. لكن هذا التفسير يفوّت الصورة الأكبر.
لم تكن احتجاجات ما يُعرف بـ”حزب الصراصير جنتا” مجرد رد فعل على منظمة معينة أو قضية واحدة. لقد كشفت عن تحوّل عميق في طريقة فهم الجيل الهندي الأصغر للسياسة والمؤسسات والعقد الاجتماعي نفسه. ففي مختلف أنحاء العالم، تكتشف الحكومات أن الجيل زد يعيد تشكيل السياسة الديمقراطية بطرق لم يتوقعها أحد. من هونغ كونغ إلى سانتياغو، ومن باريس إلى دكا، أصبحت الحركات التي يقودها الشباب أقل أيديولوجية، وأكثر ارتباطًا بالعالم الرقمي، وأكثر انشغالًا بقضايا العدالة والمساءلة والفرص. ولم تكن دلهي استثناءً؛ لقد كانت التعبير الهندي عن ظاهرة عالمية أكبر. لكن اختزال هذه الاحتجاجات في مجرد اتجاه عالمي قد يفوّت أيضًا شيئًا هنديًا خالصًا.
في قلب التظاهرات كان هناك قلق شخصي عميق يتردد في ملايين الأسر: الخوف من أن الجدارة وحدها لم تعد كافية. فاختبار القبول الطبي الموحد في الهند لم يكن يومًا مجرد امتحان عادي. إنه يلامس شيئًا أكثر جوهرية: الإيمان بأن التعليم يظل الطريق الأضمن نحو الفرص. في كل أنحاء البلاد، يستثمر الآباء مدخرات سنوات، ويضحي الطلاب بمراهقتهم، وتنظّم الأسر حياتها حول أمل واحد، وهو أن العمل الجاد سيكافأ بعدل.
لذلك، حين ظهرت اتهامات بتسريب ورقة الأسئلة، لم يقتصر الغضب على الذين خاضوا الامتحان. لقد وجد صدى لدى كل أسرة ترى في الجدارة أساس الطموح. وبهذا المعنى، لم يكن الاختبار سبب الاحتجاجات بقدر ما كان شرارة كشفت قلقًا أعمق ظل موجودًا تحت السطح. فقد عكست التظاهرات خوفًا متناميًا من أن المؤسسات المكلفة بحماية الجدارة يجب ألا تكون عادلة فحسب، بل يجب أن تبدو عادلة أيضًا. وإذا بدأت الثقة العامة بهذا المبدأ تضعف، فإن العواقب ستتجاوز امتحانًا واحدًا أو جيلًا واحدًا من الطلاب.
التاريخ يشير إلى أن الحركات النابعة من قلق حقيقي نادرًا ما تبقى محصورة في مظلمتها الأصلية. فمع اكتساب الحركة زخمًا، يدخل فاعلون جدد إلى المسرح، يسعى كل منهم إلى التأثير في السردية وتوظيف النتائج سياسيًا. احتجاجات حزب الصراصير جنتا اتبعت نمطًا ديمقراطيًا مألوفًا: بدأت بقلق مشروع بشأن العدالة والمساءلة، ثم تحولت تدريجيًا إلى جزء من صراع سياسي أوسع.
هذا ليس أمرًا غير عادي، ولا هو هندي حصري. فالحركة المناهضة للفساد التي قادها آنا هازار بدأت حملة مواطنين تطالب بإصلاح المؤسسات، قبل أن تعيد تشكيل المشهد السياسي الهندي. وفي الخارج، تحركت احتجاجات هونغ كونغ ضد قانون التسليم، وتظاهرات تشيلي ضد زيادة أجرة المترو، واحتجاجات السترات الصفراء في فرنسا، والتحركات الطلابية في بنغلاديش، في مسارات مشابهة. كل واحدة منها بدأت بمظلمة محددة، ثم تحولت إلى نقاش أوسع حول الحوكمة والثقة وشرعية المؤسسات.
المأساة أن القلق العام الحقيقي والفرصة السياسية يصلان في كثير من الأحيان معًا. الطلاب وأسرهم كانوا يبحثون عن طمأنة بأن الجدارة ستنتصر وأن المتورطين في الفساد سيعاقبون. وفي الوقت نفسه، رأى فاعلون سياسيون منظمون فرصة لتضخيم القضية والتأثير في النقاش السياسي العام. وكما يحدث غالبًا في الديمقراطيات، بدأت السياسة المحيطة بالاحتجاجات تطغى تدريجيًا على الهموم التي أوصلت الشباب إلى الشوارع.
هذا التمييز مهم. فالديمقراطيات تقوى عندما يُعترف بالمظالم الحقيقية ويتم التعامل معها، وتضعف عندما تتحول إطالة أمد الأزمة إلى غاية في حد ذاتها، أو عندما يطغى الصراع على المكسب السياسي على البحث عن حلول.
ستختفي احتجاجات حزب الصراصير جنتا من عناوين الأخبار في النهاية. ما سيبقى هو ما كشفته عن هذا الجيل. الحكومات التي تدرك هذا التحول هي التي ستشكل سياسات العقد المقبل. أما التي تتعامل مع الأمر باعتباره مجرد احتجاج عابر، فقد تكتشف أن التاريخ تجاوزها بالفعل.
التحدي الحقيقي أمام أي حكومة إذن ذو شقين: الاستجابة بجدية للقلق المشروع، وضمان أن يبقى الإصلاح المؤسسي، لا الاستعراض السياسي، في مركز النقاش الوطني.
الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري للجزيرة.