لماذا يصف الادعاء الأمريكي هواوي الصينية بأنها مؤسسة إجرامية؟

تواجه شركة هواوي الصينية العملاقة محاكمة جنائية مهمة في الولايات المتحدة، وسط التنافس التكنولوجي الطويل بين واشنطن وبكين. بدأت المحاكمة في محكمة اتحادية في بروكلين بمدينة نيويورك في 9 سبتمبر. ويصف المدعون الأمريكيون هواوي بأنها مؤسسة إجرامية أمضت عقدين في سرقة التكنولوجيا من شركات أمريكية، وخداع البنوك، والالتفاف على العقوبات المفروضة على إيران.

وتنفي هواوي التهم، وتقول إن الحكومة الأمريكية تحاول تحويل خلافات تجارية عادية وتصرفات موظفين أفراد إلى دليل على مؤامرة تشمل الشركة كلها.

ومن المتوقع أن تستمر المحاكمة نحو ثلاثة أشهر، وتتقاطع مع زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى واشنطن يومي 23 و25 سبتمبر، حيث من المرجح أن تكون التجارة والذكاء الاصطناعي والرسوم الجمركية والوصول إلى التقنيات الحيوية على جدول الأعمال.

ما هي التهم الموجهة إلى هواوي؟
اتهم المدعون الأمريكيون الشركة بالانخراط في أنشطة إجرامية منظمة، وغسل الأموال، والاحتيال المصرفي والاحتيال عبر التحويلات، وانتهاك العقوبات، وعرقلة العدالة، والتآمر لسرقة أسرار تجارية من خمس شركات تكنولوجيا أمريكية. ويقول المدعون إن المخالفات المزعومة امتدت من نحو عام 1999 إلى عام 2020.

وقال محامي وزارة العدل تايلور ستاوت في كلمته الافتتاحية: “سرقة، أكاذيب، وتغطية”.

ويزعم المدعون أن هواوي سرقت تكنولوجيا، من بينها الشفرة المصدرية لموجهات الإنترنت من شركة سيسكو، وذراع روبوتية كانت شركة تي موبايل تستخدمها لاختبار الهواتف. كما يتهمون هواوي بإخفاء طبيعة عملياتها في إيران لتحويل الدولارات عبر النظام المالي رغم العقوبات الأمريكية. وتزعم الحكومة أيضا أن هواوي زودت معدات يمكن أن تساعد السلطات الإيرانية على مراقبة المحتجين أثناء احتجاجات عام 2009.

كيف ردت هواوي؟
هواوي، وهي شركة كبيرة لتصنيع معدات الاتصالات، تنفي أي خطأ. وقال محاميها برايان هيبرليغ لهيئة المحلفين إن القضية تتعلق “بالمنافسة لا بالتآمر، وبالابتكار لا بالسرقة، وبمعاملات تجارية عادية لا بسلوك إجرامي”.

يقرأ  جندي إسرائيلي يُصاب بجروح متوسطة برصاص قناص من حماس في محيط مدينة غزة مع احتدام الاقتحام

واتهم هيبرليغ المدعين بـ”انتقاء أحداث معزولة” لبناء مؤامرة غير موجودة. ويقول دفاع هواوي إن بعض الحوادث تخص موظفين أفراد جرى التعامل مع تصرفاتهم داخليا، ولا تعكس سياسة الشركة. وأضاف للمحلفين أن المدعين سيصفون أنشطة روتينية تقوم بها شركات التكنولوجيا العالمية “لكنهم سيحرفون هذه الأنشطة العادية ليظهروها وكأنها إجرامية”.

ووصفت هواوي، في تعليق منفصل، الملاحقة الأوسع بأنها محاولة لتقويض قدرتها التنافسية، وقالت إن “السردية الشاملة” للحكومة الأمريكية “خاطئة بشكل واضح”، وإنها “تحترم الملكية الفكرية احتراما بالغا”.

بدأت القضية في عهد دونالد ترامب الأول. وأدرجت إدارته هواوي على قائمة تجارية أمريكية سوداء في 2019، ودفعت حلفاءها إلى استبعاد الشركة من شبكات الجيل الخامس، بحجة أن معداتها قد تشكل مخاطر على الأمن القومي والتجسس. ونفت هواوي مرارا أن تكون تكنولوجيتها تستخدم للتجسس.

ما رد الصين؟
انتقدت بكين الملاحقة بقوة، وهي تأتي قبل أسابيع من زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى الولايات المتحدة. وقال متحدث باسم وزارة الخارجية الصينية يوم الخميس، ردا على سؤال عن القضية وعن وصف المدعي الأمريكي لهواوي بأنها “مؤسسة إجرامية”، إن “الحكومة الصينية تعارض بشدة قمع الجانب الأمريكي للشركات الصينية واحتوائها”. وأضاف المتحدث في مؤتمر صحفي دوري إن الصين “تدعم بقوة الشركات الصينية في حماية حقوقها ومصالحها المشروعة”.

ما هي هواوي، وهل واجهت تحقيقات من قبل؟
هواوي واحدة من أكبر مصنعي معدات الاتصالات في العالم. وتنتج أيضا الهواتف الذكية، وأصبحت أكثر أهمية لصناعات أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي في الصين.

وقد أثارت أنشطتها تدقيقا يتجاوز المحاكمة الأمريكية الحالية. ففي 2025، بدأ مدعون بلجيكيون تحقيقا في اشتباه بفساد يتعلق بالبرلمان الأوروبي ويُزعم أنه جرى لمصلحة هواوي. وبعد ذلك، علق البرلمان الأوروبي وصول جماعات الضغط التابعة لهواوي. وقالت هواوي إنها تطبق “سياسة عدم التسامح مطلقا” مع الفساد، وإنها ستتعاون مع السلطات.

يقرأ  «معجزة»: الولايات المتحدة تنقذ الطيّار الثاني الذي أسقطته إيران — وهو ما أكده ترامبأخبار الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية ضد إيران

وفي 2018، تصدرت منغ وانزو، المديرة المالية لهواوي، عناوين الأخبار عالميا عندما أوقفت بموجب مذكرة أمريكية بعد هبوط طائرتها في فانكوفر، مما زاد التوتر بين الولايات المتحدة والصين وبين الصين وكندا. وكانت المذكرة قد صدرت بعد لائحة اتهام سرية اتهمتها هي والشركة بالاحتيال المصرفي بسبب تضليل بنك إتش إس بي سي وبنوك أخرى بشأن أعمال هواوي في إيران. وعادت إلى الصين في 2021 بموجب اتفاق تأجيل ملاحقة، ثم أُسقطت التهم عنها لاحقا. لكن الاعترافات التي قدمتها منغ في إطار ذلك الاتفاق يمكن تقديمها كأدلة في محاكمة هواوي الحالية، بعدما قرر قاض أمريكي في يونيو أنها مقبولة.

وهي قضية منفصلة قانونيا، لكنها تشكل جزءا من تنافس اقتصادي وتكنولوجي أوسع بين واشنطن وبكين. وقد أصبحت هواوي واحدة من أبرز أهداف القيود الأمريكية خلال ولاية ترامب الأولى. ومنذ ذلك الحين، توسع التنافس من الاتصالات والجيل الخامس إلى أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي، مع تقييد واشنطن وصول الصين إلى الرقائق الأمريكية المتقدمة وتكنولوجيا تصنيع الرقائق.

وفي الأسبوع الماضي، حذر داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة أنثروبيك، من أن “تقدم الصين في الذكاء الاصطناعي سيشكل خطرا كبيرا على الولايات المتحدة والعالم”، ودعا واشنطن إلى الإبقاء على القيود على تقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدمة. كما دعا إلى اتخاذ إجراءات ضد ما يسمى “تقطير” النماذج الأمريكية من قبل مختبرات الذكاء الاصطناعي الصينية. وفي 14 سبتمبر، اتهمت وزارة الخارجية الصينية شركة التكنولوجيا الأمريكية بـ”بث الذعر”. وقال المتحدث باسم الوزارة غو جياكون: “إثارة تهديدات مختلفة، والانخراط في المواجهة والمنافسة الخبيثة، لن يؤدي إلا إلى تعطيل مسار الحوكمة العالمية للذكاء الاصطناعي، ولا يخدم مصالح أي طرف”. وذهبت صحيفة غلوبال تايمز المدعومة من الدولة إلى أبعد من ذلك، إذ وصفت مقترح أمودي بأنه “خطة من كتب الحرب الباردة” هدفها الحقيقي كبح تطور الذكاء الاصطناعي الصيني والحفاظ على التفوق التكنولوجي الأمريكي.

يقرأ  أدّيت صلاة الجنازة على الأمير الوالد الشيخ حمد في الدوحة

وكانت الصين والولايات المتحدة تخوضان حرب رسوم جمركية بالمثل في بداية رئاسة ترامب في 2025. وانتهت الحرب بهدنة، لكن أكبر اقتصادين في العالم لم يتوصلا إلى اتفاق تجاري. وفي الوقت نفسه، استخدمت بكين هيمنتها على المعادن الحيوية كورقة ضغط، وسرعت جهودها لبناء بدائل محلية للتكنولوجيا الأمريكية.

وحاليا تسيطر الصين على معظم المعادن النادرة في العالم، بما فيها معادن ضرورية لتصنيع كثير من المنتجات التكنولوجية، من الهواتف الذكية إلى الطائرات المقاتلة. ويمتلك ثاني أكبر اقتصاد في العالم 60 في المئة من هذه المعادن، ويعالج 90 في المئة من الإمداد العالمي.

وفي أكتوبر، أعلنت بكين خططا تلزم الشركات الأجنبية بالحصول على إذن لتصدير معدات أو مواد صينية من المعادن النادرة. وهذا يعني أن الشركات في أي مكان في العالم ستحتاج إلى ترخيص لتصدير مغناطيسات المعادن النادرة وبعض مواد أشباه الموصلات التي تحتوي حتى على كميات ضئيلة من معادن مصدرها الصين أو مصنوعة باستخدام تكنولوجيا صينية. وقالت وزارة التجارة الصينية إن ضوابط التصدير على المعادن النادرة، التي وصفها ترامب بأنها “مفاجئة” و”عدائية جدا”، جاءت ردا على سلسلة من الإجراءات الأمريكية.

أضف تعليق