الجوع الممنهج كيف حوّلت إسرائيل الغذاء إلى سلاح في حرب غزة ضمن الصراع الإسرائيلي–الفلسطيني

في الأشهر الثلاثة الأولى من حرب إسرائيل الإبادة الجماعية على غزة عام 2023، سجَّلت الجهات الصحية في القطاع رسمياً أربع حالات وفاة جراء المجاعة فقط. بحلول 2024 ارتفعت هذه الحصيلة إلى 49 وفاة. لكنّ عام 2025 — العام الذي بلغ فيه الحصار ذروته الخانقة — شهد انفجاراً في عدد الوفيات ليصل إلى 422 حالة وفاة في سنة واحدة.

هذا يمثل زيادة مروِّعة نسبتها 760 بالمئة في وفيات الجوع خلال 12 شهراً فقط.

المقرر الخاص للأمم المتحدة بشأن الحق في الغذاء، مايكل فخري، قال لِـ”الجزيرة” في آب/أغسطس 2025 إن المعيار العالمي لتحليل المجاعة المسمى “التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي” (IPC) يميل لأن يكون محافظاً. وأضاف: «الحقيقة على الأرض كانت واضحة لا تقبل التأويل. أطلقنا الإنذار عندما بدأنا نرى أول الأطفال يموتون»، مشيراً إلى أن الأزمة استوفت المعايير التقنية الصارمة لتصنيفها كمجاعة.

قدمت وزارة الصحة في غزة تفصيلاً للضحايا: 40.63% منهم من كبار السن (فوق 60 عاماً)، و34.74% أطفالاً. وفي عام 2025 وحده ارتفعت الحالات بين الأطفال دون الخامسة من 2,754 في يناير إلى 14,383 في أغسطس.

خبراء القانون أشاروا إلى أن ما حدث في غزة لم يكن مجرد «انعدام أمن غذائي» فحسب؛ بل استوفى المعايير التقنية الصارمة للمجاعة، واسم التصنيف غالباً ما يتأخر لأسباب بيروقراطية وسياسية.

قال فخري: «في مجتمع حقوق الإنسان، لا ننتظر طويلاً… لسنا مضطرين للتركيز على قياس الألم والمعاناة والوفاة فقط. أطلقنا الإنذار عندما بدأنا نرى الأطفال الأوائل يموتون… لأن عندما يحمل أحد الوالدين طفله في ذراعَيْه، وذلك الطفل يذبل، فذلك يعني أن مجتمعاً بأكمله يتعرض لهجوم».

تشريح استراتيجية

اتهم الفلسطينيون في قطاع غزة ومناطق أخرى من الأرض الفلسطينية المحتلة الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة باتباع سياسة قديمة لاستخدام الغذاء والمساعدات كسلاح حرب.

يقرأ  اليابان تستعد لإعادة تشغيل أكبر محطة للطاقة النووية في العالمأخبار فوكوشيما

يعزو المعلق والباحث في الشؤون الإسرائيلية سليمان بشارات هذه الاستراتيجية إلى حصار غزة الذي فرضته إسرائيل عام 2007. قال بشارات إن الفكرة الأساسية كانت «التجويع وتضييق حياة الناس اليومية». وقد لُخّص هذا المبدأ بشكل شهير في 2006 على لسان دوف فايسغلاس، مستشار رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك، حين قال إن الهدف كان «وضع الفلسطينيين على نظام غذائي، لكن ليس لقتلهم جوعاً»، وأضاف أن الحرب مثلت تحوّلاً من «الإدارة» إلى «الإبادة».

أوضح وزراء إسرائيليون كبار نواياهم منذ بداية الحرب الإبادة على غزة. فقد وصف وزير الدفاع الإسرائيلي السابق يواف غالانت السكان بأنهم «حيوانات بشرية»، وتعزَّزت تصريحاته سريعاً من قبل وزير المالية اليميني المتطرف بيتسلئيل سموتريتش الذي جادل بأن منع المساعدة عن غزة «مبرَّر وأخلاقي»، حتى لو أدى ذلك إلى تجويع الملايين.

تعزيز السياسة جاء بشكل شامل. قبل اندلاع الحرب على غزة عام 2023، قالت الأمم المتحدة إن 500 شاحنة محملة بالغذاء والمساعدات كانت ضرورية لإبقاء الناس في غزة مستمرين. لكن خلال الحرب سمح بدخول معدّل 19 شاحنة يومياً إلى القطاع — أي انخفاض بنسبة 96% — ما أطلق عليه بعض وسائل الإعلام الإسرائيلية «انهيار السعرات الحرارية».

انهيار السعرات الحرارية: قبل الحرب كانت 500 شاحنة تكفي لإطعام غزة يومياً. خلال الصراع انخفض هذا الرقم إلى متوسط 19 شاحنة يومياً — انخفاض بنسبة 96%.

حرب العطش: تراجع توافر المياه من 84 لتراً للفرد إلى 3 لترات فقط خلال الحصار.

الأرض المحروقة: دمرت إسرائيل بشكل منهجي البنية التحتية للإنتاج الزراعي. بحلول أغسطس 2025، تشير التقديرات الى أن 90% من الأراضي الزراعية قد طُمرت، ودُمرت 2,500 مزرعة دواجن (مما أدى إلى نفوق 36 مليون طائر)، وتعرَّض ميناء الصيد للتدمير الكامل.

يقرأ  وصول روبيو إلى إسرائيل — الجيش الإسرائيلي يواصل تدمير المباني في مدينة غزة

«لو أرادت إسرائيل فعل ذلك، لكان بإمكان كل طفل في غزة تناول فطوره غداً»، لاحظ دي وال. «كل ما عليهم فعله هو فتح البوابات».

بالإضافة إلى الغذاء، شهد أهل غزة تراجعاً حاداً في كميات المياه المسموح بها من إسرائيل. وقالت منظمة أوكسفام إن غزة، بعد 100 يوم من «الهدنة»، لا تزال محرومة عمداً من المياه بينما تضطر منظمات الإغاثة إلى التنقيب تحت حصار غير قانوني.

كما اتبعت إسرائيل سياسة «الأرض المحروقة»، مدمرة البنية التحتية للإنتاج الزراعي بشكل منهجي. وبتركيز الحملة على المناطق القريبة من الحاجز الأمني في الشمال والجنوب والشرق، ارتكز التدمير على قلب قدرة القطاع على الإنتاج الغذائي.

حذر محمد أبو عودة، المتحدث باسم وزارة الزراعة في غزة، من أن تدمير الجيش الإسرائيلي للحقول وسيطرته عليها سيؤثر على سلسلة الإمداد وتوفير الخضار لما يقرب من مليوني نسمة في القطاع.

سراب المساعدات

يشير مسؤولون ومحللون فلسطينيون إلى أن إسرائيل اتبعت استراتيجية لعرقلة المساعدات وأحياناً للتلاعب بكيفية إيصالها. قال المحلل السياسي عبد الله عقرباوي إن إسرائيل والولايات المتحدة حاولتا خلق نظام توصيل مساعدات خاص بهما، مثل «مؤسسة غزة الإنسانية» (GHF)، لكنه فشل. وقُتل المئات من الفلسطينيين عند محطات GHF أثناء محاولتهم الوصول إلى الغذاء.

«وصلت الولايات المتحدة بمِرْسى وتعاقدت مع شركات… وفشلت»، قال عقرباوي، مشيراً إلى أن هذه المبادرات كانت محاولات لـ«دعم جيوب إجرامية» أو عائلات محددة لتوزيع المساعدات، «وبذلك عزلت حماس — المقاومة».

إعادة هندسة المجتمع

يقول محللون إن أساليب التجويع استُخدمت ليس فقط لكسب ميزة عسكرية، بل أيضاً لإحداث موقف «مضاد للمقاومة» داخل غزة. «الهدف هو كسر قاعدة الدعم الاجتماعي للمقاومة»، شرح بشارات. ويجادل بأن إسرائيل سعت إلى «إعادة هندسة الإنسان الفلسطيني» ليصبح تركيزه المعرفي الوحيد البقاء على قيد الحياة، معطَّلاً عن التفكير السياسي.

يقرأ  ادعاء زائف — الفيديو لا يُظهر رئيس الوزراء الإسرائيلي وهو يتعرض للضرب من قبل الحشود

وصف المحللون سلسلة سياسات تبناها مسؤولون إسرائيليون لدفع الفلسطينيين للخروج من غزة، ومُلَّفَفة بمصطلحات مُضلِّلة مثل تشجيع «الهجرة الطوعية». وصف خبير الشؤون الإسرائيلية مهند مصطفى ذلك بأنه تورية ساخره للنزوح القسري: «تجوع الناس، تدمر البنية التحتية… وفي النهاية تسألهم: هل تريدون الهجرة؟»، كما قال لقناة الجزيرة. «هذا نزوح قسري، وليس هجرة طوعية.»

أشار نشطاء حقوقيون إسرائيليون مراراً إلى سياسات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو التي تهدف إلى الضغط على سكان غزة والضفة الغربية المحتلة لإجبارهم على الرحيل. وصفّت أليس روثتشايلد، العضو في حركة «الصوت اليهودي من أجل السلام»، هذه السياسات بأنها آليات مهينة، مفصّلة كيف أجبرت المنظومة المدنيين الجائعين على السير لأميال إلى مراكز الإطعام، و«تجميعهم في أقفاص» لتلقّي المساعدة. «هذا كله جزء من محاولة تدمير غزة»، كما قالت.

مستقبل محدد بالجوع

اليوم، بالرغم من «وقف إطلاق النار» الذي يفترض أنه جاري، وما يزال الان يواجه قصفاً متكرراً، فإن تدمير العمود الفقري الزراعي لغزة جعل القطاع يعتمد اعتماداً كلياً على المساعدات الخارجية، ما يمنح الاحتلال قدرة تحكّم دائمة في مصيره. الأرقام الرسمية المسجلة، التي تشير إلى 475 وفاة، ليست سوى قمة جبل الجليد.

بالنسبة لعدد كبير من الفلسطينيين قد يكون النزاع «موقوفاً» نظرياً، لكن الجوع المصنّع والندوب الجسدية والسياسية قد تترك جراحاً تمتد لعقود، تؤثر في حياة جيل كامل ومستقبيلة غير مؤكّد.

أضف تعليق