كان توقيع 200 دولة على اتفاق باريس في عام 2015 لحظة نادرة من الوحدة العالمية، وكانت الفرحة حقيقية. فوسط الهتافات والدموع، وافقت كل دول العالم تقريباً على المعاهدة الدولية للمناخ. وكان جوهر الاتفاق الالتزام بإبقاء ارتفاع درجة حرارة الأرض دون 1.5 درجة مئوية (2.7 درجة فهرنهايت) مقارنة بمستويات ما قبل الثورة الصناعية في منتصف القرن التاسع عشر.
لكن بعد 11 عاماً على ذلك، بات واضحاً أن الأرض ستتجاوز هذا الحد قريباً بسبب استمرار حرق الوقود الأحفوري بمستويات قياسية. فقد وجد تقرير صادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة في نيروبي بكينيا، بعنوان «الحد من تجاوز الحد»، أنه حتى في السيناريو الأكثر تفاؤلاً، سترتفع حرارة الأرض 1.8 درجة مئوية (3.2 درجة فهرنهايت) فوق مستويات ما قبل الصناعة. ويضيف التقرير أن أفضل أمل للكوكب هو اتباع مسار «تجاوز، ثم ذروة، ثم انخفاض». وهذا يعني أنه ما يزال ممكناً وضرورياً خفض درجات الحرارة وتحقيق أهداف باريس، لكن تصحيح المسار ضروري للوصول إلى هناك.
ويتصور التقرير أن ارتفاع حرارة الأرض سيتجاوز عتبة 1.5 درجة مئوية «خلال السنوات القليلة المقبلة»، ثم يواصل الارتفاع، وبعد ذلك يبرد تدريجياً إلى ما دون عتبة 1.5 درجة، على أمل أن يحدث ذلك بحلول نهاية القرن.
الحد من الصدمة
يوضح التقرير أن تأثير ارتفاع درجات الحرارة سيزداد مع كل سنة تمضي فوق عتبة 1.5 درجة مئوية. فسوف يصبح الطقس المتطرف أكثر تطرفاً، وسيزداد خطر غرق الدول الجزرية الصغيرة والمدن الساحلية، بينما يتسارع فقدان التنوع البيولوجي. ويعني ذلك أن كوارث مثل فيضانات نيبال المفاجئة الكارثية مؤخراً، التي قتل فيها أكثر من 1300 شخص وما زال الآلاف في عداد المفقودين، والتي سبّبها ذوبان الأنهار الجليدية، قد تصبح أكثر تكراراً.
قال توم ريفيت-كارناك، الذي ساهم في تشكيل بنية اتفاق باريس، للجزيرة إن هذا التجاوز يبدو شبه محسوم. وأضاف: «تجاوز الحد خطير للغاية ويرفع خطر الوصول إلى نقاط تحول جامحة. إذا كان لا بد أن يحدث، فمهمتنا هي جعله أصغر وأقصر ما يمكن». لكن التقرير يحذر من أنه لضمان عودة ارتفاع الحرارة إلى عتبة 1.5 درجة مئوية في المستقبل، يحتاج العالم إلى التحرك الآن، مع خفض مستدام لانبعاثات الغازات الدفيئة.
قال محمد آدو من مركز أبحاث «باور شيفت أفريقيا» للجزيرة إن كل جزء من الدرجة فوق 1.5 درجة مئوية يعني خسائر بشرية أكبر، ومحاصيل فاشلة أكثر، وأضراراً أوسع للاقتصادات. وأضاف: «إذا لم يعد تجاوز 1.5 درجة مئوية ممكناً تجنبه، فعلينا بالتأكيد إبقاء هذا التجاوز تحت السيطرة وإعادة درجات الحرارة إلى الانخفاض في أسرع وقت ممكن. الاستسلام لأن 1.5 درجة تم اختراقها مؤقتاً سيكون خطأ كارثياً لا يُغتفر».
نحن بحاجة إلى شجاعة سياسية
قال ريفيت-كارناك إنه رغم الزخم الاستثنائي الذي أحدثه اتفاق باريس، حيث قلّص حجم الاحترار المتوقع وعزز نمو الطاقة النظيفة، فإن الإرادة السياسية اللازمة لإكمال المسار لم تظهر. وأوضح: «كانت توقعات ارتفاع الحرارة قد انخفضت من 3 إلى 3.5 درجات في 2015 إلى ما يقارب 2.3 إلى 2.5 درجة الآن، فتقدم باريس حقيقي. لكن الافتراض في 2015 كان أن السياسة ستتبع الاقتصاد، وأن انخفاض تكاليف الطاقة المتجددة سيرفع الطموح السياسي معها. وقد ثبت أن ذلك ليس هو الحال دائماً».
وأبرز مثال على ذلك الولايات المتحدة، التي أثبتت تقلباً كاملاً. ففي كل من ولايتي دونالد ترامب، انسحبت من اتفاق باريس بالكامل، بينما تظل إدارة ترامب منخرطة بشدة في الترويج للنفط الأمريكي، والآن الفنزويلي، للمستهلكين الدوليين.
منذ 2015، استمر استهلاك الوقود الأحفوري العالمي في الزيادة. ووفقاً لوكالة الطاقة الدولية، ارتفعت انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنحو 145 مليون طن في 2025، لتصل إلى مستوى قياسي جديد بلغ 38.4 مليار طن، أي أعلى بنسبة 5% من مستويات 2019. ويحدث هذا رغم الانخفاض الهائل في تكلفة إنتاج الطاقة المتجددة. فوفقاً للوكالة الدولية للطاقة المتجددة «آيرينا»، الطاقة الشمسية الآن أرخص بنسبة 90% مما كانت عليه في 2010. وتقول الوكالة إن مصادر الطاقة المتجددة أصبحت المصدر الأكثر تنافسية من حيث التكلفة لتوليد الكهرباء الجديدة مقارنة بالوقود الأحفوري، إذ إن أكثر من 90% من المشاريع واسعة النطاق التي بدأت العمل في 2025 أنتجت كهرباء بتكلفة أقل من تكلفة أرخص محطة وقود أحفوري جديدة في أسواقها.
قال محمد آدو: «المأساة أن تقدمنا التكنولوجي تجاوز تقدمنا السياسي. ما ينقصنا حكومات مستعدة لنشر تكنولوجيا الطاقة المتجددة بالسرعة اللازمة، وإنهاء استخدام الوقود الأحفوري، وتوفير التمويل للدول النامية للقيام بهذا التحول. الطريق إلى الخروج من هذه الأزمة أوضح مما كان عليه في 2015. نحتاج الآن إلى الشجاعة السياسية لسلوكه».
التراجع المناخي ومراكز بيانات الذكاء الاصطناعي
تراجع سياسات المناخ الأمريكية في عهد الرئيس ترامب وانسحابه من اتفاق باريس أبطأ بلا شك زخم التغيير على مستوى الحوكمة العالمية. كما أن الطلب العالمي على الطاقة، ولا سيما من الذكاء الاصطناعي، ما يزال في ارتفاع. ففي 2024، قُدر أن مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي استهلكت نحو 1.5% من كهرباء العالم، ومن المتوقع أن يتضاعف هذا الاستهلاك بحلول 2030.
يعتقد كثيرون أنه يقع على عاتق شركات التكنولوجيا الكبرى مثل آبل وميتا استخدام تقنيات جديدة لعكس اتجاه انبعاثات الذكاء الاصطناعي. قال جان روزينو، أستاذ سياسات الطاقة والمناخ في جامعة أكسفورد، للجزيرة: «الطلب على مراكز البيانات يرتفع بشكل حاد، وعدد كبير جداً مما يُبنى منها يعمل بالوقود الأحفوري. على شركات التكنولوجيا أن تفعل الشيء الصحيح». وأشار روزينو إلى استخدام أنظمة الطاقة الدائرية كوسيلة لخفض الانبعاثات، فقال: «الحرارة المهدرة من مراكز البيانات يمكن وينبغي استعادتها، وهذا شيء يحدث في السويد منذ سنوات».
الطلب الهائل على الكهرباء لتشغيل الذكاء الاصطناعي يجعل شركات التكنولوجيا الكبرى تكافح للوفاء بتعهداتها المناخية. ففي يوليو من هذا العام، ذكرت صحيفة الغارديان البريطانية أن الانبعاثات الكربونية المجمعة لمايكروسوفت وأمازون وجوجل زادت بنحو 20% في عام واحد، وهي زيادة تعادل نحو ثلث انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في فرنسا. وفي تقرير الاستدامة السنوي، قالت أمازون: «نحن ندرك أن الطريق إلى أن نصبح شركة أكثر استدامة ليس خطاً مستقيماً. ورغم أن انبعاثاتنا زادت في 2025، فإننا نظل ثابتين على التزامنا بالاستدامة».
الطلب المتزايد بفعل الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة خصوصاً يُلبى بشكل متزايد بالوقود الأحفوري. وذكر مشروع النزاهة البيئية أن هناك خططاً لبناء ما لا يقل عن 74 محطة كهرباء تعمل بالغاز لتغذية مراكز البيانات، قد تطلق أكثر من 660 مليون طن من الغازات الدفيئة سنوياً، وهو ما يعادل تلوث أستراليا السنوي.
إزالة الكربون
للمساعدة في إعادة العالم إلى مسار عتبة 1.5 درجة مئوية، يشير تقرير برنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى الحاجة إلى تنفيذ مشاريع واسعة النطاق لإزالة ثاني أكسيد الكربون. وتشمل هذه المشاريع طرقاً تقليدية مثل زراعة الأشجار واستعادة النظم البيئية، وطرقاً أكثر إثارة للجدل مثل احتجاز الكربون وتخزينه، حيث تُجمع الانبعاثات وتُنظف وتُخزن في أعماق الأرض، وهي تكنولوجيا يصعب تنفيذها على نطاق واسع.
قال روزينو إن تقنيات إزالة الكربون لها مكانها، لكنها ليست الطريق الأساسي لإزالة الكربون من الاقتصاد. وأوضح: «لماذا؟ لأنه من الأرخص بكثير تجنب إطلاق الانبعاثات في المقام الأول».