الحرب على الإرهاب: كيف غيّرت هجمات الحادي عشر من سبتمبر لغة الصراع | أخبار حقوق الإنسان

بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر على مركز التجارة العالمي في نيويورك، دخل قاموس جديد للحرب إلى صميم السياسة الأميركية. صار التعذيب يُسمى «استجوابًا معززًا»، وتحويل المشتبه بهم سرًا عبر الحدود «تسليمًا استثنائيًا»، والمعتقلون في خليج غوانتانامو «مقاتلين أعداء»، في حين وُصفت الضربات القاتلة بأنها «جراحية» أو «دقيقة».

في مركز هذا القاموس كانت عبارة واسعة، قادرة على احتواء كل ما جاء بعدها: «الحرب على الإرهاب».

بهذه العبارة عُرّف عصر كامل؛ عصر غزت فيه الولايات المتحدة أفغانستان والعراق بصورة غير قانونية، وأنشأت مركز غوانتانامو سيئ السمعة لاحتجاز «الإرهابيين»، ووسّعت بقوة أجهزة المراقبة وصلاحيات الأمن القومي داخل البلاد. ويقول خبراء إن قاموسًا جديدًا سهّل كل ذلك؛ قاموسًا جعل العنف يبدو نظيفًا، ومحا إنسانية من يستهدفهم.

بعد خمسة وعشرين عامًا، لم تعد عبارة «الحرب على الإرهاب» تُسمع كثيرًا من البيت الأبيض. لكن كثيرًا من الأفكار والموضوعات التي رسّختها ما زالت متجذرة بعمق في السياسة الأميركية.

قالت ليوني جاكسون، وهي محاضرة بارزة في العلاقات الدولية بجامعة نورثمبريا في المملكة المتحدة، للجزيرة: «أعتقد أننا نرى إرث الحرب على الإرهاب في كل مكان في السياسة الأميركية اليوم. بل أرى أننا ما زلنا داخل منطق هذه الحرب».

حرب بلا جبهات

بعد تسعة أيام من هجمات نيويورك وواشنطن عام ٢٠٠١، خاطب الرئيس الأميركي آنذاك جورج دبليو بوش جلسة مشتركة للكونغرس. قال: «تبدأ حربنا على الإرهاب مع القاعدة، لكنها لا تنتهي هناك. لن تنتهي حتى يُعثر على كل جماعة إرهابية ذات امتداد عالمي وتُوقف وتُهزم».

كان الكونغرس قد أقرّ تفويضًا لاستخدام القوة العسكرية وقّعه بوش في الثامن عشر من سبتمبر. منح التفويض الرئيس سلطة واسعة لاستخدام القوة ضد من يقرر أنهم خططوا لهجمات سبتمبر أو أذنوا بها أو نفذوها أو ساعدوا فيها، أو ضد من آوى المسؤولين عنها.

لكن هذه الحرب، بخلاف الحروب التقليدية، لم تكن ضد جماعة أو دولة محددة.

قال كريستوفر بيكر بيل من جامعة بورنماوث للجزيرة إن «الإرهاب ليس دولة ولا أرضًا ولا حتى منظمة معينة. إنه تكتيك». وأضاف أن إعلان «حرب على الإرهاب» لذلك خلق نزاعًا بلا حدود جغرافية واضحة أو عدو محدد، وبالتالي بلا نهاية طبيعية.

وفي وقت لاحق من ذلك العام، وضع بوش تحديا صارخا أمام المجتمع الدولي: «إما أن تكونوا معنا أو مع الإرهابيين». وكان يكثر أيضًا من استخدام كلمة «شر».

قالت هارموني توروس، أستاذة السياسة والعلاقات الدولية في جامعة ريدينغ بالمملكة المتحدة، للجزيرة إن هذه اللغة تُستخدم لتنظيف الأفعال الأميركية، وهي أفعال قد تبدو غير مقبولة لديمقراطية طبيعية عاملة. وفي الوقت نفسه، قالت إنها تمثل جهدًا خطابيًا قويًا لشيطنة العدو. وأضافت أن الخوف والغضب والرغبة في الرد تتجمع لتصنع هذه «الحرب على الإرهاب».

يقرأ  دعم الوقود الأحفوري وسياسات متقلبة تُعيق نمو الطاقة النظيفة في آسيا

كانت النتيجة سردية قسمت العالم لا بين حلفاء وأعداء فحسب، بل بين تصورات «الخير» و«الشر». وفي ورقته «١١ سبتمبر وأزمة المعنى والتضليل في القرن الحادي والعشرين»، كتب جيسون توماس إن هذا ينبع من أفكار استعمارية عن التحضر والهمجية، وإن الولايات المتحدة بنت سردية «أكدت أن ثنائية المتحضر/الهمجي محور أساسي في السياسة العالمية».

حين صار التعذيب «استجوابا معززا»

غزت الولايات المتحدة أفغانستان بعد أقل من شهر من أحداث ١١ سبتمبر ٢٠٠١. ثم في مارس ٢٠٠٣، غزا تحالف تقوده واشنطن العراق استنادًا إلى مزاعم متكررة من إدارة بوش بأن الرئيس العراقي صدام حسين يملك أسلحة دمار شامل قد تهدد الولايات المتحدة وحلفاءها. وفي النهاية لم يُعثر على المخزونات التي قالت واشنطن إنها متأكدة من وجودها، لكن الوقت كان قد فات.

سرعان ما توسعت «الحرب على الإرهاب» إلى شبكة هائلة من العمليات العسكرية والسرية في العالم. وقد مرّ نحو ٧٨٠ شخصًا عبر السجن العسكري الأميركي في خليج غوانتانامو. أُطلق سراح معظمهم لاحقًا من دون توجيه أي تهمة إليهم، لكن بعضهم ظل سنوات طويلة في احتجاز بلا تهم، وصلت إلى عقدين.

عندما وصل المحامي البريطاني الأميركي كلايف ستافورد سميث إلى غوانتانامو لتقديم المساعدة القانونية للمعتقلين بعد افتتاحه بوقت قصير، وكان من أوائل المحامين الذين سُمح لهم بالدخول، قال إنه رأى فتيانًا في الرابعة عشرة من العمر محتجزين. وكتب ستافورد سميث للجزيرة عام ٢٠٢٢ أن معتقل غوانتانامو «وُلد كذبة مؤسفة وما زال كذلك».

إلى جانب غوانتانامو، أدارت وكالة الاستخبارات المركزية مراكز احتجاز سرية في الخارج، أو «مواقع سوداء»، بينما تحول تعذيب القوات الأميركية للمعتقلين وإساءة معاملتهم في سجن أبو غريب في العراق إلى واحد من أشهر فضائح الحرب.

وكانت اللغة التي سهّلت هذه الممارسات تبدو سريرية عن قصد. فالتعذيب وأساليب الاستجواب القاسية، ومنها الغرق الوهمي والحرمان الطويل من النوم ووضعيات الإجهاد، وُصفت بأنها «تقنيات استجواب معززة». أما النقل السري للمعتقلين خارج الإجراءات القضائية العادية فصار «تسليمًا استثنائيًا».

قال بيكر بيل إن ما يلفت النظر في كثير من هذه المصطلحات هو طابعها البيروقراطي أو التقني. وكان أثرها خلق «مسافة أخلاقية وسياسية» قادرة على تنظيف أعمال عنف استثنائية وتحويلها إلى شيء يبدو كأداة عادية من أدوات سياسة الحكومة.

يقرأ  هل تستطيع الولايات المتحدة تحدي هيمنة الصين على المعادن الحرجة؟ــــــــــــــــــــــــــــــــالأعمال والاقتصاد

وفي سلسلة مذكرات قانونية عُرفت باسم «مذكرات التعذيب»، بنى محامون في إدارة بوش تفسيرًا ضيقًا للغاية لما يشكل تعذيبًا، بينما كانت وكالة الاستخبارات تسعى إلى سلطة قانونية لاستخدام أساليب استجواب متزايدة القسوة والإكراه.

قالت جاكسون إن اللغة الملطفة ساعدت في تغطية هذه الممارسات بـ«طلاء من الشرعية»، مما سمح للقادة بانتهاك الحمايات القانونية الدولية مع الحفاظ على صورة الولايات المتحدة كـ«الأخيار».

وقال طاهر عباس، أستاذ علم الجريمة والعدالة العالمية في جامعة أستون بالمملكة المتحدة، للجزيرة إن هذه اللغة «جعلت عامة الناس أقل حساسية أيضًا، حتى صاروا أكثر بلادة تجاه الطرق الشديدة اللاإنسانية ونزع الصفة الإنسانية التي كانت تُناقش بها مسائل الموت والدمار». وأضاف أن ذلك حدث «غالبًا في ما يتعلق بضحايا أبرياء».

الشك ودولة المراقبة

بعد خمسة وأربعين يومًا من ١١ سبتمبر، وقّع بوش قانون باتريوت، فوسّع إلى حد كبير أجهزة المراقبة في الحكومة الأميركية، وجعل تبادل المعلومات الشخصية بين أجهزة الاستخبارات وإنفاذ القانون أسهل.

كما غيّرت البنية الأمنية التي جاءت بعد ١١ سبتمبر طريقة فهم الهجرة والحدود والشرطة الداخلية. أُنشئت وزارة الأمن الداخلي عام ٢٠٠٢، وجمعت تحت مظلة أمن قومي واحدة عددًا من الوكالات المسؤولة عن الحدود والهجرة والنقل والأمن.

وصارت سياسة الأمن تهتم لا بما فعله الشخص فقط، بل بما قد يفعله في المستقبل. قال بيكر بيل إن التحول السياسي الأساسي انتقل من الاستجابة لتهديدات فعلية إلى إدارة تهديدات مستقبلية محتملة. وأضاف: «حين يحدث ذلك، يصبح النطاق المحتمل لسياسة الأمن أوسع بكثير».

خلق هذا المنطق مساحة سياسية لجمع المعلومات والاحتجاز وضبط الحدود والسلطة التنفيذية. كما أدخلت حكومات في أوروبا قوانين واسعة لمكافحة الإرهاب ووسّعت المراقبة، بينما وجدت المجتمعات المسلمة نفسها في الغالب على الطرف المتلقي.

وصف عباس النتيجة بأنها «أثر ارتدادي»، حيث صار تجريد المواطنة والتصنيف الأمني والمراقبة أمورًا معتادة في حياة المسلمين. وقال إن لغة الحرب على الإرهاب ساعدت في بناء سياسة أوسع من «إقصاء الآخر»، يمكن فيها تصوير مجتمعات كاملة كمصادر خطر، حتى يصبح مجرد الشك مبررًا للمراقبة والاحتجاز وأشكال أخرى من سيطرة الدولة، حتى إذا لم يفعل الأفراد أي شيء خطأ.

ما الذي تركته «الحرب على الإرهاب»؟

بحلول الوقت الذي صار فيه باراك أوباما رئيسًا للولايات المتحدة عام ٢٠٠٩، بدأت المصطلحات الجديدة تتغير. وفي ٢٣ مايو ٢٠١٣، أعلن أوباما أن «الحرب على الإرهاب» انتهت.

يقرأ  اكتشاف أقدم رسومٍ كهفية في العالم في جزيرة مونا بإندونيسيا — أخبار الفن والثقافة

لكن المؤسسات التي بُنيت في أعقاب ١١ سبتمبر لم تختف معها. أُنشئت وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك ضمن وزارة الأمن الداخلي، وصار إرثها المتكرر صور عملائها وهم يدورون في الشوارع بأقنعة ويقبضون على أشخاص من ذوي البشرة الملونة ويهاجمون متظاهرين، منذ أن بدأ دونالد ترامب ولايته الثانية رئيسًا للولايات المتحدة العام الماضي.

ولم يُغلق غوانتانامو، الذي ربما يكون أكثر الرموز المادية شهرة لتعليق القواعد القانونية العادية بعد ١١ سبتمبر، بل استخدمته إدارة ترامب لاحتجاز المهاجرين.

وهكذا تركت الحرب على الإرهاب إرثًا من بناء مجتمعات مهددة: «ممارسة شيطنة مجموعة محددة من الناس»، كما قالت توروس. وأضافت أن ذلك قد يكون عصابات أو جماعة مهاجرة معينة، أو حتى الجنس أو الهوية الجندرية. وقالت إن ما بعد ١١ سبتمبر وخطاب الحرب على الإرهاب جعلا الناس أكثر مهارة عندما تكون النية هي شيطنة مجتمع ما.

ويمتد هذا الإرث إلى السياسة الخارجية الأميركية، إذ أمر ترامب في ٢٠٢٥ الفرع التنفيذي باستخدام اسم «وزارة الحرب» كعنوان ثانوي لوزارة الدفاع، قائلًا إن الاسم يعبّر بصورة أفضل عن استعداد أميركا لا للدفاع عن نفسها فقط، بل للقتال وكسب الحروب.

وقد ظهرت هذه الأفكار في عهد ترامب. فالولايات المتحدة في حالة حرب في الشرق الأوسط مرة أخرى، مع ادعاء ترامب أن العمل العسكري ضد إيران ضروري لمنعها من تطوير سلاح نووي، وهو تبرير أثار مقارنات مع المزاعم حول أسلحة الدمار الشامل قبل غزو العراق عام ٢٠٠٣.

كما استعانت إدارة ترامب بأجزاء من قاموس ما بعد ١١ سبتمبر، وهي تطوّر في الوقت نفسه قاموسًا خاصًا بها. فقد صيغ العمل العسكري مرة أخرى بلغة الضربات «الاستباقية» و«الدقيقة»، بينما توصف إيران مرارًا بأنها «نظام إرهابي» و«أكبر راعٍ للإرهاب في العالم».

قالت جاكسون إن الأمر ليس مجرد استمرار لـ«الحرب على الإرهاب»، والظروف مختلفة جدًا، لكن المنطق الأمني الاستباقي نفسه يبدو مألوفًا. وأضافت أن «اللافت هو القوة المستمرة للحجة السياسية نفسها: لا يمكننا الانتظار حتى يتحقق التهديد، لذلك يجب اتخاذ إجراء الآن».

وقالت أيضًا إن إرث الحرب على الإرهاب موجود في كل مكان في السياسة الأميركية اليوم. وأضافت: «قد نكون ابتعدنا عن لغة الحرب على الإرهاب، لكن آثارها لا تزال راسخة بعمق في المجتمع الأميركي».

أضف تعليق