في الأيام الأولى للصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، لاحظ زملائي وأنا تزايداً كبيراً في مقاطع الفيديو المصورة داخل قواعد عسكرية أمريكية وخارجية تواجدت فيها القوات الامركيّة في الخليج والشرق الأوسط. كانت هذه اللقطات تُظهر، في الغالب، ضربات طائرات مسيّرة إيرانية تستهدف بنى تحتية حسّاسة. وبعد وقت قصير، بدأ نشر متواصل لصور بالأقمار الصناعية من وسائل الإعلام الحكومية الإيرانية؛ صور انتشرت لاحقاً عبر منصات التواصل الاجتماعي وتزعم أنها تُظهر رقعاً واسعة من الدمار في تلك القواعد.
عادةً ما نقارن مثل هذه المواد بصور أقمار صناعية أمريكية، لكن الحكومة الأمريكية طلبت من شركات الأقمار الصناعية الأمريكية تقييد نشر هذه الصور في منطقة الشرق الأوسط والخليج، بل طُلِبَ منها أحياناً حذف لقطات تمتد إلى أوائل مارس بشكل رجعي. وفي المواقف العلنية، لم يتحدث مسؤولو واشنطن بتفصيل كبير عن الهجمات على القواعد؛ وعندما تحدثوا أكّدوا أن وسائل الدفاع الجوي عملت كما صُمّمت، وأن المدافعين الجويين عملوا بكفاءة عالية.
كنا مصممين على تجاوز الادعاءات والشعارات والتثبت من واقع الضرر فعلاً. لذلك لم نعتمد على صور الأقمار الإيرانية كما هي، بل جمعنا عشرات الصور التي نشرتها إيران من بلدان متعددة، ثم قارناها بصور مزوّدة من شركات أوروبية للأقمار الصناعية التي لم تخضع لقيود مماثلة. على سبيل المثال، في قاعدة الأمير سلطان الجوية في السعودية — وهي قاعدة تعمل منها قوات أمريكية — أظهرت صورة إيرانية أن اثني عشر مبنى كانت موجودة في صورة “ما قبل” قبل أن تبدو أربعة أو خمسة منها مدمرة في صورة “ما بعد”. والمقارنة مع صورة أوروبية لنفس الموقع أظهرت نفس الأنماط ونفس المباني المتضررة بالضبط. قمنا بهذا الفحص عبر عشرات الصور، ولم نعثر على أي صورة مفبركة.
بناءً على تحليلنا، ثبت أن إيران والميليشيات الموالية لها استهدفت 18 موقعاً عسكرياً في سبع دول تختلف فيها تواجدات الولايات المتحدة. وأظهرت الهجمات أن الاستهداف لم يقتصر على قواعد أمريكية كبيرة، بل شمل مواقع ذات حضور أمريكي محدود أو مؤقت. قادة القيادة المركزية الأمريكية امتنعوا عن التعليق على نتائجنا. لكن ما حدث يمثل أوسع حملة استهداف للقواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة على الإطلاق.
أسفرت بعض هذه الضربات عن سقوط قتلى من العسكريين الأمريكيين: ضربة استهدفت مركز قيادة مؤقت في ميناء بالكويت أودت بحياة ستة من العسكريين، وضربة أخرى في السعودية أودت بحياة جندي واحد. أرسلنا مجموعة الصور التي جمعناها إلى خبراء دفاعيين لوضعها في سياق أوسع؛ ورأى معظم الخبراء الذين تواصلنا معهم أن هذه الهجمات لم تعطل قدرات الولايات المتحدة الهجومية تجاه إيران، لكنها كشفت عن ثغرات جديدة في وضعية الأمن الأمريكي الإقليمي.
في مارس، أفاد زملائي في الصحيفة بأن كثيراً من القواعد الأمريكية في المنطقة جرى تفريغها. ومن خلال فحص صور الأقمار، بدا أن الهجمات بالطائرات المسيّرة كانت دقيقة نسبياً عبر نطاق الوجود الأمريكي في الشرق الأوسط. ففي البحرين، مثلاً، استهدفت ضربات بنى تحتية اتصالية في الجزء الشمالي من قاعدة الأسطول الخامس ومقر البحرية الأمريكية بالمنطقة: قباب رادار (رادومات) وأطباق فضائية ومستودعات كبيرة تعرّضت للضرر. رادوم يقع شمال شرق ملعب البيسبول تعرّض لضربة أحادية الاتجاه. وليس فقط القواعد الكبيرة — فأسفل قليلاً في البحرين، يوجد قاعدة مشتركة للبحرينيين والأمريكيين لتنسيق الدفاع الجوي، وقد وقعت هناك ثلاث ضربات: اثنتان استهدفتا موقع رادار باهظ التكلفة أظهرت الصور سواد الاحتراق فيه، وضربة ثالثة أصابت ما بدا مستودعاً أو حظيرة وأزالت سقفه.
وفي شمال سوريا كان ثمة مطار في الشمال الشرقي حيث كانت القوات الأمريكية تعمل لعدة أشهر قبل سحبها منتصف أبريل، وقد تعرّض مهبطٌ مستهدف مراراً في مارس وأبريل من قبل ميليشيات مدعومة إيرانياً. زعمت طهران أن الضربة دمّرت ثكنات أمريكية، بينما كانت الهياكل الظاهرة في الصور مجرّد مخازن حبوب — مثال يبيّن أن دقة الصورة لا تغني عن ضرورة التحقق من الادعاء المرافق لها.
في مخيم فكتوريا قرب بغداد، أطلقت ميليشيات موالية لإيران طائرات مسيّرة أصابت ستة أو سبعة مبانٍ من بينها مخزن؛ ونشرت إحدى الميليشيات لقطات جوية من الطائرة المسيّرة كانت واضحة الاستخدام دعائياً، لكنها أفادت أيضاً بطبيعة الهجمات: تحلّقت الطائرات حول المخيم لعدة دقائق قبل أن تضرب مخازن وملجآت وخزانات وقود ونظام رادار، وحتى مروحية بلاك هوك تعرضت للضرر في لحظة ما.
من الصعب تقدير التكلفة الإجمالية بدقة، لكن فقدان الطائرات والمعدات في هذه القواعد قد يصل — بحسب محللين في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية غير الحزبي — إلى حوالي ملارات دولار. كما ذكر هؤلاء أن إصلاح أو استبدال نظام رادار واحد تالف في الأردن قد يكلف نحو 500 مليون دولار.
أشار الخبراء الذين استطلعنا آراءهم إلى أن أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية المنتشرة عبر الخليج تحقق معدل اعتراض يقارب 90% في ظروف مثالية؛ ومع ذلك، فإن ذلك يترك هامش اختراق بنسبة نحو 10% يمكن لطائرات ومسيّرات إيرانية رخيصة الثمن استغلاله. وبممساحة الوجود الكبير لأمريكا في المنطقة، صار بإمكان إيران توظيف هذا التكتيك لإحداث أضرار متكررة: ما كان يُنظر إليه ذات يوم كأصل استراتيجي قد يتحوّل الآن إلى نقطة ضعف.