العراق يخفض قيمة الدينار لتخفيف أزمة السيولة والتجار في مهب الريح

في بغداد، يجلس تاجر المواد الغذائية حمزة الرضيني في مكتبه الصغير في سوق الجميلة، أحد أسواق الجملة الرئيسية في العاصمة العراقية، وهو ينتظر بقلق ما ستحمله الأيام المقبلة.

قرار الحكومة العراقية بخفض قيمة الدينار أمام الدولار ترك أمثاله من التجار يواجهون خسائر مفاجئة وعدم يقين بشأن الأسعار التي ينبغي أن يبيعوا بها بضائعهم.

وقال الرضيني للجزيرة إنه لا يعرف ماذا يفعل، بعد أن قلّص خفض القيمة قيمة مدخراته بالدينار مقابل الدولار، فصار يملك مالًا أقل لشراء السلع المستوردة.

وأضاف: “كل ما أعرفه أنني استيقظت قبل أيام لأكتشف أنني خسرت 25 مليون دينار عراقي، أي نحو 16,500 دولار بسعر الصرف الجديد، بسبب هذا القرار، بينما خسر التجار الكبار مليارات.”

دخل الرضيني سوق تجارة الجملة العام الماضي بعد أن فقد وظيفته السابقة في مصرف عراقي خاص يقول إن الخزانة الأمريكية فرضت عليه عقوبات. باع سيارته واستخدم مدخراته ليبدأ التجارة مع تاجر أكبر، قبل أن يطلق مشروعه الخاص حديثًا.

ومع تقلبات سعر الصرف التي تجعل الأسعار غير قابلة للتنبؤ، قال الرضيني إنه هو وكثير من التجار قرروا تعليق البيع والشراء حتى يستقر الوضع.

وأوضح: “توقف نشاط السوق تمامًا. التجار يشترون البضائع بالدولار لكنهم يبيعونها بالدينار، لأن الأنظمة تمنعهم من البيع بالدولار.”

وهنا يكمن أصل المشكلة: ضعف الدينار يعني أن على التجار دفع مزيد من العملة المحلية لشراء بضائع مستوردة بالدولار، في الوقت نفسه يصبح تحديد السعر المناسب للبضائع الموجودة في مخازنهم أكثر صعوبة.

لماذا خفضت القيمة؟
في 7 أكتوبر، أقرت الحكومة العراقية سعر صرف رسميًا جديدًا أمام الدولار، في محاولة لتخفيف أزمة مالية تسببت بها الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وانقطاع صادرات النفط عبر مضيق هرمز.

يقرأ  رومانيا تدمر مسيّرة بحرية قرب منصة غاز في عرض البحر

قبل الحرب، كان العراق يصدر نحو 3.5 ملايين برميل نفط يوميًا عبر مضيق هرمز، وهي تمثل 90 بالمئة من إيرادات الحكومة العراقية.

وقرر البنك المركزي العراقي تحديد السعر بـ1,520 دينارًا للدولار الواحد في مبيعات النقد للجمهور، بعد أن كان 1,320 دينارًا للدولار.

وخفض قيمة الدينار العراقي بنحو 15 بالمئة أمام الدولار يسمح للحكومة بالحصول على مزيد من العملة المحلية مقابل كل دولار من إيرادات النفط تحوله، ما يساعدها على تغطية الإنفاق العام، ومنه رواتب الموظفين.

وقال رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خلال اجتماع مع قيادات برلمانية الخميس: “هذا قراري وأنا أتحمل مسؤوليته.”

وأضاف الزيدي: “كنت أمام ثلاثة خيارات صعبة لتغطية الرواتب والنفقات الإلزامية الأخرى: الأول خفض الرواتب بنسبة 35 بالمئة، والثاني دفع الرواتب كل 45 يومًا، والثالث اللجوء إلى قروض خارجية.”

كما قال الزيدي، وهو مصرفي سابق، إن حكومته ورثت دينًا عامًا يتجاوز 208 تريليونات دينار عراقي، أي نحو 139 مليار دولار بسعر الصرف الجديد، عندما تولت مهامها في مايو. وأكد أن الحكومة تحتاج شهريًا إلى نحو 10 تريليونات دينار، أي 6.7 مليارات دولار، لتغطية الرواتب والنفقات الأساسية الأخرى.

نقص السيولة
تسببت الأزمة في مضيق هرمز بضغط مالي حاد على الحكومة العراقية.

ورغم أن الوضع خفّ بعض الشيء في الأسابيع الأخيرة بعد تعافي صادرات النفط العراقية جزئيًا، فإنها لم تعد بعد إلى مستويات ما قبل الحرب.

وقال مظهر محمد صالح، المستشار المالي لرئيس الوزراء العراقي، في أغسطس، إن احتياطيات العملة الأجنبية لدى البنك المركزي العراقي تراجعت من 106 مليارات دولار إلى نحو 80 مليار دولار.

ولتعويض خسارة الإيرادات، لجأت الحكومة العراقية أيضًا إلى الاقتراض من المصارف المحلية لتغطية الرواتب والنفقات الأخرى.

يقرأ  المطارات تتبنّى الذكاء الاصطناعي لإدارة تزايد حركة الركاب حول العالم — أخبار الطيران

وقال مسؤول في وزارة المالية للجزيرة إن ضمان دفع الرواتب في مواعيدها يبقى الأولوية الرئيسية للحكومة، ووصف المسألة بأنها تتعلق بالاستقرار الاقتصادي الداخلي.

وأضاف المسؤول، الذي طلب عدم الكشف عن اسمه لأنه غير مخول بالحديث علنًا: “أيدينا مغلولة فيما يتعلق بالإيرادات وبكيفية الحفاظ على أموال كافية لضمان دفع الرواتب.”

وحذر اقتصاديون من أن تعديل سعر الصرف قد يخفف بعض الضغوط المالية الفورية، لكنه لن يعالج مواطن الضعف الأعمق في الاقتصاد العراقي.

وقال نبيل المرسومي، أستاذ الاقتصاد في جامعة المعقل في البصرة: “لا شيء مقدس في الاقتصاد، بما في ذلك سعر الصرف. يمكن تعديله، لكن فقط بعد استنفاد كل الخيارات الأخرى.”

وأضاف: “في كل الأحوال، لا ينبغي استخدام سعر الصرف غطاءً للفشل في سياسات الدولة الاقتصادية والمالية.”

أضف تعليق