منذ القرن الماضي، ظلت السياسة في فنزويلا مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بإدارة صناعة النفط في البلاد. وكان النقاش الدائر بين صانعي القرار يدور حول خيارين أساسيين: تحرير قطاع النفط أو تأميمه، وقد ظل التأميم هو الخيار المفضّل خلال السنوات السبع والعشرين الماضية.
ومع مرور الوقت، نجح الحزب الحاكم في ترسيخ ما يشبه “القومية النفطية” في الوعي الوطني الفنزويلي، مستخدمًا إياها لتثبيت سلطته وتعزيز مصالح نظام ظل يعتمد على عائدات النفط لتوسيع نفوذه السياسي في المنطقة، ولا سيما في منطقة البحر الكاريبي.
لكن هذا المسار توقف فجأة في الثالث من يناير/كانون الثاني 2026، عندما نفّذت القوات الخاصة الأمريكية عملية عسكرية خاطفة في كراكاس، اختطفت خلالها الرئيس نيكولاس مادورو ونقلته إلى الولايات المتحدة لمحاكمته بتهم تتعلق بالأسلحة والمخدرات.
ومنذ ذلك الحين، اتجهت نائبة مادورو ورئيسة فنزويلا المؤقتة الآن، ديلسي رودريغيز، إلى خصخصة صناعة النفط بما يخدم مصالح الحكومة الأمريكية. وشهدت الأشهر الثمانية الماضية خطوات مهمة في هذا الاتجاه، من بينها تعديل قانون الهيدروكربونات العام، وتحرير محطات توليد الطاقة، ومنح تصاريح لشركات نفط أمريكية وأجنبية، باستثناء أي شركات من الصين أو روسيا أو إيران أو كوريا الشمالية، للمساهمة في استغلال الثروة النفطية الهائلة في حقول فنزويلا، وذلك بعد الحصول على موافقة مسبقة من الولايات المتحدة.
لكن التطور الأبرز حدث الأسبوع الماضي، عندما أعلن البلدان توصلهما إلى اتفاق يمنح الشركات الأمريكية حق الوصول إلى 65 مليار برميل من احتياطيات النفط الخام على مدى مئة عام. وقد وصفه الرئيس الأمريكي ترامب بأنه “أكبر صفقة نفطية في تاريخ العالم”. ولا يمثل هذا الاتفاق نقطة تحول في سياسة القومية النفطية للحزب الحاكم فحسب، بل يُعد أيضًا تتويجًا لجهود الحكومة الأمريكية لتعزيز استراتيجيتها في الهيمنة والاستيلاء على موارد النفط والغاز الفنزويلية.
إلى جانب ذلك، من المنتظر أن يضطلع هذا الاتفاق بدور محوري في عملية الانتقال السياسي في فنزويلا. فقد وضعت الولايات المتحدة خطة من ثلاث مراحل لتعزيز الاستقرار والتعافي والإصلاح السياسي منذ إزاحة مادورو عن السلطة. والآن، يتعين على جميع الأطراف المعنية وضع خارطة طريق لتنفيذ الاتفاق، وضمان إجراء انتخابات رئاسية في البلاد في الوقت نفسه. ويُعد التوقيع على اتفاقية النفط هذه بمثابة طلقة البداية لهذه العملية المعقدة.
### مكسب للولايات المتحدة… وليس كثيرًا لفنزويلا
ظلت الشروط الدقيقة لهذه الصفقة النفطية محل نقاش في وسائل الإعلام المتخصصة في نصف الكرة الغربي وخارجه طوال الأسبوع. وبسبب الروايات المتضاربة والمتناقضة أحيانًا من المسؤولين الأمريكيين والفنزويليين، تظل الشروط النهائية للاتفاق غير مؤكدة.
وقد قدّمت إدارة ترامب المعلومات الأكثر تفصيلًا، مؤكدة نقل 65 مليار برميل من النفط، أي 20 في المئة من احتياطيات فنزويلا المؤكدة البالغة 303 مليارات برميل، إلى السيطرة الأمريكية لمدة مئة عام. وتتوزع هذه الاحتياطيات على 17 حقلًا رئيسيًا، بعضها كان قد مُنح سابقًا في صورة امتيازات لشركات صينية وروسية. وستدير هذه الحقول شركة خاصة تُدعى “نابيب”، بالشراكة مع مكتب رأس المال الاستراتيجي التابع لوزارة الدفاع الأمريكية. وسيحصل هذا المكتب على حصة قدرها 35 في المئة في الشركة من دون مقابل، وقد استشهد ترامب بهذه النقطة ليقول إن الشراكة لن تكلف دافعي الضرائب الأمريكيين شيئًا ولن تستخدم أموالهم.
كما تشير معلومات صادرة عن الحكومة الأمريكية إلى أنها حصلت أيضًا على حق شراء 20 في المئة من إنتاج النفط الخام الحالي والمستقبلي من الحقول التي تديرها “نابيب” بتكلفة الإنتاج. وهذا يعني أن هذا الإنتاج لن يخضع للضرائب الفنزويلية، مما سيقلص حجم الإيرادات التي ستحصل عليها فنزويلا. ولدى المكتب نفسه حق الأولوية في شراء الـ80 في المئة المتبقية من الإنتاج، أو حق استخدام النقض إذا اعتُبر ذلك ضروريًا لأسباب تتعلق بالأمن القومي. وهذه البنود تمنح الأولوية لضمان وصول الولايات المتحدة إلى الاحتياطيات النفطية الفنزويلية وتلبية متطلبات الاحتياطي البترولي الاستراتيجي الأمريكي، وهو ما يهدف بوضوح إلى مساعدة واشنطن على تحقيق أهدافها في أمن الطاقة الوطني.
وأكد البيت الأبيض أيضًا أن شركة “نابيب” يسيطر عليها مواطنون أمريكيون، وهو شرط احتفظت به الحكومة الأمريكية لمنع الشركات الأجنبية من إدارتها. ومن الناحية العملية، يعني ذلك أن الولايات المتحدة ستسيطر على العمليات، وأن “نابيب” ستكون مجرد أداة لهذه السيطرة.
أما بخصوص العوائد والضرائب التي يتعين على “نابيب” دفعها للسلطات الفنزويلية، فيقول مسؤولون كبار من البلدين إن استغلال الحقول السبعة عشر سيدر نحو 200 مليار دولار من الضرائب، بعد استثمار متوقع يبلغ 100 مليار دولار. ومن المتوقع أن تدير السلطات المؤقتة الحالية هذه الأموال لمواجهة تحديات إعادة الإعمار بعد فترة طويلة من الأزمة الاقتصادية. إلا أن هناك حالة من عدم اليقين بشأن المنهجية التي استُخدمت لتحديد هذا المبلغ، لأن البنود التي تمنح صلاحيات تقديرية للحكومة الأمريكية تجعل من المستحيل حساب المبلغ الدقيق للضرائب التي سيتم دفعها.
علاوة على ذلك، أعلنت الحكومة الفنزويلية أن الامتياز الممنوح لشركة “نابيب” سيكون ساريًا لمدة 25 عامًا فقط، وهي مدة أقل بكثير من المئة عام التي تذكرها الحكومة الأمريكية. ومن اللافت أن هذا النوع من العقود لم يظهر في التشريعات الهيدروكربونية الفنزويلية منذ نصف قرن.
### عقبات كثيرة؟
رغم أن الاتفاق الثنائي قد يكون وسيلة جيدة لجذب الاستثمار إلى قطاع النفط الفنزويلي، إلا أن هناك عقبات سياسية وقانونية واقتصادية داخلية وخارجية متعددة تحول دون تنفيذه بنجاح.
أولًا، لم ينجح الرئيس ترامب حتى الآن في تشجيع كبرى شركات النفط الأمريكية، باستثناء شيفرون، على دخول صناعة النفط الفنزويلية. ويعود السبب إلى أن فنزويلا تفتقر إلى مؤسسات موثوقة وشرعية، وهو ما يعني غياب إطار قانوني مستقر يمكن الاعتماد عليه في التخطيط للإنتاج على المدى الطويل. وبصرف النظر عن الشركات الكبرى مثل إكسون موبيل وشيفرون وكونوكو فيليبس، فإن الشركات الوحيدة التي تبدو شركاء محتملين قابلين للاستمرار في الحقول السبعة عشر هي مشغّلون مستقلون صغار. قد يؤدي عدم إقدام شركات النفط الكبرى على الصفقة إلى انتكاسات تشغيلية؛ فهي الوحيدة التي تملك قدرة مالية وتقنية كافية لتنفيذ استثمارات طويلة الأجل وواسعة النطاق في مشاريع طموحة من هذا القبيل. ويعود عدم ثقة هذه الشركات أيضاً إلى غياب حكومة شرعية في فنزويلا، وإلى استمرار هيمنة الحزب الحاكم على مراكز القوة الرئيسية في البلاد.
من أبرز العلامات التحذيرية المحيطة بصفقة النفط احتمال أن تندد حكومة ناشئة عن انتخابات حرة بشرعية الاتفاق مستقبلاً أو ترفض الاعتراف به، استناداً إلى أن هذه الاتفاقات غير دستورية. كما أن الحزب الحاكم الحالي في فنزويلا قد يرفض شروط الصفقة إذا شعر بأنه يملك قوة كافية لتحدي الهيمنة الأميركية مجدداً.
إلى جانب المخاوف المتعلقة بسيادة القانون، تبرز مسألة أخرى هي تولي أليخاندرو بيتانكور منصب رئيس عمليات شركة «نابيب». ورغم محاولات وزارة الخارجية الأميركية تنظيف ماضيه، فإن بيتانكور يحمل سجلاً غير موثوق به؛ إذ سبق أن رُفعت ضده قضايا فساد متعددة، من بينها الرشوة، وتجاوز التكاليف، واستغلال النفوذ في مشاريع كهربائية خاضعة لإشراف شركة النفط الحكومية.
كما أن أي زيادة فعلية وقابلة للتحقيق في إنتاج النفط الفنزويلي ستستغرق على الأرجح سنوات عديدة، حتى في أفضل السيناريوهات. ويناقض هذا الخطابَ المتفائل الذي يتبناه كبار مسؤولي إدارة ترمب، والذين يزعمون أن الصفقة ستزيد الإنتاج المحلي بشكل شبه فوري. والوصول إلى هذا المعدل يتطلب استثمارات ضخمة، كثير منها غير مضمون حالياً.
تأتي الموافقة على صفقة النفط في إطار استراتيجية أميركية أوسع على مستوى نصف الكرة الغربي، تسعى واشنطن من خلالها إلى استعادة نفوذها المفقود في المنطقة. وقد ظهرت هذه الاستراتيجية في وثيقة الأمن القومي لعام 2025 وما تلاها من وثائق السياسة الخارجية، التي تعتبر نصف الكرة الغربي منطقة نفوذ استراتيجي للولايات المتحدة. وفي هذا السياق، تنظر واشنطن إلى فنزويلا باعتبارها محوراً جيوسياسياً مهماً، بسبب موارد الطاقة التي تملكها، ولا سيما احتياطاتها النفطية المؤكدة الكبيرة، وبسبب قربها من الأراضي الأميركية.
وانطلاقاً من ذلك، تعتبر الحكومة الأميركية السيطرة على الاحتياطات النفطية الفنزويلية مسألة أمن قومي مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالحفاظ على الاحتياطي النفطي الاستراتيجي الأميركي. ويتجلى هذا الموقف بوضوح في أن واشنطن تمنع دولاً تعتبرها أعداءً، مثل الصين وروسيا وإيران وكوريا الشمالية، من المشاركة في قطاع النفط الفنزويلي.
ومن الجدير ذكره أيضاً أن الولايات المتحدة لا تتردد في استخدام أدوات قوتها الوطنية لتأمين هيمنتها على الأمريكتين؛ فهي تتخذ إجراءات اقتصادية، وتنفذ عمليات عسكرية، وتمارس نفوذاً سياسياً، لإثناء الدول الأخرى عن التعامل التجاري مع أعدائها المعلنين، بمن فيهم الصين، وعن السماح لهم بالمشاركة في مشاريع البنية التحتية الحساسة في المنطقة.
منذ أن أزاحت الولايات المتحدة مادورو عن السلطة في يناير/كانون الثاني، بدأت الحكومة الأميركية خطة من ثلاث مراحل تهدف إلى تحقيق الاستقرار والتعافي الاقتصادي والإصلاح السياسي في فنزويلا. والهدف النهائي هو إجراء انتخابات حرة وديمقراطية، تكون بمثابة الخطوة الأولى نحو منح الشرعية لسلطات البلاد وإعادة دمجها في الساحة الدولية.
وقبل الإعلان عن صفقة النفط هذا الأسبوع، كان عدد من قادة المعارضة يضعون استراتيجيات للمشاركة في الانتخابات الرئاسية المحتملة. وكانوا يرون أن العملية الانتخابية تمثل الخطوة الأولى لاستعادة السيادة وإقامة شراكة طويلة الأمد مع الولايات المتحدة على أساس الأعمال النفطية.
غير أن خطة إدارة ترمب سارت في اتجاه مختلف ووفق إيقاعها الخاص؛ فبالنسبة إلى واشنطن، كان تأمين الوصول إلى الاحتياطات النفطية الفنزويلية والسيطرة عليها أولوية تسبق أي انتقال ديمقراطي في البلاد.
ورغم أن مسؤولين أميركيين كباراً، بينهم وزير الخارجية ماركو روبيو، صرحوا مؤخراً بأن صفقة النفط محصورة في خطتها الثلاثية الخاصة، فإن الواقع يقول إن الولايات المتحدة أوضحت أنها لن تسمح لأي حكومة مستقبلية بتغيير شروطها وأحكامها.
في ظل الوضع الحالي، يؤيد معظم المعنيين بالسياسة الفنزويلية صفقة نفطية تعطي الأولوية لمشاركة الولايات المتحدة. لكن قادة معارضة، مثل ماريا كورينا ماتشادو، الأكثر شعبية في البلاد حالياً، يشعرون بالقلق إزاء توقيع دلسي رودريغيز، القائدة المؤقتة غير الشرعية، على هذه الصفقة.
ورغم أن ماتشادو لم تقل إن حكومة ديمقراطية مستقبلية سترفض الاعتراف بشروط الاتفاق، فإن موقفها قد يعزز الفكرة القائلة إن ترمب يريد إبقاء دلسي رودريغيز في السلطة بدلاً من الدفع نحو انتخابات حرة، لضمان تنفيذ الصفقة على النحو الصحيح. وقد تصاعدت هذه المخاوف في الأيام الأخيرة بعد أن قال الرئيس الأميركي علناً إن فنزويلا ليست مستعدة لإجراء انتخابات في المدى القصير.
في المحصلة، سيعتمد نجاح صفقة النفط وتأثيرها على مسار الانتقال السياسي في فنزويلا على تلاقي عوامل سياسية وقانونية واقتصادية داخلية وخارجية. وفي الوقت الحالي، تملك الحكومة الأميركية الكلمة الأخيرة في تحديد مستقبل البلاد، وذلك على حساب الشعب الفنزويلي الذي فقد، في نهاية المطاف، حقه في تقرير مصيره.