انسحاب سدي تيمان يكشف استنزاف الثقة في الجيش الإسرائيلي

بعد ما يقرب من ثلاث سنوات من الحرب المفتوحة، صارت الطاعة داخل الجيش الإسرائيلي مشروطة ومتنازَعاً عليها بشكل متزايد.

قاعدة سدي تيمان العسكرية ذاتها، التي اقتحمها ناشطون يمينيون سابقاً لحماية جنود من محققي الجيش، شهدت الآن الجنود يرصّون بنادقهم في كومة ويغادرون احتجاجاً على قائدهم.

في 30 يوليو/تموز، غادر نحو مئة جندي من كتيبة تسابار التابعة للواء غيفعاتي قاعدة سدي تيمان دون إذن، بعد أن استخدم قائد الكتيبة مطرقة ثقيلة لتحطيم اللوحات التذكارية التي كان الجنود علّقوها. قال الجيش إن اللافتات كانت بقايا تقاليد غير مقننة بين «القدامى والجدد»، أي أعراف غير رسمية تحدد مكانة الجنود الأقدم خدمةً والأحدث انضماماً داخل الوحدة. أصر الجنود على أن اللوحات جزء من تراث السرية، رافقتهم في غزة ولبنان. الفارق بين التفسيرين لا يهم كثيراً. المهم هو أن الخلاف تصاعد حتى ترك الجنود أسلحتهم وخرجوا في مسيرة يهتفون فيها ضد ضباطهم، ما جعل الكتيبة غير مؤهلة مؤقتاً للانضمام إلى التناوب على غزة الذي كانت تستعد له. عاد معظمهم في المساء تحت تهديد تهم الغياب دون إذن. سيُفضي التحقيق إلى توبيخات أو تسريحات هادئة. هذا هو الجزء الأقل إثارة للاهتمام في القصة.

الجيوش تعرف إخفاقات الانضباط. لكن ما تواجهه في أحيان أقل هو إعادة التفاوض الصامتة على العقد الذي يجعل الانضباط ممكناً في المقام الأول. لعقود، تعامل الجندي المقاتل الإسرائيلي مع تفاهم غير مكتوب: يمكن التشكيك في القيادة السياسية، ويمكن احتقار الحكومة، ويمكن تجاهل الإعلام، لكن سلطة القائد الميداني داخل الوحدة بقيت إلى حد كبير خارج نطاق الطعن. الرتبة كانت ما تزال تحمل افتراضاً مسبقاً. الثقة كانت تُمنح أولاً ولا تُسحب إلا بعد فشل واضح. من المستحيل معرفة ما إذا كان ذلك يمثل تحولاً دائماً من حادثة واحدة. لكن أصبح من الأصعب تجاهل هذه الحلقات باعتبارها معزولة.

يقرأ  أفغانستان تحظر إدراج أعمال الكاتبات في مناهج الجامعات — أخبار التعليم

ما يقرب من ثلاث سنوات من الحرب المتواصلة على جبهات متعددة فعلت ما لم تنجح فيه حملات قصيرة متعاقبة. بُني الجيش الإسرائيلي لعمليات حاسمة محدودة زمنياً، تعيد الردع وتعيد جنود الاحتياط إلى حياتهم المدنية في فترة قصيرة. منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، يعيش هذا الجيش في صراع استنزاف مفتوح يتأجل أفقه السياسي باستمرار. سجّل جنود الاحتياط مئات الأيام في الخدمة. تتنقل الوحدات بين غزة ولبنان والضفة الغربية، مع فترات تعافٍ آخذة في التقلص. لم تعد الفجوات في القوى البشرية نظرية؛ فالجيش يعترف علناً بعجز يُقاس بآلاف الجنود المقاتلين. انخفض إقبال جنود الاحتياط كثيراً مقارنة بالتعبئة شبه الكاملة في أسابيع الحرب الأولى. العبء يقع بشكل غير متساوٍ على نواة متقلصة، بينما يواصل النظام السياسي إعفاء قطاعات كبيرة من الخدمة المتساوية. الإرهاق حقيقي، لكنه وحده لا يفسر أن يترك رجال أسلحتهم بسبب لوحات محطمة.

ثمة شيء أكثر دقةً تحول في العلاقة بين المقاتل وقائده. السلطة التي كانت تستند يوماً إلى هيبة المؤسسة، صارت تتطلب أداءً مستمراً وشرعية عاطفية. جنود دفنوا أصدقاءهم، وعادوا إلى عائلات مفككة، وراقبوا الحجج الاستراتيجية نفسها تُعاد من دون حل، لم يعودوا يعتبرون قرار القائد ملزماً تلقائياً. ربما لم تكن اللوحات هي القضية الحقيقية. يبدو أنها صارت اللغة التي عبّرت بها مشاعر إحباط أعمق: مظلمة تتعلق بالتقدير والاستمرارية، وإحساس بأن التسلسل القيادي لم يعد يفهم بالكامل الكلفة التي يدفعها من هم في القاع. عندما اختار القائد المطرقة الثقيلة، رد على مطالبة ثقافية بالرتبة وحدها. الرتبة لم تعد تحسم الجدل.

قاعدة سدي تيمان بذاتها تزيد النقطة وضوحاً. تحمل القاعدة ذاكرة مزدوجة: ذاكرة فضائح إساءة معاملة المعتقلين، وذاكرة الاقتحام الذي حصل عام 2024 على يد سياسيين ونشطاء من الائتلاف الحاكم، كانوا مصممين على حماية جنود متهمين من القضاء العسكري. تلك الحلقة أظهرت سابقاً كيف يمكن لقوى سياسية خارجية أن تخترق محيط القاعدة. لكن الخروج الجماعي الأخير يُظهر الاختراق من الاتجاه المعاكس: شروخ المجتمع الإسرائيلي تنتقل الآن داخل حقائب الجنود. الجيش الذي كان يفخر بأنه يمتص الانقسامات السياسية والاجتماعية الإسرائيلية دون أن يستوعبها، يكتشف الآن العكس. الاستقطاب حول الإصلاح القضائي، وحول تجنيد الحريديم، وحول أهداف الحرب، وحول تعريف النصر ذاته، لم يتوقف عند بوابة القاعدة. لقد دخل إلى صفوف السرايا.

يقرأ  تايلر روبنسون: من هو المشتبه به المحتجز في حادث إطلاق النار الذي استهدف تشارلي كيرك؟

المقارنات التاريخية غير مكتملة لكنها مفيدة. في حرب لبنان الأولى، دلّ «الرفض الرمادي» بين جنود الاحتياط والاحتجاجات العلنية من ضباط إلى أن الحملات الطويلة المتنازَع عليها سياسياً ترهق العقد التقليدي. الانسحاب من غزة عام 2005 أنتج رفضاً محدوداً بين جنود متدينين. تلك الحلقات المبكرة بقيت محصورة لأن الصراعات الأساسية كانت ما تزال تملك نقاط نهاية واضحة، ولأن الإجماع المجتمعي الأوسع حول مركزية الجيش لم يكن قد تصدع بعد. الصراع الحالي يفتقر إلى الأمرين معاً. النتيجة ليست انهياراً، فالجيش الإسرائيلي ما زال يقاتل، بل تحولاً تدريجياً للثقة الهرمية إلى شيء أكثر اشتراطاً وأكثر تفاوضاً، وبالتالي أكثر هشاشة.

المغزى الأعمق من ذلك مؤسساتي. جيش استندت فعاليته القتالية منذ زمن طويل إلى افتراض أن الأوامر ستُطاع من دون حاجة إلى إقناع مستمر، يجد نفسه اليوم يدير الشرعية داخل صفوفه. على القادة ألا يخططوا للعمليات فحسب، بل عليهم أيضاً أن يعيدوا باستمرار كسب ثقة رجال مرهقين تعلّموا أن الصورة الاستراتيجية فوقهم محل نزاع، وأن العبء الذي يحملونه غير متساوٍ. هذا طلب قيادي من نوع مختلف، وليس من النوع الذي صُمم النموذج العسكري الإسرائيلي الكلاسيكي لتلبيته إلى ما لا نهاية.

التحقيق في كتيبة تسابار سيتعامل مع الواقعة باعتبارها انحرافاً تأديبياً. قد يراها مؤرخو المستقبل علامة مبكرة على تحول بنيوي أوسع. رغم كل إخفاقاتها في صباح السابع من أكتوبر/تشرين الأول، كان الجيش الإسرائيلي الذي دخل حرب أكتوبر/تشرين الأول 2023 ما يزال يملك رصيداً متبقياً من الثقة التلقائية بين المقاتل وقائده. القوة التي ما تزال تقاتل في 2026 تنفق هذا الرصيد أسرع مما تستطيع تعويضه. ما إذا كان يمكن إعادة كتابة هذا العقد غير المكتوب تحت النار، أم أنه سيواصل الاهتراء حتى تكشف الأزمة القادمة الضرر، لم يعد سؤالاً نظرياً. سدي تيمان جعلته مرئياً فحسب.

يقرأ  حماس تشكك في الرواية الإسرائيلية لهجوم على مستشفى بغزة أودى بـ٢١ قتيلاً

الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن كاتبها ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري للجزيرة.

أضف تعليق