بيروت، لبنان — في متجر صغير بوسط العاصمة، انطلق صاحب المحل ضاحكًا عندما طُلب منه التعليق. “لا، لا أريد أن أعلق على المفاوضات”، قال لقناة الجزيرة مشيرًا إلى المحادثات المباشرة التي جرت مساء الخميس بين اسرائيل ولبنان في واشنطن. “إذا قلت الشيء الخاطئ، قد يأتي أحدهم ليضربني.”
الاستجابة تُجسّد الانقسام والجدل الذي يحيط بالمفاوضات داخل بلد منقسِم بعمق حول أفضل طريق لإنهاء الحرب التي تشنه اسرائيل عليه. بالنسبة لفئة من اللبنانيين، تبدو المفاوضات الخيار الوحيد المتاح للدولة. أما آخرون فيرفضون الحوار جملة وتفصيلًا، معتبرين أن مسار المقاومة المسلحة الذي تقوده حركة حزب الله وحده الكفيل بتحقيق نتائج لصالح لبنان.
خلفية التصعيد
في ٢ مارس كثّفت اسرائيل الحرب على لبنان بعد ردّ لحزب الله على هجمات إسرائيلية متواصلة، وهو أول رد من الحزب منذ أكثر من خمسة عشر شهرًا، بحسب ما أعلن الحزب الذي وصف رده أيضًا بأنه رد على استهداف القادة الإيرانيين قبل أيام. منذ ذلك التاريخ لقي ٢٬٢٩٤ شخصًا حتفهم في لبنان، بينهم صحفيون ومسعفون، كما نزح أكثر من ١٫٢ مليون مدني نتيجة توسّع العملية الإسرائيلية وبناء ما تصفه إسرائيل بـ”خط أصفر” يبعد نحو ١٠ كم عن الحدود. يمنع الناس من العودة إلى منازل تقع ضمن هذا الحزام، وقد هدمت اسرائيل منازل وقرى ضمنه.
مَشاهد الدمار
زارت الجزيرة ثلاث بلدات — المنصورية، مجدل زون، وقلَيْليه — ضمن جولة نظّمها حزب الله الذي يسيطر على المنطقة. كانت المشاهد هناك شاهدة على الدمار: بنايات اختفت وكأنها لم تكن، وأكوام من الأنقاض في كل اتجاه. تأتي محادثات الخميس بينما لا تزال قوات اسرائيل على الأراضي اللبنانية وتواصل هجماتها وهدمها أهدافًا داخل البلد. يوم الأربعاء قتلت اسرائيل خمسة أشخاص في لبنان بينهم المراسلة الميدانية أمل خليل، وفي اليوم التالي أفاد وزير الصحة اللبناني بأن هجومًا إسرائيليًا أودى بحياة ثلاثة آخرين.
طبيعة المفاوضات وأطرافها
تمثّل هذه المحادثات المرة الأولى التي يجري فيها حوار مباشر بين الجانبين منذ عقود، وهي تتابع لقاءً أوليًا عُقد في ١٤ أبريل في واشنطن. يجتمع ممثلو لبنان واسرائيل في العاصمة الأميركية إلى جانب سفراء الولايات المتحدة لدى البلدين، بحضور وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو. الجانب اللبناني يسعى، وفق تصريحات رسمية، لتمديد الهدنة الحالية التي انتهكتها اسرائيل مرارًا، ويطالب بانسحاب إسرائيلي كامل وعودة الأسرى اللبنانيين المحتجزين لديها.
الموقف الداخلي
من جهته، رفض حزب الله المشاركة في هذا المسار التفاوضي، وبموازاة ذلك شهد وسط بيروت احتجاجات حاشدة رافضة للحوار قبل أيام من اللقاء السابق. معارضو المفاوضات يرون أن إيران، الداعم التقليدي لحزب الله، تمتلك نفوذًا تفاوضيًا قد يخدم مصالح لبنان أكثر من مفاوضات يقودها النُّخَب الرسميّة اللبنانية. وفي المقابل، يعتقد آخرون أن الدولة اللبنانية تفتقر إلى رافعات ضغط حقيقية وأن اسرائيل نادرًا ما تلتزم أو تنفذ ما تعاهَد عليه.
آراء قانونية واستراتيجية
يقول فؤاد ديب، محامٍ، إن “الصفقة الممكنة في هذه اللحظة قد تكون في صالح اسرائيل، كما رأينا خلال السنوات الماضية، خصوصًا وأن لبنان دخل إلى طاولة الحوار من دون استعدادات أو أوراق قوة أو رادع.” وأضاف أن “الوسيلة الوحيدة المتاحة حاليًا للتصدي هي المقاومة، والحكومة والرئاسة يشتبكان معها داخليًا.” كما أشار ديب إلى بدائل قانونية وسياسية، مثل اللجوء إلى المحكمة الجنائية الدولية والتحالف مع الدول التي تسعى لمساءلة اسرائيل.
سياق تاريخي طويل
بعد هجمات حزب الله في ٢ مارس أعلنّت الحكومة اللبنانية أن الأنشطة العسكرية للحزب غير قانونية. لطالما شكلت أسلحة حزب الله نقطة خلاف داخل البلد؛ فعند انتهاء الحرب الأهلية في ١٩٩٠ سلمت الميليشيات أسلحتها عمومًا، لكن أعضاء حزب الله احتفظوا بسلاحهم باعتباره وسيلة لمواجهة الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب. ومع انسحاب اسرائيل من الجنوب عام ٢٠٠٠ تجدد جدل الأسلحة داخليًا، وقد بلغت شعبية الحزب ذروتها آنذاك قبل أن تتراجع خارج الطائفة الشيعية.
الخيارات المحدودة
بعد اتفاق وقف النار عام ٢٠٢٤، بدت الدولة عازمة على نزع سلاح حزب الله، وكُلفت القوات اللبنانية بهذه المهمة، لكنها لم تحرز تقدّمًا كافيًا بحسب نقّاد محليين وخارجيين. الآن، وبعد هجمات خلفت آلاف القتلى ومئات آلاف المهجرين، يدعو البعض إلى إعادة تفكير في الإستراتيجية الوطنية. يقول جاد شهّور، مدير الاتصالات في مؤسسة سمير قصّير، إن “تاريخ لبنان مع اسرائيل تاريخ ملئ بالدم” ويجب أن تُؤخذ هذه الحقيقة بعين الاعتبار في أي تفاوض. وفيما يعترف بأن خيارات الدولة ضئيلة، يرى أن تجربة المقاومة أيضًا لم تُفضِ إلى نتائج قاطعة، وأن محاولة الدبلوماسية قد تكون أفضل من عدم المحاولة، لأن رفض الحوار قد يعيد القصف إلى بيروت ويوسّع الاحتلال بحيث لا تستطيع لا المقاومة ولا الحكومه حماية المدنيين.
ثقة مهزوزة
في المجمل، يَفتقد غالبية اللبنانيين الثقة في نوايا اسرائيل، كما لا يرون في الولايات المتحدة وسيطًا محايدًا. هذا الانقسام الداخلي، وتداخل الحسابات المحلية والإقليمية والدولية، يجعل من أي اتفاق محتمل معقدًا جدًا، ويترك لبنان أمام مفترق طرق صعب بين سعي الدولة لاستعادة سلطتها ورفض قطاعات شعبية وسياسية لأي تسوية تُستأنَف دون ضمانات حقيقية للأمن والحقوق. يكمن الفارق إذن في ما إذا كان هذا الخيار هو الأقل سوءًا من بين الخيارات السيئة جميعها، أم أن اللجوء إلى المقاومة المسلحة، أو طلب أن تفاوض إيران نيابةً عن لبنان، أو تبنّي نهج دولي سيكون أكثر حكمة وفاعلية.
ومع أن نفوذ لبنان قد يكون ضئيلاً أو معدوماً في بعض الملفات، يعتقد عدد من الخبراء أن لدى الدولة أوراقًا إضافية يمكنها أن تلعبها إذا ما أحسنّت استخدامها.
«على لبنان أن يضع بنفسه شروط الإطار التفاوضي، وألا يسمح لأي مفاوضات أن تقوض مكانة الدولة أو تنأى بها عن تكتّل إقليمي معارض لإسرائيل»، كتب مهناد حاج علي، نائب مدير الأبحاث في مركز كارنيغي للشرق الأوسط، في مقالة حديثة. «مثل هذا التوازن قد يعرّضه لانتقادات على المدى القصير، لكنه على الأرجح سيؤدي إلى نتائج دايمة مع مرور الوقت.»