انهيار اقتصاد غزة يدفع الشباب إلى ابتكار حلول غير تقليدية — في ظل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني

غزة — بات كسب الرزق لدى كثير من الفلسطينيين في غزة معركة يومية في ظل الحصار المستمر من إسرائيل، والانتهاكات المتكررة لوقف إطلاق النار، والانهيار شبه التام للاقتصاد المحلي. تدمير البنى التحتية وتعطّل القطاعات الإنتاجية بفعل الحرب التي وصفتها منظمات دولية بأنها ترتقي إلى مستوى إبادة جماعية، قضى عملياً على معظم فرص العمل التقليدية، فأُجبر السكان على اللجوء إلى سبل بديلة وغالباً هشة للبقاء على قيد الحياة.

قصص موصى بها

هالة محمد المغربي، 24 عاماً، مثال على جيل من المهنيين الشباب الذين لم يعد تعليمهم طريقاً إلى الاستقرار. تخرّجت ممرضة عام 2023، وبعدها عملت متطوعة في القطاع الصحي لفترة امتدت لعامين على أمل أن تتحول الخبرة إلى وظيفة مدفوعة الأجر؛ إلا أن تلك الفرصة لم تَنِلْها. «التطوع لايدفع الفواتير»، قالت. «مع ارتفاع الأسعار المستمر وانعدام دخل ثابت، بات من المستحيل الاعتماد على هذا العمل لتأمين الحد الأدنى من احتياجاتي.»

نظراً إلى ضيق الآفاق في منظومة صحية مرهقة تفوق طاقتها، اتخذت قراراً صعباً بترك مجال التمريض والاتجاه إلى التسويق عبر وسائل التواصل والتجارة الإلكترونية للعمل عبر الإنترنت وتحقيق دخل متواضع. تروي أنها أثناء فترة التدريب بالمستشفى التحقت بعدة دورات في التصميم وحاولت الوصول إلى عملاء دون جدوى، ثم انتقلت إلى دورات تسويق لتعلم الترويج لنفسها قبل أن تدخل في مشاريع إلكترونية وتسويقية. «هذا ليس ما درست أو خططت له، لكن رغم محدودية الدخل فإنه يساعدني في تغطية مصاريفي اليومية والبقاء تحت هذه الظروف.»

أزمة اقتصادية

تعكس تجربة المغربي ظاهرة أوسع في غزة حيث دفعت سنوات الأزمات المركبة معدلات البطالة إلى مستويات غير مسبوقة. وفق بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني لعام 2024، تبلغ نسبة البطالة العامة في غزة حوالي 69٪، وتصل إلى نحو 80٪ بين الفئة العمرية 15–29 عاماً. وتشكل الفئات دون الثلاثين نحو 70٪ من سكان غزة، ما يعني أن غالبية المجتمع شابة وتواجه تحديات اقتصادية حادة، مع نسبة كبيرة من حملة الشهادات الجامعية الذين يعجزون عن العثور على عمل مناسب.

يقرأ  كيمي أنتونيلّي — نجم الفورمولا واحد — يتنكر لقيادة الجوكارت في ميلتون كينز

كما تقلص الناتج المحلي الإجمالي لغزة بأكثر من 82٪ نتيجة الحرب والدمار الذي لحق بالبنى الاقتصادية، ويعتمد نحو 80٪ من السكان على المساعدات الدولية جراء انعدام الأمن الغذائي وفقدان مصادر الدخل.

لم يقتصر الانهيار الاقتصادي على العمال فقط بل طال أصحاب الأعمال. محمد الحاج، الذي كان يعمل في التجارة العامة والمواد الغذائية، شهد انهيار نموذج عمله بعد الحرب. «دمرت مستودعاتي وبضاعتي، ولم أعد أقدر على تحمل تكاليف الاستيراد أو التراخيص»، قال. ومع قلة الخيارات، حول جزءاً من ممتلكاته إلى مساحة عمل صغيرة مزوَّدة باتصال إنترنت متقطع، مستغلاً أن حيه لم يتعرض لدمار كبير ليقدم حلاً لطلاب ومهندسين بحاجة إلى مكان لإجراء امتحاناتهم أو العمل عبر الشبكة.

الابتكار من أجل البقاء

مع تهاوي أسس العمل التقليدي أصبح الابتكار ضرورة لا خياراً. بعض الفلسطينيين وجدوا في الحلول غير التقليدية مخرَجاً ليس فقط للبقاء، بل لإحياء أنشطة اقتصادية محدودة. أحمد فارس أبو زايد، المدير العام لشركة أبو زايد للتجارة العامة، يروي كيف توقفت أعمال شركته عند اندلاع الحرب. «بدأنا مشروعاً صغيراً لتوليد الكهرباء بموارد محدودة لتغطية احتياجات محددة، لكن مع اندلاع الحرب توقف التشغيل بسبب نقص الوقد للمولدات. كانت الوضعية صعبة للغاية.»

بدلاً من الإغلاق التام، بحث أبو زايد عن بدائل فابتكر أسلوباً لتوليد الطاقة بالاعتماد على مواد متاحة بدلاً من الوقود النادر. «فكرنا كيف نحول النفايات المحيطة إلى طاقة، فبدأنا بإنتاج أنظمة كهرباء تُشغّل ببقايا البلاستيك كوقود. كانت تجربة شاقة لكنها نابعة من الإبداع والضرورة.» تبيّن قصته كيف أن الابتكار في غزة ينشأ غالباً من محاولة حل مشاكل فورية بموارد محدودة.

مارم القرة، مديرة مشاريع ومتخصّصة في إدارة الأعمال، تؤكد أهمية هذه الجهود في سوق العمل: «المشكلة ليست في نقص المواهب، بل في غياب بيئة اقتصادية قادرة على احتوائها. حتى المشاريع الصغيرة تحفز السوق من خلال خلق وظائف مباشرة وسلاسل خدمات وإنتاج غير مباشرة.» وتضيف: «عندما تغيب الوظائف التقليدية، يصبح الابتكار وسيلة لخلق الفرص بدلاً من انتظارها.» وتخلص إلى أن الحصار والحرب دمّرا أشكال العمل التقليدية وأجبرا الشباب على البحث عن بدائل خارج إطار التوظيف الاعتيادي.

يقرأ  نادين خوري: نحو مستقبل اقتناء الفن في الخليج

الاستغلال والفرص

على امتداد غزة، بات الكثير من الشباب المتعلمين — أطباء ومهندسون وممرضون وخريجون — يبيعون المياه المعبأة والخضار أو الملابس المستعملة في الشوارع. ليست هذه مشاريع ريادية، بل استراتيجيات بقاء في مكان تكاد تختفي فيه الخيارات. كما يصف أحد المقيمين الشبان: «لا نملك رفاهية الاختيار، كل ما علينا فعله هو محاولة البقاء.»

ومع فتح آفاق جديدة ببعض أشكال الابتكار، برزت في الوقت نفسه مساحات للاستغلال. يروي محمود، شاب من غزة، كيف دفع افتقار الوظائف والحماية الاجتماعية الناس إلى أعمال مشبوهة أو خطرة. «بدون دعم حكومي وشبكات أمان، أصبح تأمين دخل ثابت أمراً شبه مستحيل. يلجأ بعض الناس إلى طرق غير قانونية أو استغلالية فقط للبقاء.» وأوضح أن الاقتراض، وتجارة العملة، وتحويلات مالية استغلالية باتت أموراً متكررة: «يُجبر الناس أحياناً على استلام حوالاتهم نقداً بخصم يتجاوز 50٪ — استغلال صارخ لحاجة الناس الملحة.»

ورغم ذلك، تستمر أمثلة على ابتكار يفيد المجتمع بأسره. يشير أبو زايد إلى أن مشروعه للكهرباء تجاوز حل مشكلة شخصية: «الأهم أنه لم يوفّر الطاقة فحسب، بل خلق وظائف لعشرات الشباب في التصنيع والتركيب والصيانة ومنحهم مهارات لم يكونوا ليتحصلوا عليها في سوق العمل التقليدي.» ويخلص: «حتى في أصعب الظروف، فكرة صغيرة يمكن أن تتحول إلى مشروع مستدام يدعم المجتمع ويعيد إليه إحساس الإنتاجية.»

أضف تعليق