تعز، اليمن – كان الوقت قرابة منتصف الصباح، وأطفال في مدرسة قريبة يستعدّون للاستراحة. لكن حسنة جابر، التي تبلغ من العمر 11 عاماً، كانت تمشي في أراضٍ زراعية خالية على أطراف مدينة تعز، تجمع الزجاجات البلاستيكية المرمية.
تعيش حسنة مع أسرتها الفقيرة في تجمّع عشوائي للنازحين، بعد أكثر من عشر سنوات من الحرب في اليمن. فبدلاً من الذهاب إلى المدرسة، تعمل هي وأفراد أسرتها لتأمين لقمة العيش.
تقول حسنة للجزيرة: "حلمي أن أصبح معلّمة. درست حتى الصف الثالث، ثم تركت المدرسة مع أخويّ الأكبرين لأساعد والدي".
بدأ العام الدراسي الجديد في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية في 30 أغسطس/آب، لكن حسنة وغيرها من أطفال الأسر التي تعاني أوضاعاً مادية صعبة ليسوا في الفصول الدراسية.
حسنة واحدة من 3.2 ملايين طفل خارج المدرسة في اليمن هذا العام، وفق تقديرات منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف). وهذا الرقم مرتفع مقارنة بـ1.8 مليون طفل كانت المنظمة تقول إنهم خارج المدرسة في 2015، خلال السنة الأولى من الحرب.
من بين إخوة حسنة الأربعة، يذهب طفل واحد فقط إلى المدرسة حالياً، لأنه صغير جداً على جمع الزجاجات البلاستيكية أو غسيل السيارات، وهي الأعمال التي تقوم بها العائلة.
وتضيف حسنة: "سألتُ أنا وأخواي والدي إن كان بإمكاننا العودة إلى الدراسة هذا العام. فرح بأننا نريد الذهاب إلى المدرسة، لكن توفير الطعام الأساسي للعائلة لا يزال صراعاً كبيراً. لقد وعدنا بأننا سنعود إلى المدرسة العام المقبل".
لدى حسنة صديقات ما زلن يذهبن إلى المدرسة، لكنها تشعر بأنها أقرب إلى من توقّفن عن الدراسة مثلهن، بسبب ما يجمع بينهن من معاناة مشتركة.
وتوضح: "لا أستمتع بقضاء الوقت مع الأطفال الذين يذهبون إلى المدرسة، لأنهم ينظرون إلينا باستعلاء. لكن في العام المقبل سأعود إلى دراستي، وسأحقّق حلمي في أن أصبح معلّمة".
والد حسنة، جابر علي، البالغ من العمر 35 عاماً، يقف أمام ملجئه قبل التوجه إلى عمله في غسيل السيارات. وهو يعاني بشدة لتأمين احتياجات أسرته، بعد أن اضطر إلى الفرار من قريته القريبة من تعز قبل ثماني سنوات بسبب القتال.
جابر لم يتلقَّ تعليماً في حياته، لكنه كان يأمل أن يتعلم أطفاله. يقول: "كنت أعمل وأُبقي أطفالي في المدرسة، لكن الوضع تفاقم خلال العامين الماضيين. ما أكسبه من غسيل السيارات لم يعد يكفي لتوفير الطعام الأساسي لهم، ناهيك عن بقية الاحتياجات".
غلاء المعيشة وندرة العمل زادا الضغط على العائلة. ويشير جابر إلى أن المدرسة تعني شراء الكتب والقرطاسية وتغطية نفقات يومية أخرى لا يستطيع تحمّلها.
ويضيف: "واجهت خيارين: إما أن أرسل أطفالي إلى المدرسة وأشاهدهم يتضوّرون جوعاً، أو أطلب منهم مساعدتي في كسب الرزق. اضطررت إلى اختيار الخيار الثاني، لأن الطعام هو الأولوية القصوى الآن، وليس التعليم".
ويكمل: "علينا أن نشجّع أطفالنا على الدراسة، وأبذل ما بوسعي للحفاظ على معنوياتهم. لا أقول لهم إنهم لن يعودوا أبداً إلى المدرسة، بل أقول لهم إن هذه مرحلة مؤقتة، وآمل أن تتحسن الظروف ليعودوا إلى الدراسة قريباً".
بحسب خطة الاستجابة الإنسانية في اليمن، التي نشرها مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، فإن نحو 6.6 ملايين طفل يمني يحتاجون إلى مساعدة تعليمية في عام 2026. ويشمل هذا الرقم الأطفال غير الملتحقين بالمدارس، وأيضاً من لا يزالون مسجلين لكنهم يواجهون عقبات خطيرة أمام التعلم، كالصراع والفقر وانهيار الخدمات الأساسية.
عمار الشرجبي، خبير التعليم الذي عمل مع وزارتي التربية والتعليم في صنعاء وعدن، يشرح أن هذه الأزمة من أخطر نتائج الحرب، خاصة فيما يتعلق بإجبار الأطفال على ترك المدرسة.
ويقول: "الانسحاب من المدرسة يحرم الأطفال من حقهم في التعليم، ويضعف فرصهم في الحصول على وظيفة مستقرة في المستقبل، وقد يدفعهم إلى العمل الجاد في سن مبكرة. أما على المستوى المجتمعي، فإن استمرار معدلات التسرب يؤدي إلى زيادة الأمية والفقر والبطالة، وينعكس سلباً على التنمية ومستقبل المجتمع".
مصدر في وزارة التربية والتعليم بعدن، تحدث إلى الجزيرة شريطة عدم الكشف عن هويته لأنه غير مخوّل بالحديث إلى وسائل الإعلام، قال إن الضغوط الاقتصادية التي تدفع الأطفال إلى العمل يصعب معالجتها في ظل حرب اليمن، التي تصاعدت بشكل حاد في الأسابيع الأخيرة بعد سنوات من الهدوء النسبي.
وأضاف المصدر: "الوزارة قلقة للغاية بشأن تسرّب الطلاب، لكن هذا نتيجة مباشرة للظروف الاقتصادية القاسية، وليس مشكلة تعليمية يمكن حلها داخل الفصول الدراسية وحدها".
وأشار إلى أن الوزارة تنسق مع المنظمات الإنسانية لدعم الأطفال المستضعفين، لكن التدخل يصبح صعباً عندما يشعر الآباء بأنهم مضطرون إلى تشغيل أطفالهم.
واختتم المصدر قوله: "هذه الزيادة في التسرب هي نتيجة مباشرة للحرب المستمرة وتداعياتها الاقتصادية. وبمجرد أن يحصل الآباء على مصدر دخل ثابت، سنرى الأطفال يعودون إلى المدارس فوراً". لا يتمنّى أيّ والدٍ أن يرى طفله محروماً من التعليم.
أطفال يعيلون أسرهم
كشف تقييمٌ حديث أجرته منظمة "أنقذوا الطفولة" وشمل نحو ٢٠٠٠ أسرة في جنوب وجنوب غرب اليمن، أن ٩٢٪ ممّن شملهم التقييم لا يعرفون من أين ستأتي وجبتهم القادمة، وأن ٩٥٪ منهم يعتمدون في دخلهم على أعمال يومية غير مستقرة وهشّة.
ونتيجةً لذلك، لم تستطع ٨٤٪ من الأسر تحمّل نفقات التعليم الأساسية، مثل الزي المدرسي والكتب. كما أشار التقييم إلى أن نحو حالة واحدة من كل خمس حالات تسرّب مدرسي تم رصدها كانت مرتبطة بعمل الأطفال.
أحمد عبد الإله، البالغ من العمر ثلاثة عشر عاماً، ليس نازحاً، لكنه أحد هؤلاء المتسرّبين من المدرسة. لقد ترك الدراسة بعد أن توفي والده بالسرطان قبل عامين. كانت الأسرة قد أنفقت مدّخراتها بالكامل على العلاج، فبدأ أحمد، وهو الابن الأكبر بين أربعة أطفال، العمل في متجر بقالة.
يقول أحمد: "كان والدي يوفّر لنا كل ما نحتاجه، لكن منذ رحيله لم يعد هناك من يساعدنا، ولا أستطيع أن أرى أمي تعاني."
خلافاً لكثير من أقرانه، لا يستسلم أحمد للحزن بسبب ترك المدرسة. ففي نظره، التضحية تستحق العناء ما دام إخوته الأصغر منه قادرين على مواصلة دراستهم. وهو لا يخطّط للعودة إلى التعليم، إذ يعتقد أن فرصته قد ولّت. بدلاً من ذلك، يطمح إلى أن يصبح صاحب متجر في يوم من الأيام.
ويضيف: "أعمل هنا كي يُكمل إخوتي تعليمهم، وسيعوّضون عمّا خسرته. وأنا فخور بأن عائلتنا لا تضطر إلى التسوّل أو الاعتماد على أحد."