العالم يمر اليوم بتحوّل هيكلي هو الأهم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. مع تغيّر موازين القوى وتصاعد النزاعات والمواجهات، تواجه قاعدة النظام الدولي الحر والمنفتح المبنية على سيادة القانون تحديات جسيمة على امتداد المجتمع الدولي، بما في ذلك منطقة المحيطين الهندي والهادئ. وفي الوقت نفسه، تتعاظم مكانة دول الجنوب العالمي وتزداد مساهمتها في الشؤون الدولية.
قبل عشر سنوات طرح رئيس الوزراء آبي رؤية «محيط هندي-هادئ حر ومنفتح» على أساس إدراكٍ بأن المنطقة ستتحوّل إلى مركز نمو عالمي، وأن جعلها حرة ومنفتحة — بما في ذلك عبر تعزيز الروابط والاتصال — يسهم في تقدم العالم بأسره. اليوم، وبمواجهة التحولات والتحديات الجديدة خلال العقد الماضي، ستُطوّر اليابان هذه الرؤية بشكل استراتيجي. الأمن الاقتصادي أصبح مسألة بالغة الأهمية لدى كثير من الدول، وبناء سلاسل تزويد مرنة صار من أهم الأولويات. كما أصبح دعم بناء القدرات، لا سيما في الأمن البحري، أمراً لا غنى عنه.
رغم تكييف رؤية المحيط الهندي–الهادئ مع مستجدات العصر، تظل مبادئها الأساسية ثابتة: حماية الحرية وسيادة القانون، واحترام التنوع والشمول والانفتاح. ومن خلال مجموعة واسعة من المبادرات المتناسبة مع الواقع الحالي، ستواصل اليابان أداء الدور والوفاء بالمسؤوليات المنتظرة منها على الصعيد الدولي.
في هذا السياق، ترى اليابان أنه من الضروري ضمان الملاحة الحرة والآمنة لسفن جميع الدول عبر مضيق هرمز. إن استعادة الاستقرار في مضيق هرمز، وهو نقطة اختناق استراتيجية للخدمات اللوجستية العالمية ومنشأة منافع عامة دولية، أمر عاجل. وانضمت اليابان إلى البيان المشترك الصادر في 19 مارس 2026 بهذا الشأن، وهي تعزز تعاونها مع الدول والمنظمات المعنية مثل المنظمة البحرية الدولية (IMO). وستستمر اليابان في العمل عن كثب مع المجتمع الدولي، وتجدد التزامها باتخاذ كافة التدابير الممكنة ضمن قدراتها.
علاقتها مع الشركاء في الشرق الأوسط تعمقت، إذ عملوا معاً كشركاء موثوقين، متبادلَي المنفعة، وطموحين بالمستقبل. واستناداً إلى هذا الأساس، سنواصل تعزيز التعاون الذي يسهم في الاستقرار الإقليمي والازدهار المشترك.
منذ نهاية الحرب، أسهمت اليابان باستمرار في سلام وازدهار المجتمع الدولي. موقفنا — الملتزم بالقانون الدولي، بما في ذلك ميثاق الأمم المتحدة، والساعي إلى الحفاظ على نظام دولي حر ومنفتح يقوم على سيادة القانون — موقف معروف ولن يتغير. وتحافظ اليابان على سياسة دفاعية وطنية محضة كأساس لنهجها الدفاعي، وبخصوص حق الدفاع الجماعي كما يُعترف به في ميثاق الأمم المتحدة، فإن تشريعاتنا الداخلية تحدد القيود على الحالات التي يمكن فيها تفعيله.
تستند سياسة الأمن اليابانية إلى ثلاثة وثائق استراتيجية: الاستراتيجية الوطنية للأمن، واستراتيجية الدفاع الوطني، وبرنامج تعزيز القدرات الدفاعية (الثلاث وثائق الاستراتيجية). منذ مراجعتها في 2022، تغيرت بيئة الأمن بوتيرة متسارعة على مستويات متعددة؛ فالدول تستعد لأشكال جديدة من الحرب، بما في ذلك النشر الواسع للمنظومات غير المأهولة، واحتمال حروب مطوّلة. في ظل هذه المعطيات، يتعين على اليابان المضي قدماً في تعزيز جوهري لقدراتها الدفاعية استجابةً لأكثر بيئة أمنية ما بعد الحرب تعقيداً وشدة؛ ويجب التأكيد أن هذا التعزيز لا يستهدف أية دولة بعينها.
التحديات العالمية التي تتطلّب استجابة المجتمع الدولي بأسره تتكدس، وهذه حقبة يتطلب فيها التعاون أكثر من أي وقت مضى. تعارض اليابان التوسع العسكري غير الشفاف أو المحاولات الأحادية لتغيير الواقع بالقوة أو الإكراه، وتضع حدوداً واضحة أمام مثل هذه السلوكيات. عند هذا المنعطف التاريخي، علينا تأمين السلام والأمان والازدهار لشعوبنا؛ والحفاظ على نظام دولي يقوم على قيم ومبادئ مثل الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وسيادة القانون؛ والعمل بنشاط على خلق بيئة دولية مستقرة وسلمية. ومن أجل ذلك، تواصل اليابان، بالتعاون مع شركائها في الشرق الأوسط وخارجه، ممارسة دبلوماسية تهدف إلى الانحراف بالعالم عن مسارات الانقسام والمواجهة نحو وجهات المصالحة والتعاون.
تقوم دبلوماسية اليابان على احترام تنوّع الأمم كافة، والانخراط مع الشركاء على قدم المساواة لمناقشة التحديات المشتركة وتقديم دعم دقيق يستجيب للاحتياجات الحقيقية. وتحت مظلة النظام التجاري متعدد الأطراف، دافعت اليابان عن التجارة الحرة وروّجت لنظام اقتصادي دولي منظم وقائم على القواعد والعدالة. وفي الوقت نفسه، وبالانطلاق من مفهوم الأمن البشري، دعمت الدول النامية عبر التعاون في بناء القدرات وسعت لمعالجة قضايا عالمية مثل تحقيق أهداف التنمية المستدامة. كما كان لليابان دور نشط في نزع السلاح النووي ومنع الانتشار والمساهمة في بناء السلام الدولي. ومع بلوغ العالم هذه اللحظة الفارقة، سنستمر في هذا المسار الدبلوماسي بتنسيق وثيق مع شركائنا في الشرق الأوسط.
مستقبلاً، ستُطبّق رؤية المحيط الهندي–الهادئ بالتوازي مع شراكاتٍ في الشرق الأوسط عبر تعاون عملي: تعزيز سلاسل الإمداد المرنة، رفع مستوى الأمن البحري وحماية الممرات البحرية الآمنة، تحسين الشبكات ذات الجودة العالية، ودعم تنميةٍ تركز على الإنسان، كل ذلك وفقاً للأولويات المحلية. وستواصل اليابان تشجيع الاستثمارات، وتقديم دعم لبناء القدرات — موجه حسب الطلب ومصمّم بتفصيل — وتقديم المساعدة الرسمية للتنمية للمساهمة في خلق بيئة إقليمية حرة ومنفتحة وشاملة.
رؤية المحيط الهندي–الهادئ بعد عشر سنوات ليست شعاراً جامداً؛ بل إطار حي للحفاظ على النظام الدولي الحر والمنفتح القائم على سيادة القانون، وجسر يربط بين الانقسام والمواجهة من جهة، والمصالحة والتعاون من جهةٍ أخرى — سواء في المحيط الهندي–الهادئ أو في الشرق الأوسط وخارجه.
وجهات النظر المعبر عنها في هذا النص تعبر عن رأي الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.