بين أوروبا وأوراسيا: لماذا احتدّ الخلاف بين بوتين ورئيس وزراء أرمينيا؟

حذّر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين رئيسَ الوزراء الأرميني نيكول باشينيان من أن سعيَ يريفان للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي قد يعطّل التجارة مع موسكو. وجاء هذا التحذير في وقت بلغت فيه العلاقات بين البلدين أدنى مستوياتها، بعد أن بدأت أرمينيا تتّجه نحو الغرب، وهو ما دفع موسكو إلى ردود فعل اقتصادية وسياسية حادة.

وخلال لقاء متوتر جمع الرئيسين الثلاثاء في بيشكيك، على هامش قمة منظمة شنغهاي للتعاون، قال بوتين إن موسكو تحتاج إلى وضوح بشأن رغبة يريفان في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، حتى تتمكن من تحديد مستقبل التجارة الثنائية مع أرمينيا. وأضاف أن انضمام أرمينيا إلى الاتحاد الأوروبي سيكون بمثابة إعلان انفصال عن الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، وهو التكتل الذي تقوده روسيا ويضم عدة دول من الاتحاد السوفياتي السابق.

وفي أبريل/نيسان الماضي، اتخذت يريفان قراراً بتبنّي قانونٍ يطلق عملية الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وهو ما تعتبره روسيا نقطة خلاف كبرى، لأنها تنظر إلى جارتها من الدول السوفياتية السابقة بوصفها درعاً أمنياً مهماً بين حدودها والاتحاد الأوروبي. أما باشينيان فقد شدد في بيشكيك على أن أرمينيا لم تخالف أيّاً من التزاماتها تجاه روسيا من خلال مسارها الأوروبي، وأنها لا تريد مغادرة الاتحاد الاقتصادي الأوراسي.

وقال بوتين خلال اللقاء: «إن تطلّع أرمينيا إلى الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي هو حق طبيعي ومشروع للبلاد وشعبها. أرمينيا دولة ذات سيادة، والشعب الأرميني هو من يحدد مسار تطوره». غير أنه أضاف: «هذا بلا شك يخلق تعقيدات لمواصلة عضوية أرمينيا في الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، ويهدد بتآكل المزايا التي تتمتع بها الجمهورية في سوق الاتحاد، وقطع العلاقات التجارية القائمة». في المقابل، ردّ باشينيان بالقول إن قرار أرمينيا اعتماد قانون إطلاق عملية الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي لم ينتهك أي التزامات تجاه روسيا أو الاتحاد الأوراسي، وإنه مجرد خيار قدّمته حكومته للشعب الأرميني.

بعد انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991، كانت أرمينيا أقرب حلفاء روسيا في منطقة جنوب القوقاز، حيث تطوّرت العلاقات التجارية والاقتصادية والسياسية بين البلدين. وظلت أرمينيا لعقود حليفةً وثيقة لموسكو، وعضواً في منظمة معاهدة الأمن الجماعي، ومضيفةً لقاعدة عسكرية روسية، ومعتمدةً على الغاز الروسي. وتُعد روسيا حالياً الشريك التجاري والاقتصادي الرئيسي لأرمينيا، إذ تمثل نحو 30 بالمئة من تجارتها، كما أنها مستثمر مهم في الاقتصاد الأرميني، وقد بلغ التبادل التجاري بين البلدين نحو 2.5 مليار دولار في النصف الأول من هذا العام.

يقرأ  عودة تمائم العلامات التجارية: لماذا تعود الشخصيات الدعائية إلى الواجهة؟

لكن رغم هذه الروابط الاقتصادية، تشهد العلاقات توتراً حاداً منذ عام 2023، بعد تجدد النزاع التاريخي في منطقة ناغورنو كاراباخ. فروسيا، التي تخوض حربها في أوكرانيا، لم تتدخل عسكرياً عندما شنت أذربيجان هجوماً عسكرياً واسعاً في المنطقة ذات الغالبية الأرمينية، والتي كانت مستقلة بحكم الأمر الواقع منذ التسعينيات.

ويرى المحلل السياسي لاورنتيو بليسكا، الباحث في شؤون توسع الاتحاد الأوروبي والأمن الأوروبي في مؤسسة «المارشال الألماني» بالولايات المتحدة، أن قرار موسكو عدم دعم يريفان خلال حرب كاراباخ في 2023 هو ما قاد أرمينيا إلى التحول نحو الغرب، وأن هذا التحول بدوره أزعج موسكو ودفع العلاقات إلى مزيد من التدهور. وقال بليسكا إن روسيا بدأت بمنع استيراد السلع الأرمينية، وتهدد بتعليق إمداد أرمينيا بالغاز والمنتجات النفطية والألماس بشكل معفى من الرسوم الجمركية. وأضاف أن الاتحاد الأوروبي، من جانبه، تعهّد بدعم اقتصادي ليريفان لمواجهة هذا الضغط.

وفي مطلع يوليو/تموز، قالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين ليريفان إنها تستطيع الاعتماد على الاتحاد الأوروبي في مواجهة أي ضغط اقتصادي من روسيا، وتعهدت بتقديم 18 مليون يورو إضافية، كجزء من حزمة دعم اقتصادي أوسع قيمتها 52 مليون يورو.

أما بخصوص خطط أرمينيا الأوروبية، فقد وقّع رئيس أرمينيا في أبريل/نيسان الماضي قانوناً يضع الأساس القانوني لتحرك البلاد نحو الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. وكرر باشينيان، الذي تولى السلطة عام 2018 وكان جزءاً من إطلاق هذا التوجه، أن القانون لا يمثل طلباً رسمياً للانضمام، بل بداية عملية أوسع للتكامل. غير أنه قال للنواب في يوليو/تموز من هذا العام إن أرمينيا ستقرر مسألة عضويتها في الاتحاد الأوروبي عبر استفتاء «في المستقبل القريب».

وفي إطار تعميق علاقاتها الأوروبية، استضافت يريفان الشهر الماضي أول قمة أوروبية رسمية لها، إلى جانب تجمع أوروبي أوسع حضره الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي. كما استضافت الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في زيارة دولة رفيعة المستوى، أثارت انتقادات لاذعة من الكرملين بعد انتشار فيديو لماكرون وهو يغني بينما عزف باشينيان على الطبول.

يقرأ  باكستان ترسل مقاتلات إلى السعودية مع وقف إطلاق نار هش بين الولايات المتحدة وإيران

يذكر أن بوتين كان قد حذّر أرمينيا سابقاً من أن العضوية في الاتحاد الأوروبي لا تتوافق مع الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، وأن على أرمينيا مغادرته إذا انضمت إلى التكتل الأوروبي. والاتحاد الاقتصادي الأوراسي مجموعة تضم دولاً من الاتحاد السوفياتي السابق لتنسيق السياسات الاقتصادية والتجارية، وأعضاؤه هم روسيا وبيلاروسيا وكازاخستان وقيرغيزستان وأرمينيا. وقد تأسست معاهدة الاتحاد في مايو/أيار 2014، وبدأ الاتحاد عمله في يناير/كانون الثاني 2015. ووفق تقرير صادر عن مؤسسة «تشاتام هاوس» عام 2022، فإن هذا الاتحاد هو عملياً مسعى روسياً لإنشاء نسخة أوراسية من الاتحاد الأوروبي.

ويمثل الاتحاد الأوراسي أهمية جيوسياسية كبرى لروسيا، إذ يراه بوتين جزءاً من مسعاه لإعادة بناء النفوذ الروسي الذي خسرته موسكو بعد تفكك الاتحاد السوفياتي. لذلك، فإن تقارب أرمينيا مع الاتحاد الأوروبي يُنظر إليه في الكرملين باعتباره محاولة للخروج من الهيمنة الروسية على الجوار.

وفي يونيو/حزيران الماضي، رفض باشينيان دعوة من موسكو إلى إجراء استفتاء فوري حول مغادرة الاتحاد الأوراسي والانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. وكانت التوترات قد بلغت ذروتها في قمة الاتحاد الأوراسي التي عقدت في كازاخستان في 29 مايو/أيار، حيث أصدر بوتين وقادة بيلاروسيا وكازاخستان وقيرغيزستان بياناً مشتركاً حثّوا فيه أرمينيا على إجراء الاستفتاء «في أقرب وقت ممكن». كما وجّه بوتين تهديداً شبه مكشوف في القمة نفسها، محذراً أرمينيا من متابعة طموحاتها الغربية، ومشيراً إلى حرب روسيا في أوكرانيا، وقال إن «السيناريو الأوكراني» بدأ أيضاً بطموحات كييف الأوروبية.

وردّ باشينيان على بوتين في كلمة مصورة بثها على وسائل التواصل الاجتماعي، مؤكداً أن حكومته ستواصل العمل في إطار الاتحاد الأوراسي حتى يصبح الاختيار بين الكتلتين «حتمياً»، ومشيراً إلى أن أي استفتاء قبل تقديم أرمينيا طلباً رسمياً للحصول على وضع مرشح لعضوية الاتحاد الأوروبي يبقى نظرياً بحتاً. وقال: «وضع خيار نظري في استفتاء ليس منطقياً ولا مبرراً بالطبع».

يقرأ  ترامب: أعتقد أن بوتين سيتوصل إلى اتفاق بشأن أوكرانيا— أخبار حرب روسيا وأوكرانيا

لكن باشينيان عاد في قمة شنغهاي إلى التأكيد أن يريفان لا تخطط لمغادرة الاتحاد الأوراسي، وقال إن موسكو ظلت دائماً داعمةً لتطوير علاقات ودية ومتبادلة المنفعة مع يريفان.

أما المحلل بليسكا، فرأى أن هناك في جوهر الأمر صراعاً على التوجه الاستراتيجي لأرمينيا، يجري على جبهتين. وقال: «الموقف المؤيد للاتحاد الأوروبي واضح بالفعل، وموسكو تريد عكسه. وبعد أن فشلت في ذلك عبر صناديق الاقتراع في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، تعوّض الآن بالابتزاز الاقتصادي». وقد اتُهمت موسكو خلال الانتخابات البرلمانية التي جرت في يونيو/حزيران بالسعي إلى ترجيح الكفة عبر الضغط الاقتصادي والدبلوماسي على حكومة باشينيان.

وأشار بليسكا إلى أنه رغم أن أرمينيا تملك حقاً قانونياً في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، فإن القيام بذلك وهي ما زالت داخل الاتحاد الجمركي الأوراسي سيكون ملتبساً من الناحية القانونية. وقال: «لا توجد آلية لطرد أي عضو من الاتحاد، وأرمينيا لم تفعّل إشعار الخروج قبل ستة أشهر، لذلك فإن السعي لعضوية الاتحاد الأوروبي لا يشكل خرقاً تلقائياً لالتزاماتها تجاه الاتحاد الأوراسي. وهذا تحديداً هو المأزق الذي تتنقل فيه يريفان، إذ تُبقي قدماً في المعسكرين في الوقت الحالي، بينما تصر موسكو على أن ذلك غير ممكن».

وأضاف أن مسعى أرمينيا إلى عضوية الاتحاد الأوروبي، بالنسبة لروسيا، يتعلق أيضاً بخسارة موطئ قدم لها في منطقة جنوب القوقاز.

أضف تعليق