كشف تحقيق أجرته الجزيرة عن ثغرات في الادعاءات بأن فيلمًا إسرائيليًا مضادًا للوثائقي الحائز على إشادة نازا حقق أكثر من ٤٤ مليون مشاهدة. ومن خلال فحص سجلات النطاقات، وأرشيفات الويب، وشيفرة المصدر، وثلاث أدوات مستقلة لتحليل حركة المرور، كشف التحقيق أن الأرقام ملفقة، وأن جهات إسرائيلية رسمية تبنتها للترويج للفيلم.
ويعتمد الفيلم الأصلي الحائز على جوائز، نازا، على شهادات ٢٤ مبلّغًا عسكريًا إسرائيليًا مجهول الهوية، يتهمون الجيش باستخدام أنظمة استهداف تعمل بالذكاء الاصطناعي لقتل عدد كبير من المدنيين في غزة. ويستمد الفيلم الوثائقي اسمه من مصطلح عسكري إسرائيلي يعني الخسائر المدنية المتوقعة في الضربات الجوية. وبعد فوزه بجائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان البندقية السينمائي الدولي، وحصوله على تصفيق تاريخي استمر ٢٥ دقيقة وقوفًا، كان من المقرر عرضه في ٥٦ دولة.
الرد الرسمي
أثار نجاح الوثائقي الأصلي عاصفة سياسية في إسرائيل. وطالب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو رئيس الأركان، ورئيس الشاباك، والمستشار القضائي للحكومة بفتح تحقيق شامل مع المشاركين وملاحقتهم بتهم انتهاك أمن المعلومات.
واتُهم مخرجا الفيلم، يوفال أبراهام وراشيل تسور، بالخيانة، وهدد نتنياهو ووزير الثقافة ميكي زوهار بسحب جنسيتهما الإسرائيلية.
شبكة النطاقات
ولمواجهة الصدى العالمي للفيلم، أنشأ خصومه فيلمًا مضادًا. وفي ١٦ سبتمبر، بعد أيام فقط من العرض الأول لفيلم نازا، سُجل النطاق نازادوكيومنتري دوت كوم عبر كلاودفلير، مع إخفاء بيانات المالك.
وكشفت أداة وايباك ماشين التابعة لأرشيف الإنترنت أن الموقع تنكر في البداية في هيئة موقع نازا الرسمي، وذكر أسماء المخرجين ومعلومات عن العروض والصحافة. لكنه وصف الفيلم بأنه يكشف الأنظمة التي تقف وراء القتل الجماعي المحسوب لمن سمّاهم إرهابيين في غزة. وبحلول ٣٠ سبتمبر، اختفت هذه الصفحة الخادعة، واستُبدلت بعنوان جديد هو «نازا: القصة الحقيقية».
ويقف خلف الفيلم المضاد الذي تبلغ مدته ٤٩ دقيقة أرييل أفيربوخ، وروي دانينو، وحاغاي غوتمان، وقالوا إن العمل مموّل ذاتيًا. لاحقًا، سُجل نطاقان آخران، وات إز نازا دوت كوم وواتش نازا دوت كوم، لإعادة توجيه المستخدمين إلى الفيلم المضاد.
العداد المزيف
وبحلول صباح ١٤ أكتوبر، كان عداد موقع نازادوكيومنتري دوت كوم يعرض ٤٣٬٧٥٨٬٤٢١ مشاهدة، من دون كشف مصدر الرقم أو طريقة حسابه.
لكن المنصات العامة روت قصة مختلفة تمامًا. فالنسخة الكاملة من الفيلم، ومدتها ٤٩ دقيقة، على قناته الرسمية في يوتيوب لم تتجاوز ١٣٠ ألف مشاهدة بحلول التاريخ نفسه. وهذا يعني أن عداد الموقع عرض نحو ٣٣٦ ضعف عدد المشاهدات الحقيقية. وكان لدى قناة يوتيوب أقل من ٢٠٠٠ مشترك، ولم يكن لدى حساب الفيلم على إكس سوى ١٧٠ متابعًا.
وأكدت منصات مستقلة لتحليل حركة المرور هذا التباين. فقدّرت منصة سيمرش الأمريكية إجمالي زيارات الموقع حتى ٨ أكتوبر بنحو نصف مليون. وقدرت سيميلارويب، التي أسسها إسرائيليون، ٣٢٦ زيارة فقط في سبتمبر. كما غابت نطاقات الفيلم من قائمة ترانكو التي تضم أكثر من مليون نطاق من الأكثر زيارة في العالم.
وتظهر بيانات منصة تحليلات الويب سيمرش أن ٨٠ في المئة من الزيارات الأولى للموقع جاءت من إسرائيل. وتكشف تحليلات سيمرش أن الروابط المباشرة كانت المصدر الرئيسي لحركة المرور إلى موقع الفيلم الإسرائيلي المضاد في أكتوبر.
تناقضات وشيفرة
وكشف فحص شيفرة الصفحة أن العنصر الذي يعرض الرقم الضخم كان موسومًا داخليًا باسم «زوار»، لكنه يظهر للمستخدمين باسم «مشاهدات». ويُرسل الرقم مباشرة من خادم الموقع، ما يجعل طريقة حسابه غير مرئية من الخارج. وعند فتح الصفحة، يبدأ العداد عند ٩٧ في المئة من قيمته ويتزايد لمدة ثلاث ثوان، ما يخلق إيهامًا بعداد حي.
وبالإضافة إلى ذلك، يجمع الموقع بيانات مشاهدة فعلية من دون نشرها، ويرسل ملف تتبع مشاهدة بعد نحو ٢٥ ثانية من تشغيل الفيديو لتحديد جلسة المشاهدة والأجزاء التي شوهدت، ولا يُعرف ما إذا كان العداد يعتمد على هذه البيانات.
ورغم أن المؤشرات تبدو ملفقة، قادت حسابات إسرائيلية رسمية الترويج للفيلم المضاد. فقد روجت له السفارة الإسرائيلية في واشنطن في ٣ أكتوبر على وسائل التواصل الاجتماعي.
ومنحت تسيبي حوتوفلي، رئيسة مديرية الدبلوماسية العامة الإسرائيلية، المبدعين الثلاثة شهادات تقدير لمواجهتهم الفيلم الأصلي. وقالت حوتوفلي إن الفيلم حصد عشرات ملايين المشاهدات، محوّلة رقمًا ملفقًا لا سند له إلى نقطة حديث رسمية.
وتأتي هذه الحملة الرقمية المفصلة في ظل حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية على غزة، التي بدأت في أكتوبر ٢٠٢٣. ومنذ بدء الصراع، قتلت إسرائيل ما لا يقل عن ٧٤ ألف فلسطيني، بينهم ٢١ ألف طفل على الأقل، حسب وزارة الصحة في غزة.