تحقيق السلام في لبنان أصعب من تحقيق النصر في الحرب — إسرائيل تشن هجمات على لبنان

في ظل هدنة هشّة في لبنان، يستعد الرئيس جوزيف عون لزيارة يقول بعضهم إنها قد تكون “تاريخية” إلى واشنطن. ويبدو أن رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب قد يمارس ضغوطاً عليه للقاء رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو. وإذا ما عُقد هذا القمّة، فستكون الأولى من نوعها في التاريخ.

لكن لقاءً رمزياً لن يفي لحلّ الصراع في لبنان، الذي يمتد جذره في أعماق التاريخ وله امتدادات جيوسياسية واسعة.

رغم الوقف الفعلي لإطلاق النار، تواصل اسرائيل احتلال أجزاء من جنوب لبنان. وما تزال العملية الجارية، حسب تصريح وزير الدفاع إسراييل كاتس، تهدف إلى إقامة “منطقة أمنية” تمتد على كامل المساحة جنوب نهر الليطاني — أي نحو عشرة بالمئة من الأراضي الوطنية اللبنانية.

السكان المدنيون مُنعوا من العودة إلى منازلهم بينما واصلت القوات الإسرائيلية القصف والتدمير الشامل. ويبدو أن نتنياهو يوظف خطاب “تدمير حزب الله” لتغطية حملة تدمير جماعي وتغيير ديموغرافي حقيقي.

من المهم الإشارة إلى أن احتلال الأراضي جنوب الليطاني ليس مجرد هدف عسكري لإسرائيل؛ بل هو طموح تاريخي.

في عام 1918، نشر يتسحاق بن تسيڤ، الذي أصبح لاحقاً ثاني وأطول رؤساء إسرائيل خدمةً، وديفيد بن غوريون، الذي صار أول رئيس للوزراء، كتاباً بعنوان “أرض إسرائيل” وصفا فيه “أرضنا” على أنها تمتد من نهر الليطاني حتى خليج العقبة.

وفي عام 1919، خلال مؤتمر باريس، الاجتماع الرسمي لقوى الحلفاء المنتصرة لتحديد شروط السلام بعد الحرب العالمية الأولى، قدّم وفد من المنظمة الصهيونية العالمية بقيادة حاييم وايزمن مذكرة تطالب بدولة يهودية تمتد حتى نهر الليطاني، إضافة إلى أجزاء من سيناء وأراضٍ أخرى تتجاوز حدود إسرائيل اليوم.

خلال حرب 1948، وجهت الدولة الإسرائيلية الناشئة أنظارها نحو جنوب لبنان، البلد الذي كان يمتلك أصغر جيش في المنطقة. ففي أكتوبر من ذلك العام، احتل الجيش الإسرائيلي قرية الحولا دون أن يواجه مقاومة تُذكر، وقُتل أكثر من ثمانين قروياً أعزل. أما المسؤول الرئيسي عن تلك المجزرة، شمعون لاخيش، فحُكم عليه بسنة واحدة فقط في السجن وبعد أن نال عفواً رئاسياً في 1955 أصبح مديراً عاماً للوكالة اليهودية.

يقرأ  هل ستصمد دعوى ترامب بقيمة مليار دولار ضد هيئة الإذاعة البريطانية أمام المحاكم؟

شَهِدت قرى عديدة، مثل قدَس وصليبا، الواقعة على الحدود اللبنانية-الإسرائيلية، مجازر وعمليات ترحيل مماثلة. وفي الوقت نفسه، وبفعل ما يسميه الفلسطينيون النكبة، اضطر مئة ألف لاجئ فلسطيني للانتقال إلى لبنان. ولا بدّ من النظر إلى التركيبة السكانية الحالية في جنوب لبنان في ضوء هذه الديناميات والندوب التاريخية.

العقود التالية من الصراع شكّلت أيضاً جنوب لبنان. يكفي أن نذكر أنه في ستينات القرن العشرين كانت مناطق شيعية واسعة في الجنوب تفتقر إلى المياه الجارية والكهرباء والمدارس العلمانية، إذ كانت الدولة اللبنانية تنفق نحو 0.7 بالمئة فقط من الإنفاق العام في تلك المنطقة. لقد أصبح هذا الإهمال قاعدةً لتسييس وتحشيد الطائفة الشيعية في العقود التالية.

اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 كان نتيجة أساساً لتقاطع انقسامات داخلية عميقة مع وجود منظمة التحرير الفلسطينية المزعزع، التي عملت كـ”دولة داخل دولة” وشنّت هجمات عابرة للحدود ضد إسرائيل.

في مارس 1978 شنت إسرائيل عملية الليطاني، وهي غزو واسع للجنوب اللبناني هدفه تحييد قواعد منظمة التحرير وإقامة منطقة عازلة، ما أدى إلى تهجير مدنيين ونشر قوات حفظ سلام تابعة للأمم المتحدة.

رحّب بعض من عناصر المجتمع الشيعي بطرد منظمة التحرير من الجنوب، لكن عندما غزت إسرائيل مجدداً في 1982، بدا سريعاً أنها لا تنوي الانسحاب. سرّع ذلك من تعبئة الشيعة سياسياً، وكان حزب الله إحدى النتائج الرئيسية لهذا التحول.

في العقود التالية أصبح حزب الله إحدى أهم مخاوف إسرائيل الأمنية. استخدمت الجماعة جنوب لبنان لإطلاق صواريخ وقذائف نحو شمال إسرائيل وخاضت عمليات ضد إسرائيليين في أماكن أخرى.

وطوّر حزب الله أيضاً علاقة وثيقة مع الخصم الأبرز لإسرائيل بعد 1979: الجمهورية الإسلامية في إيران. تحولت هذه العلاقة من اعتماد أيديولوجي إلى شراكة استراتيجية حيوية.

يقرأ  كوسمين كوستيناش وإنتي غيريرو يتولّيان تنظيم التريينالي التاسع في يوكوهاما

بينما رأت طهران في بادئ الأمر في حزب الله وسيلةً لتصدير ثورتها، باتت الآن تعتبره أهم أصولها الإقليمية وخطها الأول للدفاع ضد أهداف وسياسات التوسع الإسرائيلية في المنطقة. نقلت إيران تقنيات عسكرية إلى حليفتها اللبنانية، موفّرةً لها صواريخ متطورة وطائرات من دون طيار وقدرات سيبرانية.

صحيح أن حزب الله شكّل تهديداً لإسرائيل، لكن من الصعب تجاهل تفاوت القوة النارية. بين 2007 و2022 وثّقت منظمة “Air Pressure” 22,355 انتهاكاً غير قانوني للمجال الجوي اللبناني من قبل القوات الإسرائيلية. أما في الفترة منذ 7 أكتوبر 2023، فذكرت قناة 4 أن الهجمات الإسرائيلية في لبنان فاقت هجمات حزب الله بخمسة إلى واحد. وفي العام الذي تلا هدنة 27 نوفمبر 2024، وثّق قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) ما يقارب 7,800 انتهاك جوي من قبل القوات الإسرائيلية.

بالنسبة لإيران وحزب الله وإسرائيل، تحوّل الصراع الجاري إلى نزاع وجودي. أما للحكومة اللبنانية، فيرى البعض حزب الله تهديداً للاستقرار وفي الوقت نفسه الوسيلة الوحيدة للمساومة ضد إسرائيل في هذا السياق. أما الولايات المتحدة، فرغم وجودها العسكري وتدخلها السياسي، فتتعامل مع الحرب كمغامرة عسكرية أخرى.

ماذا يعني كل هذا بالنسبة للديناميات الحالية والبحث عن حلول؟ ثمة أربعة استنتاجات على الأقل يمكن استخلاصها.

أولاً وقبل كل شيء، لا يوجد حل عسكري لمشكلة سياسية في جوهرها؛ فاستعمال القوة لا يؤدي إلا إلى تفاقم الأمور. لم يكن هناك حزب الله قبل غزو 1982؛ ولم يكن هناك حماس قبل احتلال 1967؛ وهذه قائمة يمكن أن تطول. كل محاولة لقمع أو طمس أو إلغاء شعوب أو دول أخرى تُنتج نماذج مماثلة.

ثانياً، هناك فاعلون أقوياء في الساحة يدفعون نحو مزيد من التصعيد. في لبنان، قررت جهات سياسية معينة التحالف مع إسرائيل، مما سيستثير حتماً رد فعل من حزب الله. وفي الوقت نفسه، لدى نتنياهو مصلحة قوية في الحفاظ على “حرب دائمة” إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية، لتشتيت الرأي العام المحلي وتأجيل الإجراءات القضائية ضده — وسيواصل بالتالي إشعال التوترات.

يقرأ  المحكمة العليا الأميركيةتنظر في جدل حول صلاحية ترامب لفصل مسؤول بوكالة اتحادية

ثالثاً، لم تُستهدف إيران لأنها تمتلك سلاحاً نووياً؛ بل لأنها لم تكن تملك واحداً، ما جعلها تبدو هدفاً قابلاً للهزيمة. وينطبق الشيء نفسه على لبنان؛ لا فرصة للسلام والاستقرار طالما يُنظر إلى البلد كهدف سهل للهزيمة.

وأخيراً، شهدنا حدود القوة العسكرية الإسرائيلية وتآكل نفوذ بعض دول الخليج التي كانت معتمدة بشكل كامل على الولايات المتحدة في أمنها. إن تفويض الأمن لجهات خارجية لن يحقق سلاماً رسمياً ودائماً في لبنان والمنطقة الأوسع؛ بل على أقصى تقدير قد يفرز “استقراراً مسلحاً” أو “تثبيتاً عسكرياً” مفروضاً.

تحقيق السلام، الذي غالباً ما يكون أصعب من كسب الحرب، يتطلب ترتيباً إقليمياً تفاوضياً جديداً يقرّه أولاً وقبل كل شيء الفاعلون والجهات المحلية.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.

أضف تعليق