أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنه لا يرى حاجة مُلِحّة لـ«القانن الدولي»، مُقِرّاً أن ما يحدّ من سياساته العدوانية في العالم هو «أخلاقيتي الشخصية» لا أكثر، وذلك بعد اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو من العاصمة كاراكاس.
وقال ترامب لصحيفة نيويورك تايمز: «لا أحتاج إلى القانون الدولي. لستُ هنا لأؤذي الناس». وعند سؤاله عمّا إذا كان ملزماً بالالتزام بالقواعد الدولية أجاب: «أنا كذلك، لكن ذلك يعتمد على تعريفكم للقانون الدولي».
أظهرت إدارة ترامب استعداداً لاستخدام القوة العسكرية الصلبة لتحقيق أهدافها في السياسة الخارجية. ففي هجوم شنَّته الولايات المتحدة فجر السبت على فنزويلا سُمِعَت انفجارات في أنحاء كاراكاس وفي قواعد عسكرية، وقامت قوات أمريكية باختطاف الرئيس مادورو من العاصمة، في خطوة اعتبرها مراقبون انتهاكاً واضحاً لميثاق الأمم المتحدة الذي يحظر «التهديد أو الاستخدام القسري للقوة ضد سلامة أراضي أي دولة أو استقلالها السياسي».
هذا الهجوم بدا وكأنه صعَّد من لهجة التصعيد لدى ترامب، الذي تسلم الشهر الماضي جائزة «السلام» التي منحها له الاتحاد الدولي لكرة القدم، وهو نفس الرئيس الذي صرّح لاحقاً بأن الولايات المتحدة ستدير فنزويلا وتستغل احتياطياتها النفطية الضخمة، رغم إعلان إدارته تعاونها مع الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز. ومع ذلك، صرّحت الإدارة بأنها «ستُملِّم السياسات» للحكومة المؤقتة وهددت مراراً بـ«موجة ثانية» من العمليات العسكرية إذا لم تُنفَّذ المطالب الأمريكية.
وفي مقابلة مع مجلة ذا أتلانتيك قال ترامب عن رودريغيز: «إن لم تفعل الصواب، فستدفع ثمناً باهظاً، وربما أكبر من مادورو». كما ألمح في وقت سابق من الأسبوع إلى إمكانية توجيه ضربة للرئيس الكولومبي اليساري جوستافو بيترو، وتصاعدت أيضاً حملته للسيطرة على الإقليم الدنماركي غرينلاند.
في يونيو الماضي، انخرطت إدارته في حرب غير مبررة ضد إيران وأمرت بقصف المواقع النووية الثلاث الرئيسية في البلاد. وأعرب مستشاروه، مثل ستيفن ميللر، عن نقدهم للنظام الدولي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية، مؤكدين أن الولايات المتحدة ستستخدم قوَّتها العسكرية «دون اعتذار» لحماية مصالحها في نصف الكرة الغربي. كما صرّح ميللر لقناة سي إن إن: «نحن قوة عظمى، وتحت رئاسة ترامب سنتصرف كقوة عظمى».
ورغم ذلك، حذَّر خبراء من أن تجاهل القواعد الدولية يمكن أن ينعكس بعواقب كارثية على المجتمع الدولي بأسره، بما في ذلك الولايات المتحدة نفسها. فـالقانن الدولي هو مجموعة القواعد والمعايير التي تحكم علاقات الدول، ويتضمن معاهدات الأمم المتحدة والاتفاقات المتعددة الأطراف.
قالت مارغريت ساترثوايت، المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية باستقلال القضاة والمحامين، لقناة الجزيرة إن تصريحات الإدارة الأمريكية التي تهمش القواعد الدولية «خطيرة للغاية». وأضافت أنها تخشى أن العالم قد يعود إلى «عصر الإمبريالية»، محذّرة من أن تهميش القوانين الدولية قد يشجِّع خصوم واشنطن على ارتكاب أعمال عدوانية مماثلة.
وصرّحت ساترثوايت: «القانون الدولي قد لا يمنع الدول من ارتكاب أفعال مروعة إذا كانت مصمِّمة على ذلك. ورغم جهود دول عديدة والأمم المتحدة لوقف الفظائع التي شهدناها مؤخراً في غزة، استمرَّت تلك الانتهاكات. ومع ذلك، أظن أننا سنكون في وضع أسوأ إن لم نُصِرّ على القوانين الدولية القائمة؛ فسنسقط ببساطة في منحنى انزلاقي أخطر بكثير».
وحذرت يسرا سويدي، أستاذة القانون الدولي بجامعة مانشستر، من أن خطاب «القوة تعني الصواب» قد يُلهم دولاً أخرى لتقليد السلوك نفسه، مشيرةً إلى دول مثل الصين التي قد تلوح بتطلعاتها إلى تايوان، وروسيا فيما يتعلق بأوكرانيا.
وقال إيان هيرد، أستاذ العلوم السياسية بجامعة نورث وسترن، إن التاريخ يوضّح مخاطر سياسات الولايات المتحدة في أمريكا اللاتينية، حيث شهدت المنطقة أكثر من قرن من الغزوات والانقلابات العسكرية المدعومة أميركياً، ما جرَّ إلى عدم استقرار وقمع وانتهاكات حقوق الإنسان. وأكد هيرد أن سياسات ترامب في فنزويلا «متسقة» مع محاولات سابقة لأمريكا لتقرير أنماط الحكم في بقاع من الأمريكتين، مشيراً إلى أمثلة عديدة من بنما وهاييتي ونيكاراغوا وتشيلّي في السبعينات.
وختم هيرد بالقول إن التدخّلات الأمريكية عادةً ما تجلب الندم، «فلا شيء من ذلك ينجح بشكل جيد».