سلسلة هجمات منسقة تكشف ثغرات أمنية في مالي
أضهر هجوم منسّق شنته مجموعات مسلحة في عدة مناطق من مالي هشاشة البنية الأمنية في الدولة التي يحكمها الجيش، وفق محللين. منذ نيل الاستقلال عن فرنسا عام 1960، شهدت مالي دورات متكررة من عدم الاستقرار السياسي تصاحبها هجمات مستمرة من فصائل مسلحة وانقلابات مالية وعسكرية وأزمات اقتصادية متلاحقة.
مع انسحاب العمليات الفرنسية والدولية من المنطقة ازداد نفوذ الميليشيات الروسية خلال العامين الماضيين، ما مثل مؤشر خطر جديد على تزايد العنف. وتبنّت جماعة تُرتبط بتنظيم القاعدة، جبهة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM)، مسؤولية هجمات استهدفت مواقع عسكرية في أنحاء البلاد، بينها العاصمة باماكو، كما أعلنت أنها «استولت» على مدينة كيدال في الشمال بالتنسيق مع جبهة تحرير أزواد (FLA)، وهي حركة متمركزة لدى الطوارق.
أفاد مصدر عسكري لقناة الجزيرة بأن وزير الدفاع المالي، ساديو كامرا، قُتل خلال الاشتباكات. واعتبر ماثياس هونكبي، مدير مؤسسة الانتخابات الدولية في مالي، أن قدرة الجماعات المسلحة على تغطية مساحات واسعة خلال يوم واحد تعكس وجود ثغرات أمنية منهجية. وأضاف أن تمكنهم من بلوغ مدينة كاتي، حيث يقيم الرئيس ووزراء بارزون، يبيّن ضعف قدرة الحكومة على حماية مركز السلطة.
من هم الفصائل الرئيسية؟
منذ 2012، تدهورت الأوضاع الأمنية مع نشاط جماعات انفصالية، انقلابات متكررة وقوات جهادية أزهقت أرواح العديد في الشمال والوسط. تُعدّ JNIM من أكثر المجموعات نشاطاً بحسب رصد الصراعات (ACLED)، وقد تشكلت عام 2017 كائتلاف يضمّ الفرع الصحراوي لتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي مع فصائل مالية مثل أنصار الدين، المرابطون وكتيبة مكينة. تتخذ الجماعة من مالي قاعدة لها ويُقدّر عدد مقاتليها بنحو عشرة آلاف مقاتل، ويتزعمها إياد أغ غالي، مؤسس أنصار الدين في 2012، وتتبنّى أيديولوجية قاعدية تسعى لمقاومة النفوذ الغربي وفرض تطبيق متشدد للشريعة في المناطق التي تسيطر عليها.
تُشير تقارير استخباراتية أميركية إلى أن أهداف أغ غالي تتضمن توسيع نفوذ JNIM في غرب أفريقيا واستئصال القوات الحكومية والفصائل المنافسة، ومنها فرع الدولة الإسلامية في ولاية الساحل (ISSP). استهدفت JNIM في 2022 قاعدة الجيش في كاتي قرب باماكو، وفي سبتمبر 2024 هاجمت مطار العاصمة وأكاديمية تدريب قوات النخبة، ما أسفر عن عشرات القتلى. كما شنت العام الماضي هجمات على صهاريج الوقود وأعلنت حصاراً اقتصادياً بقطع طرق رئيسية تُستخدم لنقل المحروقات من السنغال وساحل العاج إلى الدولة الحبيسة، مما شلّ الحركة في باماكو.
أما جبهة تحرير أزواد (FLA)، فظهرت عام 2024 كتحالف فصائل انفصالية يهيمن عليه الطوارق ويقوده الغباس أغ إنتالا، وتطالب بإقليم أزواد المستقل في شمال مالي الذي يشمل مناطق صحراوية وساحلية. اشتبكت هاتان المحوران على مدار السنوات حول السيطرة الإقليمية، وبدا الخلاف جلياً بين 2019 و2020، رغم أنهما تحالفا أحياناً لمواجهة خصوم مشتركة.
تعاون وانتظار التصدّعات
على الرغم من اختلاف أهدافهما الأساسية—FLA تسعى لاستقلال إقليمي وJNIM تسعى لفرض تفسيرها المتشدد للإسلام—فإنهما تحالا سابقاً لتحقيق مصالح مؤقتة. ففي 2012 تحالف متمردو الطوارق تحت راية الحركة الوطنية لتحرير أزواد مع فصائل قاعدية للاستيلاء على شمال البلاد، ثم انهار التحالف بسبب التباينات الأيديولوجية. وفي يوليو 2024 نسّقت FLA وJNIM كميناً على قافلة عسكرية في تنزاواتن أدى إلى خسائر مالية وروسية، وفي الأيام الأخيرة نفذا سوياً موجة هجمات واسعة النطاق.
يرى محللون مثل بولاما بوكارتي أن الطرفين وضعا خلافاتهما جانباً مؤقتاً، لكن ماثياس هونكبي يرى أن ذلك لم يغيّر أهدافهما النهائية. التحالفات الحالية أقرب إلى مصلحة براغماتية لمحاربة العدو المشترك—الحكومة—وتثبيت مكاسب إقليمية، لكنه من غير المرجّح أن يستمر طويلاً. فمن جهة يريد FLA أن يُنظر إليه كقوى «جمهورية» تقارع من أجل استقلال منطقتهم بصفة وطنية، بينما تستخدم JNIM العنف كوسيلة لتحقيق غاياتها الأيديولوجية. «لذلك لا يمكن لتحالفهم أن يدوم طويلاً.»
كيف ستستجيب حكومة مالي للهجمات الأخيرة؟
الحكومة العسكرية الحالية بقيادة عاصمي غويتا تتولى السلطة منذ الانقلاب العسكري عام 2020، והיא تعاملت مع التوترات الأمنية، لا سيما في الشمال، بمساندة مرتزقة روس.
ألف لايسينغ، رئيس برنامج الساحل في مؤسسة كونراد أديناور بألمانيا، قال إن «الوضع في الشمال لا يزال معقداً. الحكومة فقدت مدينة كيدال، التي تُعد معقلاً للطوارق، ولا أظن أن الحكومة سيتطرة عليها مجدداً في وقت قريب.»
أشار هونكبي إلى أن الأولوية أمام الحكومة ستكون استعادة ثقة المواطنين. «الحكومات في منطقة الساحل تبقى في السلطة أساساً إذا حظيت بدعم شعوبها. حتى الآن، كانت حكومة مالي العسكرية صامتة نسبياً بشأن ملابسات هجمات السبت. إذا قرر القادة مخاطبة الناس قريباً، فعليهم إظهار وحدة الصف وطمأنة المواطنين بأن أمنهم مضمون.»
كما أكد هونكبي أن على الحكومة إعادة نظر في موقعها داخل الاتحاد الأفريقي، وعلاقاتها مع الدول الإفريقية الأخرى، وفي استراتيجيتها تجاه القوات الأجنبية الداعمة لها، وعلى رأسها روسيا.
في المقابل، أدان الاتحاد الأفريقي ومنظمة التعاون الإسلامي ومكتب شؤون أفريقيا بالولايات المتحدة هذه الهجمات. وفي العام الماضي، انفصلت مالي رسمياً مع النيجر وبوركينا فاسو عن تجمع غرب أفريقيا ECOWAS لتشكيل «تحالف دول الساحل» (AES).
ومع ذلك، حضر وزير خارجية مالي عبد الله ديوب الأسبوع الماضي منتدى أمنياً في السنغال وأكد أن الانسحاب «نهائي»، مع تأكيده في الوقت نفسه على إمكانية الحفاظ على حوار بنّاء مع ECOWAS بشأن حرية الحركة وحفظ السوق المشتركة.
أوضح لايسينغ أن دول تحالف الساحل في وضع هش. «كلها تقاتل جماعات متطرفة مسلحة ولا تملك جيشاً فائضاً لتقديم دعم حقيقي. لذا أشك في قدرتهم على تقديم مساعدة فعّالة.» وأضاف أن القوى الأجنبية قد تفضّل الابتعاد عن الانخراط المباشر في صراع جديد بدل تقديم دعم حكومي كما حصل سابقاً.
لماذا يعمل المرتزقة الروس في مالي؟
قوات من دول أوروبية، وعلى رأسها فرنسا، ساعدت مالي في مكافحة الاضطرابات لأكثر من عقد. لكن في 2023 انسحبت تلك القوات بعد تدهور العلاقات مع الحكومة العسكرية في باماكو وتزايد تقارب الأخيرة مع روسيا.
في ديسمبر 2021 دعا غويتا مرتزقة روساً لدعم الإدارة العسكرية في حربها ضد الجماعات المسلحة بعد طلبه من القوات الفرنسية مغادرة البلاد.
في يونيو من العام الماضي أعلن تنظيم فاغنر انسحابه من مالي بعد أكثر من ثلاث سنوات ونصف على الأرض، زاعماً أنه أنهى مهمته ضد الجماعات المسلحة. لكن خروج فاغنر لم يعني رحيل المقاتلين الروس؛ فقد ظلوا يعملون تحت راية «فيلق أفريقيا»، وهي مجموعة شبه عسكرية أخرى مدعومة من الكرملين تشكلت بعد تمرد قياده يفغيني بريغوجين الفاشل على المؤسسة العسكرية الروسية في يونيو 2023.
كما حدث في مستعمرات فرنسية سابقة في غرب إفريقيا مثل بوركينا فاسو، رحب جزء من سكان مالي بالتأثير الروسي بدلاً من الإرث الاستعماري الفرنسي، بدافع السخط من الماضي الاستعماري.
وقال لايسينغ إن «الماليّين بطبيعة الحال يريدون بقاء الروس، لكن الروس مترددون في الانخراط العميق في الحرب لأن فيلق أفريقيا الآن يتبع وزارة الدفاع، وهو أمر يجعل العملية رسمية ومؤسساتية بدلاً من شركات خاصة للمرتزقة. كما يرغبون في تجنب هزيمة جديدة.»
ما هو الحل لمالي؟
«مالي أجرت محادثات مع دول مثل الولايات المتحدة لطلب مساعدة في مكافحة الإرهاب، لكن بالتأكيد ليس بنشر قوات برية، وقد انسحبت القوات الأوروبية بالفعل. لذلك تبدو مالي بمفردها إلى حد كبير. لا أعتقد أن هناك من يريد جمع شتات ما قد يبقى من الدولة إذا تفاقم الوضع الأمني.»
ولاحظ لايسينغ أن السكان لا يريدون استيلاء الجماعات المسلحة على البلاد، لذا قد يدعمون الحكومة رغم تردي الأوضاع الأمنية. «أشعر أن الحكومة قد تلجأ في النهاية إلى توقيع اتفاق مع بعض الجماعات المسلحة كي تبقى في السلطة.»