حرب ترامب ضد إيران: الدوافع النفطية النفط والغاز

تُبرّر الولايات المتحدة وإسرائيل تصعيدهما العسكري ضد إيران بمبررات متصلة بانتشار الأسلحة النووية والردع والأمن الإقليمي. لكنّ التطورات الأخيرة تكشف عن منطق أقدم وأعمق: الهدف ليس مجرد إضعاف ايران أو فرض تغيير نظامي بقدر ما هو حماية حركة النفط — شريان الحياة للاقتصاد الرأسمالي العالمي.

خذ على سبيل المثال الضربة الأميركية الأخيرة على جزيرة خارك، الميناء الرئيس لتصدير النفط الإيراني. تقع الجزيرة قرب ساحل الخليج وعلى مقربة من مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو خُمس إنتاج النفط العالمي يومياً. أي اضطراب هناك سينتقل فوراً إلى أسواق الطاقة العالمية؛ والتقارير الأخيرة تُظهر مدى حساسية الأسعار تجاه أي تهديد يعوق المرور في المضيق.

لكنّ ما يثير الانتباه في ضربة خارك ليس حدوثها فحسب، بل ما جرى حفظه عمداً. احتفى الرئيس السابق دونالد ترامب علناً بأنّ القوات الأميركية دمرت «كل هدف عسكري» على الجزيرة، وفي الوقت نفسه شدّد على أنّ بنى التحتية النفطية تُركت سليمة. وكتب على منصته أنّه اختار ألا «يمحو بنى النفطيّة على الجزيرة» محذراً من أنّ هذا التساهل قد يتغير إذا هدّدت ايران حركة السفن في مضيق هرمز.

هذا التمييز دالّ: خارك تُمثّل أغلب صادرات الخام الإيرانية، وتدمير مرافقها النفطية كان سيؤدّي إلى صدمة إمدادية عالمية وارتفاعات حادة في الأسعار. بدلاً من ذلك، اختارت واشنطن ضربة محسوبة — إضعاف عسكري من دون شلل في إمدادات الطاقة.

الاستنتاج يبدو واضحاً: الولايات المتحدة مستعدة لجرح القدرة العسكرية الإيرانية لكنها حريصة في الوقت نفسه على إبقاء تدفّق النفط الذي تغذي به الاقتصاد العالمي.

لطالما شكّلت أمن الطاقة إطاراً للاستراتيجية الأميركية في الخليج. منذ «عقيدة كارتر» عام 1980 التي اعتبرت أمن إمدادات النفط بالمنطقة مصلحة أميركية حيوية، تعاملت واشنطن مع بنى الطاقة الخليجية كأولوية استراتيجية. وإمكانية قيام إيران بتقييد الملاحة عبر مضيق هرمز تبقى واحدة من أخطر المخاطر المهدِّدة للاستقرار الاقتصادي العالمي.

يقرأ  مُنح ترامب جائزةً وتاجًا خلال زيارته إلى كوريا الجنوبية لحضور قمة

في هذا السياق، تبدو ضربة خارك أقلّ خطوة نحو حرب شاملة وأكثر إشارة مضبوطة. قد تُستهدف القدرة العسكرية الإيرانية، أما بنى التحتية النفطية — التي يقوم عليها الاقتصاد العالمي — فتبقى محمية.

وإذا نظرنا إلى سلوك واشنطن في ساحات أخرى، يتضح تبنّي منطق متسق. في فنزويلا، على سبيل المثال، تكثّف مواجهة إدارة ترامب الضغوط على رئيسٍ مثل نيكولاس مادورو. وتُصاغ هذه الضغوط غالباً بلغة الديمقراطية ومحاربة الفساد، لكنّ فنزويلا تمتلك أكبر احتياطيات نفطية مثبتة في العالم، وبالتالي السيطرة على مستقبل النظام السياسي هناك مرتبطة عضوياً بالقدرة على تحديد من يُنتج النفط ولمن يُباع.

لو ظهرت حكومة أكثر موالاةً للغرب في كاراكاس، كان يمكن إعادة توجيه قطاع النفط الفنزويلي نحو أسواق واستثمارات غربية. بهذا المعنى، الصراع ليس أيديولوجياً فحسب بل مادّي جداً؛ وقد لفت محلّلون إلى أنّ واشنطن سعت منذ زمن طويل لإعادة تشكيل قطاع النفط الفنزويلي بما يخدم مصالحها الاقتصادية.

نفس المنطق ينسحب على تعامل واشنطن المتغيّر مع النفط الروسي. حتى مع إبقاء روسيا في موقع الخصم الاستراتيجي، خفّفت السلطات الأميركية مؤخراً بعض القيود على صادرات النفط الروسي لتهدئة أسواق الطاقة ومنع ارتفاعات عنيفة في الأسعار. ذلك يُظهر أنّ المنافسات الجيوسياسية كثيراً ما تُعاد موازنتها عندما تكون تدفقات الطاقة على المحك: الأولوية العامة هي إبقاء الإمدادات مستقرة، سواء أكانت قادمة من روسيا أو فنزويلا أو الخليج.

ويمتد هذا النمط إلى ما هو أبعد من النفط ذاته. الامبراطورية الاستخراجية المعاصرة تهتم أيضاً بالمعادن النادرة والمواد الحرجة اللازمة لأنظمة الطاقة والتكنولوجيا المستقبلية. وقد أعاد ترامب مراراً طرح فكرة شراء غرينلاند، المستهدفة بسبب احتياطيات محتملة من معادن الأرض النادرة وموارد طاقة محتملة في قاعها القطبي. وبالمثل دفعت واشنطن بقوة للحصول على الوصول إلى معادن أوكرانيا النادرة، الضرورية للإلكترونيات المتقدمة وتقنيات الطاقة المتجددة والأنظمة العسكرية. هذه المواد صارت محور قلق استراتيجي للفاعلين الكبار الساعين لتأمين سلاسل التوريد لصناعات حيوية.

يقرأ  ليست المشكلة في النفط، بل في فلوريدانيكولاس مادورو

عبر هذه الأمثلة يتجلى جهد متواصل لتأمين السيطرة على الموارد والبنى التحتية التي تُبقي الاقتصاد العالمي يعمل. إذا جمعنا هذه الخطوات معاً، يظهر نمط استراتيجي متسق: سياسة خارجية تُقاذ بفلسفة امبريالية استخراجيّة — السعي لضمان الوصول إلى الموارد التي تُشغّل الرأسمالية العالمية.

رغم سنوات النقاش حول الانتقال إلى الطاقات المتجددة، لا يزال النفط مركزياً في هذه الآلة. التجارة العالمية والنقل والصناعة معتمدة بشكل عميق على تدفّقات ثابتة من النفط والغاز. والبنى التحتية التي تمكّن حركة النفط — خطوط الأنابيب، موانئ التصدير، طرق الشحن والمصافي — أصبحت من أكثر عناصر الاقتصاد العالمي حماية استراتيجية.

توضّح ضربة خارك هذا الديناميكية بجلاء: الأصول العسكرية كانت عرضة للاستهداف؛ الأصول النفطية لم تكن كذلك. كانت العنفات — إن جاز التعبير — محسوبة لتجنّب شلّ دورة الطاقة التي يقوم عليها الاقتصاد العالمي.

غالباً ما تُصوّر الحرب مع ايران كصراع حول الأسلحة النووية أو النفوذ الإقليمي، وهذه اهتمامات ليست ثانوية. لكنّ تحتهما يكمن هدف جيوسياسي أعمق: الحفاظ على الشرايين الطاقية التي تغذّي النظام الاقتصادي العالمي. ما هو على المحك ليس نزاعاً بين دولتين فحسب، بل إدارة نظام عالمي لا يحتمل انقطاعاً في خطوط طاقته الحيوية.

النفط لطالما شكّل هيكلية الجغرافيا السياسية في الشرق الأوسط، وحادثة جزيرة خارك تبيّن أنّ ذلك لا يزال واقعاً سائداً. وراء خطابات الردع والأمن، تبرز منطق امبريالي مألوف: إبقاء النفط متدفّقاً.

وجهات النظر الواردة هنا هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.

أضف تعليق