خروج الإمارات من أوبك ليس مسألة نفطية بل نهاية التضامن الخليجي

لعقود، لم تكن منظمة الدول المصدرة للنفط مجرد كارتل نفطي. بالنسبة لدول الخليج، كانت تمثل شكلاً من السيادة الجماعية على أهم موردٍ لديهم: قدرة دول الإنتاج العربية على التأثير المشترك في الاقتصاد العالمي، والحفاظ على ريعة مشتركة، والتحدث بصوت منسق تجاه المستهلكين الغربيين. وهذه الصورة المؤسسية انهارت للتو.

عندما أعلنت الامارات انسحابها من أوبك والتحالف الموسع المعروف باسم أوبك+، اعتباراً من 1 مايو 2026، حاول كثيرون تفسير القرار بلغة فنية بحتة. صاغ وزير الطاقة سهيل المزروعي القرار بمصطلحات سياسة الطاقة: المرونة، القدرة الإنتاجية، والمصلحة الوطنية البعيدة المدى. لاحظت الأسواق أن التوقيت، مع إغلاق جزئي لمضيق هرمز، قد يحدّ من أثره الفوري على الأسعار. وأشار المحللون أيضاً إلى التوتر القديم المتعلق بالحصص التي كانت تقف عائقاً أمام طموح شركة أبوظبي الوطنية للنفط (أدنوك) للوصول إلى خمسة ملايين برميل يومياً.

كل ذلك صحيح. لكن التركيز على الجوانب الفنية يغفل ما هو أهم.

انسحاب الامارات هو، قبل كل شيء، علامة مرئية على شرخ إقليمي عميق أولاً بين الرياض و ابوظبي، ومن ثمّ بين رؤيتين متناقضتين تماماً لطبيعة النظام الخليجي.

تنافس لم يعد مستتراً

الشق السعودي-الاماراتي ليس أمراً جديداً، لكنه بلغ مستوى نوعياً في أواخر 2025. في 29 ديسمبر استهدفت ضربات جوية سعودية قافلة أسلحة إماراتية في ميناء المكلا في اليمن — فعل لم يسبق أن وقع بين حليفين اسمياً. وطالبت الرياض علناً بسحب كل القوات الاماراتية من الأراضي اليمنية، وفي أوائل 2026 رافق ذلك حل المجلس الانتقالي الجنوبي، أبرز أداة نفوذ لأبوظبي في اليمن.

الأمر ليس خلافاً تكتيكياً. إنه تجلٍّ لتناقض استراتيجي عميق. تسعى السعودية للحفاظ على سلامة أراضي الدول العربية وللتبوؤ موقع القوة الإقليمية المانعة للاضطراب. أما الامارات، فمنذ 2015 بنت عقيدة تقوم على إسقاط النفوذ بالقوة عبر وكلاء غير حكوميين في ليبيا والسودان والصومال واليمن. وتقرأ الرياض هذه العقيدة ليس كسياسة شريكة بل كتهديد بنيوي لبيئتها الأمنية.

يقرأ  فيستاس تؤمّن طلبيات توربينات بقدرة ١٣٣ ميجاواط للتسليم بدءًا من عام ٢٠٢٦

البقاء داخل أوبك تحت هيكلية تُهيمن عليها الرياض كان سيعني قبول الخضوع المؤسسي في وقت يتحوّل فيه العلاقة الثنائية إلى منافسة مفتوحة. الخروج إذن هو فعل انفكاك سيادي عن تلك الوصاية.

تمييز لا بد منه

سيقارن بعضهم هذا الخروج بخروج قطر في 2019؛ وهذا خطأ تحليلي. خرجت الدوحة آنذاك بوصفها منتجاً نفطياً هامشياً تحوّل هويتها الطاقوية منذ زمن نحو الغاز الطبيعي المسال. كان خروج قطر إعادة توجيه قطاعي وليس قطعاً سياسياً. أما الامارات فكانت ثالث أكبر منتج في المنظمة، وتمثل نحو 12% من إنتاجها الإجمالي. خروجها بقدر ما هو انسحاب سياسي فهو بتر. إنه يؤشر إلى أن حتى أعضاء الكارتل الأكثر مركزية باتوا يحسبون أن مصالحهم تُخدم أفضل خارج المنظمة لا داخلها.

ما يكشفه هذا الخروج عن أوبك

المنظمة تواجه أزمة شرعية داخلية يكشف عنها هذا الانفصال بوضوح قاسٍ. منذ غزو أوكرانيا، نُظر إلى أوبك+ في واشنطن كأداة لفرض انضباط سعري يتقاطع موضوعياً مع مصالح روسيا، محافظاً على عوائد نفطية تُمكّن تمويل الحرب. الإدارة الأميركية السابقة صرحت بذلك صراحة، رابطَة دعمها العسكري في الخليج بأسعار النفط. بخيار الحرية الإنتاجية، تبعث أبوظبي بإشارة ابتعاد عن تلك البنية، وإشارة كهذه تقرأها واشنطن فوراً بوصفها قيمة جيوسياسية.

وبذلك تتخذ الامارات خياراً يتجاوز سياسة الطاقة. إنها تشتري حسن نية استراتيجي أميركي بالبراميل، في لحظة ينهار فيها إطار تحالفها الإقليمي وحيث تحتاج لبديل يضمن أمنها. ومع تنفيذ إيران هجمات مباشرة على أراضي وشحن اماراتية، وتحول السعودية إلى طور المواجهة العلنية، تغيّر الحساب الاستراتيجي لأبوظبي جذرياً. لم تعد واشنطن شريكاً مفضلاً فحسب؛ لقد صارت ضرورة.

الخاسر الحقيقي

الخاسر ليس السعودية بالدرجة الأولى، فاقتصادها يمتلك هياكل امتصاصٍ للصدمات. الخاسر الحقيقي هو الفكرة نفسها: قدرة الدول العربية المصدرة للوقود على تشكيل النظام الطاقي العالمي جماعياً. كل انسحاب، من قطر بالأمس إلى الامارات اليوم، يحيّد المنظمة تدريجياً ويحوّلها إلى أداة أقل تمثيلاً، وتُعرّف أكثر فأكثر بمصالح السعودية وحدها.

يقرأ  إقالة روبن أموريم من تدريب مانشستر يونايتدلماذا تمّ إقالته وما هي تداعيات القرار؟

السؤال اليوم لم يعد هل سيتبع الآخرون؟ بل هل تستطيع أوبك، وقد فقدت ثالث أكبر منتج لديها في سياق حرب إقليمية وإعادة ترتيب للتحالفات، أن تدّعي بعد الآن بصدقية أنها تقوم بوظيفتها التاريخية؟

حتى الآن، تبدو الإجابة بالنفي.

الآراء المعبر عنها هنا تعود للمؤلف ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.

أضف تعليق