خريطة الدمار: كيف أبادت إسرائيل بنت جبيل اللبنانية

في قلب بنت جبيل التاريخي كانت تقف مسجدٌ عظيم يعود إلى أربعة قرون كشاهدٍ على ذاكرة المدينة الثقافية المتجذرة. اليوم، بات هذا المسجد في ركامٍ إلى جانب أكثر من 1,500 مبنى دُمّرت منهجيًا في حملة عسكرية متصاعدة في جنوب لبنان.

من خلال تحليل دقيق لصور الأقمار الصناعية ومصادر الاستخبارات المفتوحة، كشف تحقيق بصري أجراه فريق تقصّي الحقائق في الجزيرة نت عن سياسة إسرائيلية متعمدة تهدف إلى جعل جنوب لبنان غير قابل للسكن بشكل دائم.

تصاعد عسكري بلا هوادة
تشهد قرى وبلدات الحدود في جنوب لبنان تصعيدًا عسكريًا يتجاوز أُطر الحرب التقليدية. أظهرت خريطةَ الانفجارات وتحليل الأدلة أن العمليات الإسرائيلية توسعت إلى سياسةٍ منهجية تقوم على “محو” المنازل المدنية والأحياء السكنية والبُنى التحتية الحيوية.

هذا النمط قورن مباشرة بتكتيكات الجيش الإسرائيلي الوحشية في قطاع غزة، الذي يتحوّل إلى ركام، حيث لا يزال معظم سكان غزة البالغ عددهم 2.3 مليون نازحين قسرًا.

يحذّر خبراء قانونيون ومحلّلون ومسؤولون محليون من أن الهدف النهائي يبدو تفريغ الجغرافيا السكنية؛ إقامة “منطقة عازلة” خالية من السكان على امتداد الحدود تمنع عودة المهجّرين وتفرض واقعًا ديموغرافيًا قسريًا على الأرض. من جهتها تقول إسرائيل إنها تسعى إلى إقامة حزام أمني في جنوب لبنان لمنع هجمات من حزب الله.

مدينةٌ نموذج للتدمير
أضحىَت بنت جبيل مركزَ هذا الدمار، نموذجًا مُركّزًا لاستراتيجية الحدود الإسرائيلية. عبر توثيق وتحديد مواقع بصرية، تعقّب فريق التحقيق الرقمي في الجزيرة 14 فيديو مختلفًا نُشر بواسطة جنود وإعلاميين إسرائيليين بين 16 و24 نيسان/أبريل.

تُظهر الخريطة الناتجة حملة تدمير مركّزة للغاية: 93% من الحوادث الموثقة — 13 من أصل 14 حالة — وقعت داخل محافظة النبطية. نصف تلك الانفجارات تركزت داخل قضاء بنت جبيل، مسويةً أحياء كاملة في بلدات بنت جبيل، بيت ليف، وعيناتا، في حين استهدفت نحو 43% بلدات مرتبطة إداريًا بالنبطية مثل الخيام، كفر كلا، وربّ الثلاثين، وسُجلت حالة واحدة بارزة غربًا في الناقورة الساحلية.

يقرأ  نتائج التشريح: وفاة ستريمر فرنسي لم تكن ناجمة عن إصابات رضحية

تجتاح الخسائرُ البنيةَ الحضرية: تُظهر بيانات الأقمار الصناعية حتى أواخر نيسان انخفاضًا هائلًا في الكتلة العمرانية لبنت جبيل. بحسب محمد بزي، تقلّ أكثر من 70% من المدينة كليًا، فيما تعرّض نحو 20% لأضرار جزئية، ما يرفع النسبة المتأثرة إلى أكثر من 90%. تدميرر حوالي 3,000 وحدةٍ سكنية سويت بالأرض، مع تركيز واسع للهدم في قلب المدينة التجاري وأقدم أحيائها التاريخية مثل عين الصغيرة وحي المسجد.

امتدّ التدمير إلى خارج المساكن ليطال الأطراف الشرقية والغربية للمدينة مستهدفًا محطات توليد الكهرباء وشبكات المياه والمدارس والمستشفيات، بما في ذلك مستشفى صلاح غندور. كما أفاد بزي بأن الأراضي المزراعَة قد جُرّدت وحُرِقت وتعرّضت لأسلحة حارقة وذخائر فوسفور أبيض، واصفًا تكتيكات “الأرض المحروقة” بأنها جريمة مركبة بموجب القانون الدولي الإنساني الذي يحظّر التدمير المتعمد لممتلكات المدنيين وسبل عيشهم.

أهداف عسكرية وحواجز استراتيجية
تُبرز تقارير عسكرية إسرائيلية أهمية بنت جبيل ومرّون الراس المجاورة باعتبارهما نقاطًا مرتفعة تطل على مستوطنات شمالية إسرائيلية مثل أفيفيم، يارعون، دوفف/دوڤيف، ملكيا وديشون. تعتبر قيادة الجيش أن السيطرة المطلقة على هذه النقاط ضرورية للهيمنة الميدانية ولتوجيه نيران المدفعية داخل الأراضي اللبنانية.

أعلنت إسرائيل مؤخرًا أن فرقة الاحتياط 98 أتمت محاصرة منطقة بنت جبيل ضمن “عملية السهام الشمالية”، بهدف تحييد تهديد صواريخ مضادة للدبابات ودفع قوة رضوان التابعة لحزب الله إلى الوراء. تنتشر حاليًا خمس فرق عسكرية بعمق المنطقة لتفكيك بنى الحزب التحتية السطحية وتحت السطحية.

تستعيد التغطية الإعلامية الإسرائيلية ذكريات معارك عام 2006 في بنت جبيل، حيث قُتل ثمانية جنود من لواء جولاني، وتُؤطَرْ الخراب الحالي على أنه سياسة انتقامية عسكرية. وفي ظل هذا السياق أكد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو استمرار الضربات بلا هوادة وقرب حسم المعركة في بنت جبيل، مشيرًا إلى تعليمات صريحة بتوسيع الحزام الأمني وتكثيف الوجود المحصّن داخل المنطقة العازلة المنشأة.

يقرأ  عائلات الرُهَناء تتوسّل إلى إسرائيل للموافقة على صفقة أقرّتها حماس

لا مستوطنات آمنة
ردًا على اتساع موجة الهدم، بثّ حزب الله رسالة فيديو باللغتين العربية والعبرية تعهدت بوقف محاولات إسرائيل إقامة حزامٍ أمني فوق أنقاض المجتمعات الجنوبية اللبنانية. حذّر الحزب قائلًا إن “أي حزام أمني، مهما كان عمقه، سيمنع تفعيلنا عندما نقرر ذلك”، مذكّرًا بصواريخه ومنصاته وطائراته من دون طيار الدقيقة.

تضمن الفيديو تصريحًا للأمين العام المساعد لحزب الله، الشيخ نعيم قاسم، بأن المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية “لن تكون آمنة، ولو دخل الإسرائيليون أي منطقة في لبنان”. يواصل مقاتلو الحزب شن ضربات دقيقة وفتاكة بصواريخ وطائرات مُتفجّرة ضد تجمعات قوات إسرائيلية تعمل ضمن أنقاض القرى الحدودية.

النازحون والمُطالبة الدولية
بالنسبة إلى نحو 2,000 عائلة نُزعت قسرًا من بنت جبيل، فقدان المنازل والتراث وسبل العيش صار كليًا، ومع ذلك يبقى عزيمة الأهالي صامدة. دعا بزي إلى تدخل دولي فوري لوقف الانتهاكات الصارخة للقانون الدولي، مؤكّدًا أن محاولة إسرائيل لمحو الوجود ستفشل في النهاية في اقتلاع الناس من أرضهم.

أضف تعليق