متى سيستعيد مضيق هرمز أمانه للشحن التجاري؟ توضيح

منذ اندلاع الحرب الأميركية-الإسرائيلية ضد إيران قبل تسعة أسابيع، تحوّل مضيق هرمز — الذي يمر عبره نحو 20% من النفط والغاز الطبيعي المُسال في أوقات السلم — إلى العقدة الحاسمة للاقتصاد العالمي. تأثيرات إغلاق المضيق الفعلي — ذلك الشريان الضيق الذي يصل منتجي النفط والغاز في الخليج بالبحار مفتوحه — امتدت إلى كل أنحاء العالم وأشعلت مخاوف من ركود عالمي.

حالياً ما يقرب من ألفي سفينة عالقة في الخليج في انتظار السماح لها بالعبور. وحتى لو أعيد فتح المضيق أمام الحركة، فستظل هناك عقبات كبيرة أمام الملاحة: الولايات المتحدة أعلنت أنها قد تحتاج إلى ستة أشهر لإزالة الألغام التي تعتقد أنها زرعتها إيران، وكان هذا من أهم الأسباب التي دفعت شركات التأمين البحري لإلغاء تغطيات “مخاطر الحرب” للناقلات التي تعبر المضيق في مارس الماضي.

أبلغت شركات التأمين مكاتب إعلامية أن مستوى الخطر المرتفع سيبقي على أقساط التأمين مرتفعة جداً، فقد كان قسط التأمين يعادل نحو 0.25% من قيمة الهيكل (hull) قبل الحرب، وقد يصل الآن إلى 5% أو أكثر. فإلى متى يجب أن يستمر هذا الوضع حتى تعتبر شركات التأمين مضيق هرمز آمناً وقابلاً لإعادة التغطية؟

ما الذي يجري في مضيق هرمز؟
أغلقت القوات الإيرانية المضيق، الذي يتقاسم نطاقه ما بين المياه الإقليمية لإيران وعُمان، عقب الضربات التي استهدفت طهران في 28 فبراير وأسفرت عن مقتل المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، وتولّي ابنه مجتبى خامنئي منصب القيادة العليا في طهران منذ ذلك الحين.

استخدمت طهران السيطرة على ممر هرمز كورقة ضغط في محادثات مع واشنطن في إسلام آباد في 11 أبريل، لكن المباحثات لم تسفِر عن نتائج. وبعد يومين أعلن رئيس الولايات المتحدة، دونالد ترامب، فرض حصار بحري على الموانئ الإيرانية وعلى مضيق هرمز لزيادة الضغط الاقتصادي على طهران، التي كانت إلى حدّ ذلك الوقت قادرة على تصدير شحناتها عبر المضيق. ومنذ ذلك الحين أوقفت واشنطن أو أعادت سفناً مرتبطة بإيران سواء في الخليج أو في منطقة الهندوـباسيفيك، وهو ما وصفته طهران بـ”القرصنة”.

قبل الإغلاق كانت طهران تسمح لعبّارات الدول التي تصنفها “ودية” أو التي دفعت رسوماً — غالباً من الهند وباكستان وتركيا والصين — بأن تعبر المضيق، لكنها أغلقت الآن الطريق أمام جميع السفن ذات العلم الأجنبي حتى ترفع الولايات المتحدة الحصار البحري.

يقرأ  في مضيق هرمز: إيران والصين تستهدفان هيمنة الدولار الأمريكيأخبار الأعمال والاقتصاد

نشرت طهران خريطة تُظهر أجزاءً من المضيق قالت إنها مُلغمة، واقترحت مساراً بديلاً للسفن المصرح لها يمرّ قرب السواحل الإيرانية أكثر مما كان عليه سابقاً، وذلك لتفادي خطر الألغام.

في منشور على وسائل التواصل، أمر ترامب القوات الأميركية بـ”إطلاق النار وقتل أي قارب، مهما كان صغيراً (سفنهم البحرية كلها، 159 منها، في قاع البحر!) يضع ألغاماً في مياه مضيق هرمز” مؤكداً “لا تردد”. وأضاف أنه أمر بتكثيف عمليّات كنس الألغام ثلاث مرات، وأن وحدات الكنس الأميركية تواصل عملها الآن.

أدّى إيقاف الحركة في المضيق إلى “أكبر اضطراب في إمدادات النفط في التاريخ” — وهو اضطراب يتجاوز صدمات النفط في سبعينيات القرن الماضي — حسب وكالة الطاقة الدولية.

كم من الوقت يستغرق تطهير المضيق من الألغام؟
أعلنت القوات الأميركية في 11 أبريل بدء عمليات نزع الألغام في المضيق بمشاركة مدمرتي صواريخ موجهة: USS Frank E Peterson وUSS Michael Murphy، كما انضمت لاحقاً غواصات وروبوتات مائية للكشف عن الألغام.

وأبلغت وزارة الدفاع الكونغرس في 21 أبريل أن إزالة الألغام بالكامل قد تستغرق ستة أشهر، مضيفة أن مثل هذه العملية من غير المرجح أن تُنفّذ بالكامل قبل انتهاء الحرب. وقال وزير الدفاع بيت هيجسِث للصحفيين إنه واثق من قدرة بلاده على إزالة الألغام خلال الفترة المناسبة بعد تحديد مواقعها.

إلا أن المحلّلين يحذّرون من أن ضمان خلوّ المضيق من الألغام تماماً قد يكون أمراً يكاد يكون مستحيلاً. وقد أكدت شركات التأمين البحرية أن أي احتمال لوجود ألغام متبقّية سيكبح رغبتها في التغطية ويوقف الحركة البحرية.

تعمل هذه الحالة الغامضة لصالح تكتيكات طهران في الحرب غير المتماثلة؛ فكما قال أوسكار سيكالي، المدير التنفيذي لمجموعة NSI للتأمين، “إذا تغيّرت المعطيات بالساعة، يصبح تسعير المخاطر أمراً يكاد لا يُحتمل”. السوق قادر على التأمين ضد التقلبات، لكنه يَفشل في تسعير الضبابية واللايقين.

شركات التأمين المتخصصة في مخاطر الحرب لا تطلب بيئة خالية من المخاطر بقدر ما تطلب مخاطر يمكن قياسها، تسعيرها، وتوزيعها عبر قدرات سوقية كافية. وبدون أي يقين حول عدد الألغام أو أماكنها، يصبح ذلك مستحيلاً.

يقرأ  سفينة حاويات بملكية فرنسية تعبر مضيق هرمز للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب في إيران

حتى بعد توقيع أي اتفاق سلام، يبقى تهديد الألغام قضية بالغة الأهمية عند التفكير في عودة أنماط الملاحة السابقة. حسب ياكوب لارسِن، رئيس ملف الأمن البحري في BIMCO (أكبر جمعية دولية لمالكي السفن)، سيتطلب فتح المضيق بالكامل على الأرجح جهوداً كثيفة لتطهير الألغام، وستظل الملاحة مقيدة باستخدام مسارات أقرب إلى شواطئ إيران وعُمان. نظراً لطبيعتها الضيقة، لا تستطيع هذه الممراتت استيعاب الأحجام الاعتيادية لحركة الشحن عبر مضيق هرمز بأمان، بحسب ما أُشير إليه.

ما مستوى الأمان المقبول لدى شركات التأمين؟

أفاد خبراء في شؤون الحروب البحرية والتأمين لـ«الجزيرة» أن الحد الأدنى المطلوب لإعادة اعتبار مضيق هرمز منطقة آمنة هو التزام طويل الأمد من جميع الأطراف بالحفاظ على السلم في هذا الممر البحري.

«يجب أن يكون هناك التزام صريح من جميع الأطراف بفرض حرية الملاحة عبر المسالك الملاحية المعتمدة والمعترف بها دولياً»، قال مونرو أندرسون، مدير استراتيجية وعمليات الملاحة في شركة Vessel Protect المتخصصة في تغطية مخاطر الحروب البحرية ومقرها لندن.

وأضاف أندرسون أن سوق التأمين قادر على تيسير التغطية إذا كانت عبور السفينة قد نال موافقة السلطات الإيرانية، لكنه أشار إلى أن درجة من المخاطر المتبقية ستستمر عند إعادة فتح المضيق. «المستوى الذي يكون فيه ذلك مقبولاً يعود لكل شركة تأمين وفق شهية المخاطرة لديها»، قال أندرسون.

وأوضح أن «المخاطر غالباً ما تكون متعددة الأوجه» بالنسبة للسفن التي تحاول عبور الممر. وأشار إلى أن المخاطر الرئيسية تنتج عن ضعف كبير في منظومة القيادة والسيطرة لدى القوات الإيرانية، ما أدى إلى حالات نالت فيها سفن تصاريح عبور ثم تعرّضت للهجوم، في إشارة إلى الهجوم على السفينة ذات العلم الهندي سانمار هيرالد في 18 أبريل.

وكانت الناقلة الهندية قد تعرضت لإطلاق نار من زوارق تابعة للقوات الإيرانية في الممر؛ وفي تسجيل صوتي من الحادث يُسمَع قبطان السفينة وهو يقول: «سباه نافِي! هذه الناقلة سانمار هيرالد. أنتم أعطيتموني تصريح العبور. اسمي ثاني في قائمتكم. أنتم تطلقون النار الآن! دعوني أعود إلى الخلف!»

لهذا السبب، لن تكفي فترات التهدئة القصيرة لأن يبدأ المكتتبون بتأمين السفن في المضيق مجدداً، وفق ما قال سيكالي من شركة NSI. «هم بحاجة إلى دلائل تفيد بأن بيئة التهديد قد استقرت جوهرياً»، أوضح، موضحاً أن ذلك يعني هدنة دائمة أو حل سياسي، ضمانات أمنية بحرية واضحة، تطبيق متسق لحرية الملاحة، عدم وقوع عمليات استيلاء أو هجمات حديثة على السفن، جهود موثوقة لتطهير الألغام والمراقبة، وقواعد اشتباك متوقعة بين الفاعلين العسكريين الرئيسيين في المنطقة.

يقرأ  الضرورة الملحّة لاتفاق إقليمي بشأن مضيق هرمز — الأمم المتحدة

وبأهميّة أكبر لاستعادة ثقة السوق، يشترط المؤمنون «استئناف حركة السفن الطبيعية على مدى فترة مستدامة، لا مجرد عبورات معزولة».

«اللحظة التي يعتقد فيها المكتتبون أن حادثة واحدة قد تثير تصعيداً إقليمياً أوسع أو تغلق الممر مرة أخرى أو تعرض عدة سفن في آن واحد، يصبح من الصعب دعم هذا الخطر على نطاق واسع»، قال سيكالي.

كم ستكلّف تغطية مخاطر الحرب لعبور هرمز؟

قبل اضطراب الحركة بسبب الحرب، كانت أقساط مخاطر الحرب لعبور مضيق هرمز تُسعّر غالباً بأقل من 0.25٪ من قيمة الهَيكَل. وحتى لو أُعيد فتح المضيق، فقد ترتفع هذه الأقساط بمقدار يصل إلى 20 ضعفاً، وفق خبراء.

«مؤخراً، أشار السوق إلى نطاق أقرب إلى 1٪ إلى 5٪، مع عروض شاذة أعلى اعتماداً على نوع السفينة والبضائع والعلم والملكية»، قال سيكالي.

وأكد مصدر داخل صناعة التأمين البحري في المملكة المتحدة، طلب عدم الكشف عن هويته، أن الأقساط قفزت ارتفاعاً هائلاً وتقترب الآن من 5٪ من قيمة الهَيكَل. هذا يعني أن سفينة ذات هَيكَل قيمته 100 مليون دولار ستحتاج إلى دفع 5 ملايين دولار مقابل عبور واحد، مقارنة بنحو 250 ألف دولار قبل الحرب.

«المكتتبون يراقبون بحذر أي إشارة إلى تقدم في المفاوضات أو مؤشرات لاحقة على زيادة المخاطر»، قال المصدر.

وأضاف سيكالي: «إذا استمرت الهجمات أو عمليات الاستيلاء أو مخاوف من الألغام أو الأخطاء العسكرية، فقد ترتفع الأقساط بشكل حاد. وإذا حصلت هدنة دائمة وحركة مصحوبة مستمرة، فقد تستقر الأسعار، لكنها لن تعود فورياً إلى مستويات ما قبل النزاع».

صورة مأخوذة من فيديو يُقال إنه يظهر استيلاء السفينتين الحاويتين MSC Francesca وEpaminondas في مضيق هرمز، بثتها التلفزة الرسمية الإيرانية، وتُظهر جنوداً يشاركون في العملية (تقديم/IRIB عبر رويترز)

أضف تعليق