مهاجرون يختبئون بعد عمليات إرجاع قسرية موريتانية تقلّص بشكل كبير وصول الوافدين إلى أوروبا

ملاحظة: قناة الجزيرة تحجب بعض تفاصيل الأشخاص الذين أُجريت معهم المقابلات، مثل الألقاب، لحماية هوياتهم.

نواكشوط، موريتانيا — في شقة خافتة الإضاءة بأحد أحياء الضواحي الهادئة في نواكشوط، كانت فرانسينا تطوي غُربال الغسيل المبعثر فوق سرير منخفض في ركن الغرفة، بينما تتجمع الحشرات على الأرضية.

فرانسينا، شابة تبلغ من العمر 23 عاماً ومن مواليد جمهورية الكونغو، تسير في رحلة نزوح طويلة وحدها منذ أن تذكر نفسها. نزحت أول مرة بعد مقتل والديها في صراع دامٍ في الكونغو، ففرّت الى مالي حيث استضافتها قابلة كونغولية. لكن بعدما توفيت المرأة التي آوتها، وجدت نفسها في الشوارع بلا مأوى.

عند وصولها إلى موريتانيا المجاورة عام 2023، كانت الأوضاع مستقرة في البداية. لقيت ترحيب السكان المحليين وحصلت على عمل كمضيفة في العاصمة. غير أن بداية العام الماضي شهدت ظهور حافلات بيضاء تقلّ عناصر شرطة يقتربون من الأشخاص «الذين يبدون كالمهاجرين» في الشوارع، فيقبضون عليهم ويحتجزونهم تمهيداً لترحيلهم، كما تروي.

«الآن لا نستطيع الخروج»، قالت لِقناة الجزيرة. «أحياناً نطلب من أشخاص عندهم أوراق أن يخرجوا ويشتروا لنا الخبز».

وأضافت: «لقد قبضوا علي مرتين وطالبوني بدفع 25,000 أوقية موريتانية (حوالي 623 دولار) في كل مرة. هذا مبلغ باهظ بالنسبة لي».

هي واحدة من بين أربعة أشخاص في نواكشوط أخبروا الجزيرة بأنهم يخشون الترحيل أو التعرّض لابتزاز رشاوى في حملة ترحيل جماعية تقودها الحكومة. ولجأ كثيرون منهم إلى الاختباء والعيش في الظلال في بلد كانوا يشعرون فيه بالترحاب، يخرجون عند الغسق ويعودون في الظلام.

منظمات حقوقية، بينها لجنة خبراء تابعة للأمم المتحدة، أعربت عن قلقها من شرعية الاعتقالات والترحيل القسري بموجب قانون اللاجئين الدولي. و اتهم بعضهم السلطات بتعقيد إجراءات إصدار الوثائق عمداً عن طريق تأخير المعاملات لتقليص عدد المسموح لهم بالبقاء.

الجزيرة تواصلت مع مسؤولين في الشرطة والحكومة الموريتانية لطلب تعليق. والسلطات قالت في مناسبات سابقة إنها تستهدف فقط من هم بلا وثائق قانونية.

يقرأ  وزير نيجيري يستقيل بعد اتهامه بتزوير شهادته

عادة ما تُجرى عمليات التحويل والاعتقال دون إشعار مسبق، وبعض المرحلين لا يتمكنون من اصطحاب ممتلكاتهم الثمينة. وقالت تقارير إعلامية موريتانية إن مئات من عمليات الترحيل لغير الموثقين ومن انتهت صلاحية تصاريح إقامتهم جرت في 2025.

ومن جهتها، نقلت هيومن رايتس ووتش عن أرقام حكومية تفيد بأن 28,000 شخص «طُردوا» خلال أول ستة أشهر من 2025، ولم تتمكن الجزيرة من التحقق المستقل من هذا الرقم.

«نحتاجهم هنا»

أخبرت عائشة، وهي سيرة ليونيّة، قناة الجزيرة أن ضباطاً اعتقلوها في سوق في فبراير، ثم نقلوها بالسيارة إلى الحدود مع السنغال رغم امتلاكها تصريحه إقامة قانوني للعمل في موريتانيا، حسب قولها. صادر الضباط هاتفها وطلبوا رشوة، لكنها رفضت معتمدة على أوراقها. نجحت لاحقاً في العودة إلى موريتانيا لكنها الآن تخرج من منزلها نادراً فقط عند الحاجة.

أفاد آخرون بأنهم اعتُقلوا حتى داخل منازلهم وتعرّضوا للضرب في الحجز وسُرقت منهم ممتلكاتهم الثمينة.

الغضب المحلي من الحملة واضح. كان عشرات الشبان المهاجرين يتراصّون في شوارع العاصمة العريضة لتقديم خدمات رخيصة كأعمال السباكة والكهرباء أو لبيع حاجيات يومية، لكن معظمهم اختفى الآن.

«نحتاجهم هنا»، قال صاحب عمل يوظف مهاجرين موثقين وغير موثقين، معبراً عن انعكاس الحملة على الاقتصاد المحلي.

انخفاض المغادرات من موريتانيا

تتسع رقعة موريتانيا الصحراوية الفسيحة ذات الكثافة السكانية المنخفضة، ويبلغ عدد سكانها نحو 4.5 مليون نسمة، وتمتد على حافة شمال غرب أفريقيا. قربها من جزر الكناري الإسبانية — وهي أقرب إلى الساحل الأفريقي منها إلى أوروبا — جعلها نقطة انطلاق مألوفة للمهاجرين الذين يخاطرون بالعبور عبر المحيط الأطلسي المميت نحو ساحل غينيا.

في 2023 ارتفع عدد المغادرين من موريتانيا إلى مستوى قياسي. ولفت تقرير لمنظمة Caminando Fronteras إلى أن نحو 80% من بين 7,270 شخصاً وصلوا إلى جزر الكناري في يناير 2024 سافروا من موريتانيا.

ازداد التوتر في منطقة الساحل من مالي إلى النيجر، حيث أدت الانقلابات والهجمات المسلحة إلى نزوح مئات وإجبار آخرين على الهجرة. وفي موريتانيا وجهت السلطات اللوم إلى عصابات الاتجار بالبشر وقامت بتكثيف اعتقالات المشتبه بهم منذ العام الماضي.

يقرأ  رئيس وزراء إيطاليا يحذّر قافلة مساعدات إلى غزة: أوقفوا مسيرتكم وإلا فستعرقلون جهود السلام

في 16 أبريل قالت الشرطة إنها اعتقلت عناصر من شبكتين، من بينهم موريتانيون و«أشخاص من بلد مجاور». كما اعتُقل 12 شخصاً كانوا على متن قارب متجه نحو جزر الكناري.

وفي محاولة لكبح تدفق المهاجرين، أرسلت المفوضية الأوروبية أموالاً إلى موريتانيا والنيجر والمغرب لدعم إجراءات الردع التي تهدف إلى إقناع غير الموثقين بعدم الصعود إلى قوارب رديئة قد تنقلب. دور النيجر كحارس أوروبي في الصحراء تراجع بعد استيلاء الجيش على السلطة في انقلاب 2023 وتحول النيجر بعيداً عن حلفائه الغربيين نحو روسيا.

في فبراير 2023 زارت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لايين نواكشوط والتقت الرئيس محمد ولد غزواني للتوقيع على اتفاقية شراكة للمهاجرين بقيمة 210 ملايين يورو، في إطار ما وصفته المفوضية بتعزيز «التعاون في أمن الحدود» مع وكالة فرونتكس وتفكيك شبكات التهريب. قدمت الكتلة منذ ذلك الحين حزمتي مساعدات أخريين: 100 مليون دولار موجهة إلى نمو موريتانيا الاقتصادي، وتعزيز التماسك الاجتماعي، وإدارة الهجرة، بالإضافة إلى أربعة ملايين يورو إضافية (ما يقارب 4.49 مليون دولار) كمساعدات إنسانية.

وتبدو موريتانيا «فعّالة إلى حدٍ كبير» بعدما انخفضت أعداد الوافدين إلى جزر الكناري من البلد بأكثر من 80% بين أبريل وديسمبر 2025 مقارنةً بالعام السابق، حسبما قال حسن ولد مختار، محاضر في كلية الدراسات الشرقية والأفريقية بجامعة لندن ومؤلف كتاب After Border Externalisation. وشرح أن الأمر بالنسبة لموريتانيا يتعلق بمسألة أمنية، لكنه في الوقت نفسه يتقاطع مع مصالح الاتحاد الأوروبي؛ فالبلد حريص على إبقاء معدلات الجريمة منخفضة عبر المراقبة.

ومع ذلك، أشار إلى أن إبعاد المهاجرين غير النظاميين لم يأتِ دائماً بالنتائج المرجوة. وأضاف: من خلال بحوثي، رأيت أن تجنّب التداخل بين الهجرة غير النظامية والجريمة يتطلب تحسين شروط الدخول والإقامة حتى لا تُدفع الناس إلى الاقتصاد السري. «إذا صعّبت الأمور على الناس، فستتلاشى الحدود بين الهجرة والجريمة… تُعاد توجيه المسارات لكنها لا تُمنع أبداً، لذلك تصبح السياسات في كثير من الأحيان مضادة للهدف».

يقرأ  اعتقال رجل في القدس بعد أن رشّ عبارة «الهولوكوست في غزة» على محطة القطار الخفيف

الاندماج من أجل البقاء

محمد، طالب لجوء نيجيري في الحادية والأربعين من عمره، عاش في موريتانيا نحو أربع سنوات قبل أن تبدأ حملات الاعتقال. فرّ أولاً إلى توغو بعد صعود الجماعة المسلحة بوكو حرام. درس في مدرسة إسلامية غير رسمية بولاية بورنو حيث نشأت الجماعة، مع بعض عناصرها، ولاذ بالفرار حين بدأوا يضغطون عليه للالتحاق بهم.

بوصفه مسلماً، اتخذ من موريتانيا ملاذاً أملاً في الاستقرار في مجتمع يغلب عليه الدين ذاته. وعلى الرغم من تسجيله لدى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في موريتانيا، فقد ظلّت أوراقه غير مُعالجة وتعرّض للاعتقال رغم محاولاته شرح وضعه.

«سواء كنت طالب لجوء أم لا، لا يكترثون»، قال محمد الذي يعمل في مدرسة خاصة صغيرة لقناة الجزيرة. أُحتجز مع آخرين في غرفة مهملة حالت دون إقامة الصلاة اليومية، وقدّم الحراس طعاماً مطبوخاً بشكل سيئ. أُفرج عنه فقط بعدما رشّ محليٌّ عرفه الشرطة برشوة.

الآن يحاول «الاندماج» بين السكان المحليين لتفادي الاعتقال: يرتدي الجلابية الفضفاضة فوق قميص بأزرار ويدهن شعره المجعّد ليبدو مصففاً. «إن لم أفعل ذلك، لا أضمن أن أعود إلى بيتي اليوم»، يقول متّهماً السلطات باعتقال الناس على أساس لون البشرة والجنسية. «هم لا يعتقلون الماليين الفاتحي البشرة لأنهم يشبهونهم».

بينما يبحث أمثال محمد عن سبل للنجاة في موريتانيا، يبتكر المهاجرن أيضاً طرقاً جديدة. يقول ولد مختار إن مزيداً من المغادرين ينطلقون الآن من جامبيا وغينيا الواقعتين أبعد على الساحل، ما يجعل الرحلات البحرية أطول وأكثر خطراً.

حتى فرانسينا، المقيمة في نواكشوط، تبحث عن باب مفتوح. «حلمي أن أصبح طبيبة يوماً ما»، قالت. وبينما تعمل حالياً في وظيفة منخفضة المهارة في نواكشوط، تمنحها أحلامها المهنية دفعة يومية. «إذا وجدّت مخرجاً إلى كندا أو أمريكا أو أوروبا فسأغتنمه».

أضف تعليق