آلاف المشجعين البوسنيين غمروا تورونتو باللون الأزرق بينما كانوا يسيرون مردّدين هتاف «حرّروا فلسطين».
نادية، مشجعة من البوسنة والهرسك امتدت لها يد الذكرى بلا ذكر لاسم العائلة، تميّزت بقميص أزرق داكن وسط بحر من المشجعين الكنديين المحمّرين بالأحمر خارج ملعب تورونتو قبل ساعة من انطلاق مباراة الافتتاح في كأس العالم 2026. وغطّت حول كتفيها راية البوسنة الصفراء والزرقاء، فوجدت نفسها ضمن قلة المشجعين «الزائرين» على أرض كنـدا، بعد أقل من أسبوعين على الترحيب الحار الذي حظيت به بلادها من دولة المشاركة في الاستضافة.
ذكّرتها تلك اللحظة بوصولها كناعمة لجوء في منتصف تسعينات القرن الماضي، حين فرّت عائلتها من إبادة البوسنة التي أودت بحياة نحو مئة ألف شخص وشردت أكثر من مليوني شخص. وقالت نادية للجزيرة وهي تتأثر بصخب الجماهير المنبعث من الاستاد خلفها: «يا ليت لديّ قلبان حتى أستطيع أن أؤيد بلديين كما ينبغي». اعترفت نادية أن قلبها مع البوسنة بالدرجة الأولى، لكن قبعة كندا التي ارتدتها كانت إشارة إلى البلد الذي صار موطناً لها عندما اضطرت للفرار.
في وقت سابق من اليوم، حوّل آلاف المشجعين المشهد إلى بحر أزرق وهم يتقدّمون باتجاه موقع المباراة في وسط المدينة مردّدين «حرّروا فلسطين» وسط تصفيق مدوٍ. قالت نادية والدموع تلمع في عينيها: «يجب أن يكونوا أحراراً، كفى حروباً وإبادات»، ثم أخذت نفساً عميقاً وأضافت: «هناك الكثير من المعاناة، وخصوصاً الأطفال».
امتزاج الثقافات في تورونتو
دان، مشجع بوسني في الأربعينيات من عمره، كان في نفس عمر ابنه الذي لا يزال في المدرسة الابتدائية حين فرّ من الإبادة. استمتع الأب والابن بالأجواء بين أكثر من 45 ألف متفرّج في الاستاد، وغادرا المباراة وهما مستاءان قليلاً من التعادل. شكل يوم افتتاح كندا لأول مشاركة لها في كأس العالم فسيفساء من هويات المشجعين البوسنيين المهاجرين، إذ تبادلوا التصافحات وارتدوا قمصان الفريق الآخر في روح رياضية.
كل درجات ألوان البشرة وتعدد اللغات الأم جعل من الاستاد والمهرجان القريب صورة مصغّرة لسمعة تورونتو كمركز متعدد الثقافات. احتوى مهرجان المشجعين على طيف كامل من الحضور: أنصار متعصّبون يقدمون تحليلات متقنة مخللة ببعض الشتائم على الفرص الضائعة، وآخرون حضروا من أجل الجو العام والاحتفال.
بعيداً عن كرة القدم، عبّر بعض المشجعين الكنديين عن رفضهم لسياسات الهجرة في جارهم الأمريكي، وكانوا فخورين بسمعة بلادهم كضيف كريم خلال البطولة التي تضم 48 دولة على امتداد أمريكا الشمالية. وقد امتدح أدمير، مشجع بوسني قادم من نيوجيرسي، كرم الاستقبال الكندي منذ وصوله قائلاً للجزيرة قبل بداية المباراة: «الجميع من الناس العاديين إلى موظفي الاستاد ومالكي المطاعم كانوا متعاونين للغاية منذ أن وصلنا».
بالمقارنة مع سيل قصص كوابيس الهجرة التي رافقت مشجعين يحاولون دخول الولايات المتحدة، كانت رحلته إلى كندا سلسة. وعلى الرغم من أن ولايته احتضنت ثماني مباريات من المونديال، اختار أدمير دفع ثمن باهظ للتذاكر لمشاهدة منتخب البوسنة الذي عاد إلى كأس العالم بعد غياب 12 عاماً عقب تأهل أشبه بالحكاية الخرافية.
ابتلعت الشمس جزءاً كبيراً من طاقة المشجعين بعد اللقاء، لكن تانيا لم تنل منها؛ فقد قدت سيارتها سبع ساعات من نيويورك إلى تورونتو صباح الخميس. قالت: «الاجواء في مهرجان المشجعين كانت رائعة؛ تورونتو كانت ممتازة». وأضافت عن المباراة: «أظن أن أولادنا لعبوا بشكل جيد، لم نفز لكن لم تكن هزيمة أيضاً».