إذا فُرض سقف سكاني يبلغ عشرة ملايين نسمة — كيف ستتغير سويسرا؟

المصدر: المكتب الفيدرالي للإحصاء السويسري

يعيش في سوسرا نحو 9.1 ملايين نسمة — رقماً يراه كثير من السويسريين أنه يقترب من حدود المقبول. يوم الأحد سيصوّت المواطنون على مبادرة تهدف إلى وضع حد أقصى لنموّ السكان عند عشرة ملايين نسمة.

قد يكون للنتيجة انعكاسات واسعة على الاقتصاد السويسري — وعلى تركيب المجتمع لسنوات طويلة قادمة. إذا صدّق الناخبون على المبادرة، فقد يعاد تشكيل بلد يتقدّم سريعاً في العمر ويعتمد اعتماداً كبيراً على العمال الأجانب الماهرين. يحذّر قادة الأعمال من أن ذلك قد يسبب نقصاً حادّاً في اليد العاملة خلال الخمسة عشر عاماً المقبلة، حين يَستعد نحو نصف القوى العاملة السويسرية للتقاعد.

الحزب اليميني الذي اقترح الحدّ، حزب الشعب السويسري، يَعدُ بأن هذا الإجراء سيسهم في تخفيف الاختناقات المرورية وتهدئة أسعار المساكن المرتفعة، فضلاً عن الحفاظ على التقاليد اللغوية والجذور الزراعية للبلاد.

المجلس الاتحادي المكوّن من سبعة أعضاء، والذي يضمّ ممثلين عن حزب الشعب، يعارض المبادرة رسمياً. وكلّف المكتب الاستشاري السويسري “Demografik” بدراسة تأثيرات حدّ أقصى للسكان. نمذجت الشركة سيناريو يصل فيه عدد السكّان إلى عشرة ملايين خلال 15 عاماً، ثم يُطلب من الحكومة اتخاذ إجراءات حازمة لإعادة العدد إلى ما دون ذلك.

خلصت الدراسة إلى أن هذه الإجراءات قد تترك آثاراً مؤلمة على المجتمع والاقتصاد السويسريين، وعلى علاقة البلاد بجيرانها الأوروبيين. ورفض راعيو المبادرة هذه الاستنتاجات، زاعمين أن معظم المهاجرين لا يشغلون في الواقع وظائف متخصصة عالية الطلب.

فيما يلي ثلاثة تأثيرات رئيسية توقّعتها الدراسة.

وقف معظم الهجرة

الهجرة، لا معدلات الولادة، هي المحرّك الرئيسي لنموّ السكان في سويسرا، والمبادرة تسعى أساساً إلى إيقافها. يشكّل المولودون في الخارج ما يقارب ثلث المقيمين في البلاد. تتوقّع الدراسة أن الحدّ سيمنع وصول نحو 1.2 مليون شخص إلى سويسرا بحلول عام 2075.

يقرأ  كيف تكسبصفقاتٍ أكبر

استناداً إلى الاتجاهات التاريخية، سيكون معظم من يُمنعون من القدوم من دول أوروبية أخرى، لا من طالبي اللجوء القادمين من الشرق الأوسط أو أفريقيا، وهو ما يعبّر عن طابع الهجرة السويسرية التي جاءت بدرجة كبيرة من دول الجوار مثل إيطاليا وألمانيا.

يشتكي بعض السكان من أن الهجرة غيّرت من نمط حياتهم، مثلاً بتحويل أصوات اللهجة السويسرية الألمانية في ميادين البلدات إلى “الألمانية الفصحى” المستخدمة في ألمانيا. واشتكى حزب الشعب السويسري من أن المهاجرين المسلمين يهدّدون “قيمنا الغربية”، رغم أن أعداد القادمين من دول ذات أغلبية مسلمة أقل منها من أجزاء أخرى من أوروبا.

تتمتع سويسرا حالياً باتفاق مع الاتحاد الأوروبي يتيح حرّية التنقل بينها وبين جيرانها. قد يضطر البلد، إذا تجاوز عدد سكانه عشرة ملايين، إلى إنهاء هذا الاتفاق، وهو ما يعرّض بدوره اتفاقيات أخرى مع الاتحاد للخطر.

ازدياد شيخوخة السكان

وجدت الدراسة أن الحدّ عند عشرة ملايين سيزيد من نسبة كبار السن في التركيبة السكانية، مع آثار كبيرة متوقعة على برامج الضمان الاجتماعي. لقد جعلت الهجرة سويسرا أصغر نسبياً؛ معدلات الولادة المحلية منخفضة وتقلّ عن المتوسط الأوروبي، والسكان الأصليون يقتربون بسرعة من سنّ التقاعد. معظم الوافدين الجدد في مقتبل العمر المنتج للعمل، وإيقاف الهجرة يعني تقلّص عدد العاملين في سنّ العمل الذين يولّدون النمو الاقتصادي والإيرادات الضريبية.

للمرة الأولى العام الماضي، كان لدى سويسرا عدد أكبر من المقيمين الذين تبلغ أعمارهم 65 عاماً فما فوق مقارنةً بمن هم دون 20 عاماً. خلصت الدراسة إلى أن الحدّ سيفاقم هذا التحوّل، محذّرةً من أن ذلك قد يضطر الدولة إلى تعديل نظام المعاشات التقاعدية وإمكانية أن ترتفع تكاليف المعيشة بشكل عام.

نزيف المواهب في قطاعات حيوية

يقرأ  إسرائيل تتسلم رفات جندي قُتل في غزة عام 2014أخبار الصراع الإسرائيلي–الفلسطيني

قد يترك غياب المهاجرين فجوة كبيرة في سوق العمل، خاصة في مناطق الحدود وقطاعات الأعمال الحيوية، كما يحذّر مجتمع الأعمال ومعدّو الدراسة. تعتمد سويسرا اعتماداً كبيراً على العمال الأجانب في قطاعات حرجة تتطلب غالباً تدريباً متقدماً مثل صناعة الأدوية وتكنولوجيا المعلومات. فقدان الكفاءات في هذه المجالات قد يضعف من التفوّق الابتكاري الذي لطالما شكّل محركاً لاقتصاد البلاد.

العديد من هذه الوظائف يصعب أتمتتها أو استبدالها بالذكاء الاصطناعي، ومنها وظائف في المستشفيات والفنادق. بعض القطاعات التي تعتمد على المهاجرين تعاني أصلاً من نقص في اليد العاملة، لا سيما الرعاية الصحية.

“إذا منعوا وصول الأشخاص المدربين جيداً فسيواجهون مشكلة في شغل وظائف معينة”، تقول ستيفاني بايلر، عالمة سياسة في جامعة بازل. “كل هؤلاء الأطباء الألمان وغيرهم — ستكون هناك مشكلة ضخمة إذا لم يعودوا يأتون.”

قد يضع هذا الفراغ الموجة المتوقعة من المتقاعدين في موقف صعب، إذ قد يقلّ عدد العمال المتاحين لملء وظائفهم — وأيضاً القليل من الذين سيقدّمون لهم الرعاية الطبية المتزايدة التي سيحتاجونها مع تقدمهم في العمر.

“سيجعل هذا وضعاً كان بالفعل حرجاً أكثر حرجاً”، كما يقول مانويل بوخمان، المؤلف الرئيسي لدراسة Demografik.

أضف تعليق