أكرا، غانا – كانت غانا من أوائل الدول في أفريقيا التي أدخلت لقاح الملاريا "RTS,S" في برنامجها الروتيني للتطعيم. وفي غانا وكينيا وملاوي، ارتبط هذا اللقاح بانخفاض نسبة الوفيات بين الأطفال المؤهلين للتطعيم بنسبة 13 في المئة، أي إن نحو واحد من كل ثمانية وفيات تم تفاديها.
لكن الحفاظ على هذه المكاسب يتطلب أكثر من اللقاح نفسه. فلا يزال العاملون الصحيون بحاجة إلى الوصول إلى الأطفال، وتتبّع من يفوّتون الجرعات، ونقل اللقاحات بأمان إلى المجتمعات.
وهذا العمل أصبح الآن تحت ضغط.
فقد سبّب تعليق برامج الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) فجوة تمويلية تقدر بنحو 156 مليون دولار في البرامج المتأثرة في غانا، من بينها عجز متوقع في قطاع الصحة يبلغ 78.2 مليون دولار. وكان هذا التمويل الصحي يدعم برامج تشمل الوقاية من الملاريا، وصحة الأم والطفل، والتغذية، وتنظيم الأسرة، وخدمات فيروس نقص المناعة البشرية.
كما أثار هذا الاضطراب مخاوف بشأن الأنظمة التي تُبقي التطعيم الروتيني يعمل بشكل منتظم.
"لا يمكننا انتظار عودة المانحين"
وجدت دراسة تناولت انسحاب المانحين في شمال غانا أن 75 في المئة من المناطق التي شملتها الدراسة أبلغت عن تأخير في وصول اللقاحات أو عن خلل في الإمداد. كما رصدت الدراسة معوقات في معدات سلسلة التبريد، وحقائب التوصيل، ووقود النقل.
قال نانا أووسو إنسا، المدير الصحي لبلدية أَكْوابيم الشمالية، إن غانا ينبغي أن تستغل هذه الصدمة التمويلية لإعادة التفكير في طريقة تمويل الرعاية الصحية.
وأضاف: "فجوة التمويل الصحي البالغة 78 مليون دولار بعد إغلاق برامج الوكالة الأمريكية كبيرة، لكنها أيضاً فرصة لإعادة التفكير في تمويل الرعاية الصحية في غانا. فصندوق غانا الطبي الائتماني، أو ما يُعرف بـ MahamaCares، يعمل بالفعل على توسيع الوصول إلى الرعاية المتخصصة."
وتابع: "يجب على القطاع الخاص أيضاً أن يتحرك. ومع الشراكات الصحيحة، يمكن لغانا أن تصبح وجهة للسياحة العلاجية من خلال الاستثمار في التشخيص، والطب عن بُعد، والرعاية المتخصصة. وللبنوك والمؤسسات المالية دور حاسم. فهي بحاجة إلى دعم هذه المبادرات بحزم تمويلية مصممة خصيصاً لجذب مزيد من اللاعبين إلى هذا القطاع. لدينا الموهبة والإرادة، والآن نحتاج إلى استثمارات تليق بذلك."
من جانبه، قال جون ياباني، المدير الطبي لمستشفى باناهاين التخصصي، إن مقدمي الخدمات من القطاع الخاص مستعدون أيضاً للعب دور أكبر.
وأوضح: "قطاع الرعاية الصحية في غانا يعيش لحظة مفصلية. وبصفتنا مستشفى تخصصياً، استثمرنا بالفعل في السياحة العلاجية ونعمل على جذب مرضى من غرب أفريقيا ومن الجاليات في الخارج. القطاع الخاص مستعد للتدخل واستكمال جهود الحكومة. ومع الدعم المناسب من المؤسسات المالية، يمكننا المساعدة في بناء نظام صحي مرن وقادر على الاعتماد على نفسه ويليق بالمستوى العالمي."
لكن الاستثمار الخاص لا يمكنه أن يحل فوراً محل البنية التحتية للصحة العامة اللازمة لتقديم التطعيمات الروتينية، خاصة في المجتمعات النائية.
وجهة نظر مختلفة
لا ينظر الجميع إلى فقدان تمويل المانحين على أنه مجرد انتكاسة.
فقد قال مسؤول حكومي تحدث إلى الجزيرة شريطة عدم الكشف عن هويته إنه طالما شعر بعدم الارتياح تجاه اعتماد الدول الأفريقية على الحكومات الغربية لتمويل الرعاية الصحية الأساسية.
وأضاف: "بالنسبة لي، هذا التخفيض في تمويل الوكالة الأمريكية هو فرصة ممتازة لنرتب بيتنا ونستخدم مواردنا لرعاية مواطنينا."
أما جورج كوامي إيغيه، الشريك المؤسس ومدير العمليات في مؤسسة هَمسيرف أفريقيا، التي تقدم دعماً جراحياً ودعماً للتطعيم للمجتمعات المحرومة، فقال إن مؤسسته طالما دعت إلى زيادة استخدام التمويل المحلي.
وأضاف: "لقد استخدمنا دائماً تمويلاً داخلياً من زملائنا ومن الشركات الغانية لدعم جميع التدخلات الصحية. ونؤمن بأن منظمات المجتمع المدني يمكنها أن تتدخل وتسد الفجوة التي يخلقها خفض تمويل الوكالة الأمريكية."
غير أنه بالنسبة لبرامج التطعيم، فإن استبدال أموال المانحين ليس مجرد مسألة إيجاد مصدر تمويل آخر. فالعاملون الصحيون ما زالوا بحاجة إلى السفر إلى مجتمعات نائية، وتتبّع الأطفال الذين يفوتون الجرعات، وصيانة معدات سلسلة التبريد، وتنظيم خدمات التوعية الميدانية.
"لا ينبغي حرمان أي طفل من التطعيمات المنقذة للحياة"
في منطقة أوتي، حيث كثير من المجتمعات ريفية ويصعب الوصول إليها وقريبة من حدود غانا، تكون المخاوف حادة بشكل خاص.
فقد وجدت دراسة أجريت عام 2025 حول التطعيم الروتيني في المنطقتين الشرقية وأوتي أن تغطية المستضدات الأساسية في أوتي بلغت 85.3 في المئة، في حين بلغت تغطية الجدول الوطني 62.1 في المئة.
وقال مارك أبيا، رئيس اللجنة الصحية لمنطقة أوتي، للجزيرة إنه يشعر بالقلق من أن الضغوط التمويلية قد تؤدي إلى تآكل هذه المكاسب.
وأضاف: "الضغوط التمويلية قد تؤثر على التوعية الميدانية، وتتبّع المتخلفين عن الجرعات، والنقل، والإشراف، وحملات التطعيم، وكلها أمور ضرورية للحفاظ على هذه المكاسب."
وتابع: "لا ينبغي لطفل أن يفقد الحماية من مرض يمكن الوقاية منه لمجرد أن النظام الصحي يواجه مشكلة تمويل."
وقال أبيا إن اللجنة تركّز على تعبئة الموارد المحلية، والمشاركة المجتمعية، والدعم الموجّه للمجتمعات التي يصعب الوصول إليها. كما دعا إلى وضع إطار إقليمي للتنمية الصحية وتعبئة الموارد في أوتي لبناء شراكات منظمة مع الشركات وشركاء التنمية والمنظمات غير الحكومية.
وبالنسبة للأسر في المجتمعات التي يصعب على الفرق الصحية الوصول إليها، يمكن لهذه الأنظمة أن تحدد ما إذا كان الطفل سيحصل على اللقاح أو سيفوّت الجرعة.
حل محلي
في شمال غانا، قالت راهيناتو، وهي أم استفاد طفلها من التطعيم الروتيني، إن الفجوة التمويلية خلقت تحديات حقيقية لمجتمعها.
وأضافت: "لكنني متفائلة بأن الحكومة ستجد حلاً محلياً في أقرب وقت ليعود الوضع إلى طبيعته بالنسبة لنا."
ويأتي أملها بينما تواجه غانا تحولاً طويل الأمد في طريقة تمويل اللقاحات. فغانا في مرحلة انتقال متسارع من دعم "تحالف اللقاحات غافي"، ومن المتوقع أن تتحمل المسؤولية الكاملة عن تمويل برنامجها للتطعيم ابتداءً من عام 2030.
وفي الوقت نفسه، يواجه "غافي" ضغوطاً تمويلية خاصة به. استراتيجية التحالف للفترة 2026–2030 تهدف إلى تعزيز الاستدامة المالية لبرامج التحصين، وزيادة المساهمات المحلية للدول في مرحلة انتقالها من دعم "جافي". هذا يضع غانا تحت ضغطٍ من جهتين: الاضطراب المباشر الناتج عن انسحاب التمويل الأمريكي، والحاجة طويلة الأمد إلى تحمّل حصة أكبر من تكاليف التحصين.
بدأت غانا بالفعل تبحث عن حلول لذلك. فقد أزالت الحكومة السقف عن التمويل المخصص من مخطط التأمين الصحي الوطني، كما أنها تدعم الجهود الرامية إلى تطوير قدرات محلية لتصنيع اللقاحات. غير أن هذه التغييرات تحتاج إلى وقت.
وبينما يجتمع وزراء الصحة وكبار المسؤولين من الدول الأعضاء الـ47 في إقليم أفريقيا بمنظمة الصحة العالمية في أديس أبابا، لحضور الدورة السادسة والسبعين للجنة الإقليمية لأفريقيا، تكشف تجربة غانا عن سؤال صعب يواجه العديد من البلدان: كيف يمكن للحكومات بناء استقلال مالي أكبر بسرعة، دون أن تسمح للخدمات الصحية التي يعتمد عليها الأطفال اليوم بأن تضعف؟
كانت رسالة أبياه بسيطة: "لا ينبغي أن يُحرم أي طفل في منطقة أوتي من التحصين المنقذ للحياة بسبب مكان إقامته، أو بسبب فجوة تمويل مؤقتة."