خمس سنوات بعد استيلاء سعيد على السلطة.. التونسيون لم يتحسن حالهم

في 27 يوليو 2021، علّق الرئيس التونسي قيس سعيد عمل البرلمان، الذي كان يُعتبر في ذلك الوقت المؤسسة الديمقراطية الدستورية الوحيدة القائمة في العالم العربي. وبصفتي القائم بأعمال مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأدنى، كُلّفت بمهمة مع نائب مستشار الأمن القومي جون فاينر لاستيضاح خطط سعيد. كان الرئيس الأمريكي آنذاك جو بايدن قد أعرب عن أمله في عودة سريعة للديمقراطية البرلمانية، وتعيين رئيس وزراء وحكومة قادرين على معالجة المشاكل الاقتصادية المحدقة بالبلاد.

خلال لقائنا، طلب منا الرئيس سعيد أن نؤكد للرئيس بايدن أنه إنما يستجيب للإرادة الشعبية لإنهاء ثقافة الرشوة والفساد، وأن إجراءاته تهدف إلى تطبيق الدستور بشكل كامل. لم يُشر إلى موعد تعيين رئيس وزراء جديد أو إصدار دستور جديد، ولا إلى ما إذا كان يعتبر البرلمان معلقاً مؤقتاً أو منحلاً بالكامل.

لمحاولة فهم نوايا الرئيس سعيد بشكل أفضل، طلبنا عقد لقاء مع أقرب مستشاريه، نادية عكاشة، على الغداء. وقد أشارت إلينا السيدة عكاشة إلى تونسيين يستمتعون على شاطئ قريب، قائلة: “أترون؟ إنهم ليسوا غير راضين عن قرار الرئيس سعيد بتولي زمام القيادة. إنهم يريدون التغيير، يريدون شخصاً يمكنهم محاسبته.”

بعد خمسة أشهر، استقالت السيدة عكاشة، وفي غضون عام أصبحت هاربة من القانون، منكرة كل التهم ومنددة بتجميع السلطة في يد سعيد. أما التغيير الذي كانت تتوقعه هي والعديد من التونسيين، فهم ما زالوا ينتظرونه بعد خمس سنوات.

رداً على إجراءات الرئيس سعيد، خفضت الحكومة الأمريكية مخصصات المساعدات العسكرية لتونس بنسبة 50 في المئة، كرسالة للكونغرس وللقيادة التونسية مفادها أن العلاقة الثنائية ليست على ما يرام.

في الأول من فبراير 2023، أرسلتني إدارة بايدن إلى تونس سفيراً مع تعليمات بإيجاد سبُل لمساعدة تونس على العودة إلى مسار الديمقراطية التمثيلية.

يقرأ  زعيم بافاري: عقوبات الاتحاد الأوروبي على إسرائيل تخلق أجواءً أشبه بالمذابح

بعد أقل من أسبوعين، واجهت أزمة: جميع قادة الأحزاب السياسية تقريباً كانوا معتقلين. وسرعان ما تبع ذلك حملة مماثلة ضد قادة المجتمع المدني والصحافة.

في السنوات التالية، فقد التونسيون الكثير من حرياتهم المدنية. انخفضت درجة تونس في مؤشر “الحرية في العالم” الصادر عن منظمة فريدوم هاوس من 70 إلى 42 بين عامي 2020 و2026، حيث تشير الدرجات المنخفضة إلى حرية أقل.

في الوقت نفسه، لم يحقق التونسيون أي مكاسب في الأداء الاقتصادي. فمعدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لتونس في 2026 ومعدل البطالة ليسا أفضل مما كانا عليه في 2018، العام الذي سبق وصول الرئيس سعيد إلى السلطة، بينما ارتفعت نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي من حوالي 73 في المئة إلى أكثر من 81 في المئة.

رفض الرئيس سعيد رفضاً غير منطقي برنامج إصلاح الدعم الذي قدمته حكومته إلى صندوق النقد الدولي، واصفاً إياه بأنه “إملاءات أجنبية”، رغم أنه حظي بدعم الحكومة الأمريكية من بين جهات أخرى.

وفي ظل معدل بقاء الوزراء في مناصبهم الذي لا يتجاوز ستة أشهر تقريباً، لم يكن المسؤولون التونسيون متأكدين أبداً مما يريده رئيسهم، أو ما قد يؤدي إلى إقالتهم. عندما سألت الرئيس التنفيذي لشركة أمريكية كبرى للطاقة عن أولوياته من تونس، قال: “رقم هاتف مع شخص على الطرف الآخر.”

شكّل التعاون الأمني الثنائي البقعة المشرقة الوحيدة خلال السنوات الخمس الماضية، ربما لأن المساعدات العسكرية الأمريكية تأتي في شكل منح وتدريبات ومناورات، وليست قروضاً مشروطة بالنوع الذي يراه الرئيس سعيد “إملاءات”. ونتيجة لذلك، حصلت الأجهزة الأمنية التونسية على كل الدعم اللازم لتطهير البلاد من كل خلية إرهابية معروفة تقريباً، وهو إنجاز كبير بالنظر إلى عدم الاستقرار الذي عانى منه البلاد سابقاً.

يقرأ  سائح يثير استياءً واسعًا بعد سكب بيرة في خرطوم فيل بكينيا

ربما في هذا يكمن طريق للمضي قدماً بالنسبة للولايات المتحدة وشركاء تونس التقليديين الآخرين. يمكنهم الاستفادة من البنية التحتية الأمنية التي استثمرت فيها الولايات المتحدة وتونس مئات الملايين من الدولارات معاً منذ عام 2014، لتوفير تدريبات ومناورات مماثلة لقوات الأمن في دول الساحل، التي تحتاجها بشدة لتحقيق الاستقرار في بلدانها.

يمكن للتونسيين تقديم كل هذا بتكلفة أقل بكثير مما تستطيع الولايات المتحدة فعله بمفردها، ومن المرجح أن يكون أكثر ترحيباً لدى الحكومات الأفريقية من مبادرة تأتي من واشنطن وحدها في السياق العالمي الحالي.

أياً كان الاتجاه الذي يقرره التونسيون لبلادهم في السنوات الخمس المقبلة، فسيحتاجون إلى الأمن والاستقرار ليس فقط في الداخل، بل في جوارهم أيضاً. إذا ظلت الولايات المتحدة وشركاء تونس التقليديون الآخرون منخرطين في تحقيق هذه الأهداف الأساسية، فسيوفر ذلك للتونسيين البيئة التي يحتاجونها لإيجاد طرقهم الخاصة لإعادة بناء حياتهم السياسية والاقتصادية.

في الظروف الحالية، يمكن للولايات المتحدة وغيرها على الأقل المساعدة في ضمان ألا يؤدي عجز الرئيس سعيد عن تحفيز النمو الاقتصادي أو السماح بالتعددية السياسية إلى دفع البلاد إلى وضع أكثر يأساً.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

أضف تعليق