«دمّروا حياتنا»: عائلة فلسطينية تنام في العراء بعد هدم منزلها

عادل دراغمة يرقد على جنبه على فراش رقيق موضوع مباشرة على الأرض الترابية، ذراعه ممدودة، وصندل متدلٍ من قدمه. يقول بصوت ضعيف: «لا ننام، وبالكاد نشرب، وبالكاد نأكل». فوقه، قطع من القماش المشمع الداكن وغطاءات قديمة مربوطة معاً بين أعمدة خشبية منحنية، وهي الشيء الوحيد الذي يفصل عائلته عن شمس تتجاوز 43 درجة مئوية في وقت مبكر من الظهر.

لقد أصبحوا بلا مأوى من جديد، بعد أن دمّر جرّافة إسرائيلية منزلهم قبل أيام، رغم أمر قضائي كانوا يعتقدون أنه يحميهم. إلى جانبه، تجلس زوجته خيرية على كرسي، وتبقي كوباً بلاستيكياً صغيراً من الماء بين يديها. وعلى بُعد نحو ثلاثين متراً فوق المنحدر، يقف سور أقامه مستوطنون، قطعهم عن الأرض التي رعت فيها أغنامهم لأجيال. وفوق قمة التل، يرفرف علم إسرائيلي مرئي من مكان عادل. يسأل أكثر من مرة: «أليس هذا عاراً، هذا الذي نعيش فيه؟»

عادل يعاني من السكري ويحتاج دواءه اليومي، لكنه يجد صعوبة في الحصول عليه منذ أيام. يقول: «لقد جرّفوا الدواء مع البيت. أشياؤنا، كل ما نملك، ضاع. دمّرونا. هواتفنا، ألواحنا الشمسية، لا كهرباء ولا ماء». وكما تعلمت العائلة في الأسابيع الأخيرة، ومع اقتراب انتخابات أكتوبر/تشرين الأول المتنازَع عليها بشدة، حتى أمر المحكمة العليا الإسرائيلية قد لا يوقف الجرافات الآن.

«خمس دقائق لإخلاء المنطقة»

حطام بيت عادل وخيرية ما زال متناثراً: ملابس، خزانة أدوية محطمة، ثلاجة صغيرة مجوّفة وبابها مفتوح، وطوب إسمنتي متشقق. ورغم أن منزل ابنهما هلال كان قد هُدم قبل ذلك بفترة قصيرة دون سابق إنذار، فإن هدم منزل عادل وخيرية في 28 يوليو/تموز جاء صادماً. كان عادل قد ذهب بالسيارة إلى طوباس ليجلب دواءه، بينما بقيت خيرية في البيت مع ابنتها هناء، عندما وصل جنود إسرائيليون ومستوطنون وموظفو الإدارة المدنية مع جرافة وعشر مركبات أخرى. تقول خيرية: «جاؤوا وأنا نائمة».

خرجت خيرية للقائهم ومعها الأوراق القانونية للعائلة، التي كانت تعتقد أنها تثبت أن المنزل محمي بأمر سابق من المحكمة العليا الإسرائيلية يمنع هدمه حتى تُحسم القضية. كانت المحكمة قد علّقت أمر هدم صادراً عام 2022 بينما تنظر في الدعوى التي رفعتها العائلة. أخذ الجنود الأوراق، وقرأوها، وتشاوروا فيما بينهم، ثم أعادوها إليها. وبعد ذلك بدأت الجرافة بالعمل. قالت إن أحدهم قال لها: «خمس دقائق لإخلاء المنطقة كلها». فطلبت منه أن يرحمها وهي وحدها ومريضة. ثم رأت الجرافة تندفع نحو منزلها وما فيه من ممتلكاتها، فقدت الوعي، واستيقظت بعد ثلاث ساعات في سيارة إسعاف.

يقرأ  بيت هيغسيث يتعهد بـ«أعنف يوم» من الضربات الأميركية ضد إيرانأخبار الحرب الأميركية‑الإسرائيلية على إيران

وتضيف: «وقبل أن أعرف ما الذي يحدث، كانت الجرافة قد بدأت. البيت كله، كل شيء، كل ما نملك. اختفى». أما عادل فأضاف بصوت ضعيف: «لا أمر، لا قانون، لا إنسانية».

«نظام تمييزي»

يقول المحامي توفيق جبارين، ممثل العائلة، إن «الجيش والمستوطنين هدموا رغم وجود أمر محكمة يمنع ذلك»، مشيراً إلى هدم منزل هلال في الثاني من يوليو/تموز. ويضيف أن النيابة زعمت أن الجيش أخطأ وأن ذلك لن يتكرر، لكن الهدم تكرر. ويتابع جبارين: «القانون وأحكام المحاكم لا يعنون للمستوطنين شيئاً، ويحاولون الالتفاف عليها بكل الوسائل، معتقدين أن فرض أمر واقع على الأرض أقوى من أي قانون أو قرار قضائي».

عائلة دراغمة من رعاة الماشية، تقطن منذ أجيال قرب عين الحلوة في شمال غور الأردن. أربعة إخوة وعائلاتهم يسكنون المنطقة. يقول عادل: «أنا ولدت هنا، وأبي ولد هنا». وبالقرب منهم تقع مستوطنة مسكيوت غير القانونية، وبؤر استيطانية أُقيمت في السنوات الأخيرة، مما يعرّض العائلة الممتدة لاعتداءات وسرقات ومداهمات متكررة.

ومثل كل المجتمعات الرعوية في المنطقة ج، الخاضعة بالكامل للسيطرة العسكرية والإدارية الإسرائيلية، أمضت العائلة سنوات في التعامل مع أوامر الهدم في ظل نظام تخطيط يترك للفلسطينيين طريقاً قانونياً شبه معدوم للبناء. عادل سبق أن هُدم منزله وأنفق أموالاً كثيرة لإعادة بنائه، لكن الجديد الآن، كما يقولون، هو أن العملية المحدودة ذاتها، التي تتضمن تحذيراً ثم أمر هدم ثم فرصة للاستئناف، لم تعُد تنطبق عليهم أبداً. إذ لم يُعرض أي أمر هدم لا لمنزل هلال ولا لمنزل عادل عندما جاؤوا لتهديمهما، رغم الأوامر القضائية.

ويقول ناشطون وعائلة دراغمة إن الجنود والمستوطنين وموظفي الإدارة المدنية وصلوا معاً أثناء عمليات الهدم. أما أليغرا باتشيكو، رئيسة تحالف حماية الضفة الغربية ومحامية مثلت فلسطينيين أمام المحاكم الإسرائيلية لعقود، فترى أن مثل هذه التجاوزات ليست شذوذاً في نظام يعمل بشكل طبيعي. تقول باتشيكو: «هذا استمرار لتدهور أي ادعاء بالحماية القانونية للفلسطينيين». وتضيف أن عملية التخطيط العادية نفسها صُممت لتفشل الفلسطينيين، فإسرائيل ورثت نظام تقسيم المناطق عن القوانين الأردنية وقوانين الانتداب البريطاني، ثم عدّلت بعضها بما يضر الفلسطينيين، ما ترك معظم مناطق الفلسطينيين في المنطقة ج دون مخططات بناء معتمدة، بينما المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية حسب القانون الدولي تُمنح مناطق مخططة وتُبنى بحرية.

يقرأ  اختُبرت على الفلسطينيين —إبستين وإيهود باراك روجا تقنيات تجسّس في نيجيريا

وتختم باتشيكو: «الإسرائيليون أقاموا هذا النظام ليكون تمييزياً وليفشل الفلسطينيين. لذلك يبني الناس رغم ذلك، فيصدر أمر بوقف العمل، ثم أمر هدم، ويمكنك الاستئناف على هذا الأمر». لكنك بذلك تناشد من وضع القاعدة نفسها التي تميّز ضد البناء الفلسطيني. وقال هلال: «لا توجد طريقة يمكن للفلسطينيين عموماً أن يكسبوا بها في ظل الإطار القانوني الإسرائيلي الحالي».

ومع تداخل الخطوط بين السلطات والمستوطنين، لم يكن واضحاً حتى للعائلة من قاد عملية الهدم بالضبط: جنود، مستوطنون، أم الإدارة المدنية. يقول هلال: «كلهم سواء عندما يأتون، كلهم معاً».

بحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، نزح أكثر من 6,200 فلسطيني، بينهم أكثر من 3,000 طفل، قسراً منذ يناير 2023، من بينهم أكثر من 2,300 شخص منذ بداية عام 2026 وحدها. كما هُدمت أكثر من 907 منشآت فلسطينية في الضفة الغربية المحتلة هذا العام.

تواصلت الجزيرة مع السلطات الإسرائيلية والجيش للتعليق على الأحداث الواردة في هذا المقال، لكنها لم تتلق رداً بعد.

# لا شيء يردعهم

على بعد خطوات من أنقاض منزل والديه ومنزله، يجلس هلال في ظل شجرة قرب العين التي أطعمت عائلته لأجيال، والتي لم يعد هو وقطيعه قادرين على استخدامها. قبل دقائق، كان قد شاهد مستوطنَين يبردان في العين، يصبان الماء على نفسيهما بينما كان أحدهما يرتدي زياً عسكرياً على الضفة.

أما ما تبقى من ماشية هلال، إذ سُرق معظم القطيع أو صودر أو بِيع، فإنها تبحث عما يتبقى من مياه الصرف بعد أن يرحل المستوطنون. يقول: «كنا نشرب من هذه العين ونحمل الماء على الحمار، لكنهم منعونا. المستوطنون سيّجوها».

لاحقاً، يركب حماره ويعبر الطريق إلى ما تبقى من منزله. ما كان جدراناً وسقفاً صار حقلاً من الركام المحروق وأنابيب معدنية ملتوية، انثنت وتعقدت في المكان الذي جرّتها فيه الجرافة. وهو على حماره، يشير هلال إلى المكان الذي كانت تقف فيه كل غرفة. ويقدّر خسائره بـ170 ألف شيكل (57 ألف دولار). يقول: «لم آخذ معي أي شيء، كل شيء راح».

يقرأ  تقرير «حقوق الإنسان في إيران»: معدلات الإعدام في البلاد تتجاوز الضعف عام ٢٠٢٥

في البيت المجاور، في منزل شقيق عادل، قدري، الذي سبق أن هُدم في أغسطس الماضي، يصف أقارب طلبوا عدم الكشف عن أسمائهم خوفاً من الانتقام عائلة ممتدة تتهيأ لدورها. يقول أحد الأبناء: «لا شيء يردعهم الآن. لم يعودوا حتى بحاجة إلى أمر. بالطبع نحن خائفون من أن يأتوا إلينا بعد ذلك».

ومع منع المستوطنين والجنود القريبين عادل وخيرية من إعادة البناء، صارا يعتمدان على الأقارب في الحصول على الاحتياجات الأساسية. تقول قريبة: «كل عائلتنا تساعد بعضها، لكن الأمر صعب جداً عندما لا يكون لدينا ما يكفي، وقد نكون نحن التاليين».

وبعد سرقات سابقة من المستوطنين ومصادرات من السلطات قبل عام ونصف، تقول العائلة إن المستوطنين سرقوا 50 رأساً أخرى من الماشية.

وسط تدهور صحته، لم يكن عادل المنهك المصاب بضربة شمس يجلس من على الأرض إلا عندما يأتي حديث الأعراس الماضية. يشتد صوته الأجش، وتنفرج أساريره عن ابتسامة عريضة. يبدأ بهدوء يصفق على إيقاع الدحية، رقصة الخط البدوية، بينما يرتفع صوته المتمايل فوق صوت كفيه. يقول: «يا لها من أوقات جميلة كانت تجمعنا، جميلة».

ثم، وكأن ذلك الغناء استهلك آخر طاقته المتضائلة، يرتمي على المرتبة الملطخة بالعرق ويزفر: «إن شاء الله تعود تلك الأوقات، إن شاء الله».

أضف تعليق