صور الأقمار الصناعية تكشف كيف أحرقت الحرب «سلة خبز السودان» أخبار الزراعة

تصاعدت خلال السنوات الثلاث الماضية عناوين الصحف بأخبار الفظائع خلال الحرب والأزمات الإنسانية الحادة في السودان. والآن تكشف صور الأقمار الصناعية مدى الدمار الذي لحق بقطاعي الزراعة والصناعة في البلاد.

تحقيق رقمي لــ«الجزيرة» استند إلى صور من قمر Sentinel‑2 ومؤشر الفرق المُطبَّع للنباتات (NDVI) يؤكد الخسائر الهائلة التي طالت أكبر مشاريع الري المروي في ولايات الوسط: الجزيرة وسنار والخرطوم.

السهول الخصبة في وسط السودان — ما عُرف بـ«سلة الطعام» الوطنية — تبدو مدمّرة في الصور؛ الشبكات الخضراء الهندسية التي كانت تحدد قلب الزراعة تحولت إلى بقع قاحلة بنية مكسوة بالغبار.

اندلع الصراع الدموي في السودان في 15 أبريل 2023 إثر صراع نفوذ بين قوات الدعم السريع والجيش السوداني. بدأت المعارك في الخرطوم وانتشرت سريعًا إلى مناطق أخرى. في أواخر 2023، حقّقت قوات الدعم السريع تقدّمًا سريعًا عبر قلب المناطق الزراعية شمال وشرق البلاد، وخصوصًا في ولايات الجزيرة وسنار والخرطوم، ما تسبب في تدمير مساحات واسعة حاسمة لأمن الغذاء في واحد من أفقر البلدان في العالم.

في مدينة أبو قطة بولاية الجزيرة الشمالية نهب مقاتلو الدعم السريع في ديسمبر 2023 الأسواق ومركز الشرطة والبنك الزراعي، ومدفوعين باليأس لجأ الفلاحون إلى إغراق قنوات الري عمداً، ضحّوا بمحاصيلهم وحوّلوا الحقول إلى مصائد طينية لإيقاف ناقلات الـ«بيك آب» المصفحة والمسلحة.

ما بدأت دفاعًا يائسًا على الأرض، تُرى الآن من الفضاء. البيانات تُظهر نمطًا صارخًا: انهيارًا زراعيًا كارثيًا خلال سيطرة الدعم السريع في 2024، أعقبه تعافٍ هش ومحدود بعد استعادة الجيش لبعض الأراضي في 2025.

انهيار مشروع الجزيرة
لعقود كان مشروع الجزيرة، مشروع ري يضم مساحات شاسعة بين النيلين الأزرق والأبيض، العمود الفقري الزراعي للسودان. يمتد المشروع على نحو 924 ألف هكتار ويضم أكثر من 8 آلاف كيلومتر من القنوات، وكان تاريخيًا ينتج نحو نصف إنتاج السودان من القمح.

يقرأ  هونغ كونغ تأمر بإزالة شبك السقالات بعد حريق مميت

بعد استيلاء الدعم السريع على ود مدني، عاصمة ولاية الجزيرة، في ديسمبر 2023 انهار النظام الزراعي. لم يكن الانهيار ناجمًا عن ظواهر مناخية؛ تقارير مستقلة، منها دراسة لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو)، تؤكد أن إنتاج القمح في الجزيرة هبط بنسبة 58% في موسم 2023‑2024.

جاء الانخفاض نتيجة تفكيك متعمّد للبنية التحتية: وثّقت تقارير أوروبية توجيه مقاتلي الدعم السريع لتحويل مجاري الري، وإغراق الأراضي الزراعية، واستخدام أكياس الحبوب المحصودة كجسور مؤقتة فوق القنوات. وأشارت الفاو إلى أن قناة الحيواوة، وهي شريان أساسي يخدم 2,360 مزارعًا في 48 قرية، كانت من الأكثر تضررًا.

الأثر الاقتصادي على المجتمعات الزراعية كان بالغًا؛ روى حسين سعد، مزارع سابق وعضو تحالف مزارعي الجزيرة والمنقيل، أن ثمن كيس السماد 50 كغم ارتفع من 20 ألف جنيه إلى 120 ألف جنيه، وأن أسعار إيجار الجرارات تضاعفت ثلاث مرات. كما نَهِبَ مسلحون بنك البذور الوطني واستنزفوا مخازن برنامج الأغذية العالمي في ود مدني التي كانت تكفي لنحو 1.5 مليون شخص لشهر كامل.

علاوة على ذلك، شلّ قطع الاتصالات المفروض من قبل الدعم السريع أوائل 2024 التحويلات المالية، مما أدى إلى إغلاق 200 من أصل 300 مراكز لتقديم الطعام كانت تكافح لإطعام الأسر المشردة.

سُجلت أيضا دمار مماثل في مشروعي الرحاد والسكي بولايات سنار والقضارف، اللذين يغطيان 126 ألف هكتار و37.8 ألف هكتار على التوالي. ظلّت صحة المحاصيل متدهورة بشدة طوال 2024 تحت سيطرة الدعم السريع.

قراءة بيانات الأقمار
لقياس الدمار كان لا بد من التمييز بين الزراعة الحقيقية والأعشاب البرية التي تغزو الحقول المهجورة. يقيس مؤشر NDVI كثافة وصحة الغطاء النباتي الأخضر، لكنه لا يميّز بالضرورة بين المحاصيل المزروعة والعشب المتوحش. لكن في مشاريع الري المهيكلة مثل الجزيرة والرحاد، تعتمد الزراعة على تنسيق بشري: تشغيل محطات الضخ وفتح بوابات المياه وفق جداول صارمة وتطبيق الأسمدة. عندما يعمل النظام يظهر من الفضاء نمط مستطيلات هندسية واضح؛ وعندما ينهار تختفي هذه الأنماط لتحل محلها بقع فوضوية غير منتظمة من الأخضر والبني دلالة على أراضٍ مهجورة.

يقرأ  جماهير غفيرة من المتظاهرينتجوب شوارع طهران وثاني أكبر مدن إيران

تعافي هش
تُبرز بيانات الأقمار وجود علاقة مباشرة بين السيطرة العسكرية والأمن الغذائي. استعاد الجيش سنجة في سنار في نوفمبر 2024، وتبعتها ود مدني في يناير 2025، وبحلول مارس 2025 كان الجيش يسيطر على معظم مساحات الولايتين. عقب استعادة الجيش، أظهرت بيانات NDVI في ديسمبر 2025 تحسُّناً ملحوظًا في صحة المحاصيل في مشروعات الجزيرة والرحاد والسكي؛ ورغم أن المستويات ما زالت بعيدة عن ما كانت عليه قبل الحرب، فإن عودة الشبكات الخضراء الهندسية تُشير إلى أن الفلاحين عادوا بحذر للزراعة.

يتوافق ذلك مع تقرير مصفوفة الأمن الغذائي (IPC) الذي حذر سابقًا من أن نحو 25.6 مليون شخص — أي نصف سكان البلاد — كانوا يواجهون انعدامًا حادًا للأمن الغذائي، بمن فيهم 755 ألفًا في حالات مجاعة كارثية. وبحلول أواخر 2025 أفاد الـIPC بأن 3.4 مليون شخص لم يعودوا في مستويات الأزمة، مع إرجاع التحسّن صراحة إلى الاستقرار التدريجي في الجزيرة وسنار والخرطوم بعد انسحاب الدعم السريع.

مجموعة الخرطوم الضابطة (مجموعة التحكم)
لاستبعاد الاحتمالات المناخية نهائيًا، استخدم المحققون ولاية الخرطوم كمجموعة تحكم. تشترك الخرطوم مع الجزيرة في نفس مناخ ومعدلات هطول الأمطار، وتقع على بعد نحو 150 كيلومترًا شمالًا، لكنها شهدت مسارًا عسكريًا مغايرًا. أعلن الجيش سيطرته الكاملة على الخرطوم في مايو 2025، أي قبل ستة أشهر فقط من تحليلات الأقمار في ديسمبر.

أظهرت صور لمشروعات زراعية رئيسية حول العاصمة — شمال بحري، شرق النيل، سندس، وقطرنج — التي أصبحت تحت سيطرة الجيش في مايو 2025، عدم وجود انتعاش ملحوظ في 2025. بقيت الحقول خالية من الدقة المميزة للزراعة النشطة، مغطاة بالعشب البري، ما يبرهن أن مجرد استعادة الأمن لا يكفي؛ يحتاج الفلاحون موسمًا كاملاً من الاستقرار لإصلاح القنوات والحصول على البذور وجني المحصول.

يقرأ  أوكرانيا تعلن صفقة دفاعية «مفيدة للطرفين» مع السعوديةأخبار الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران

خراب صناعي
تتعدى آثار الحرب الحقول لتطال البنية الصناعية. تكشف صور عالية الدقة لشركة Planet Labs عن تدمير واسع للبنى التحتية الصناعية. ووفق تصريحات وزيرة الصناعة محاسن علي يعقوب لصحيفة «السوداني»، تضررت بشدة 126 منشأة صناعية كبيرة و3,131 مصنعًا صغيرًا في ولاية الجزيرة وحدها.

رغم تسجيل إعادة إعمار محدودة للمصانع في ود مدني أوائل 2026، تظل المناطق الصناعية في الخرطوم في حالة خراب واسع، مع نحو 3,200 منشأة مدمرة وغياب علامات تعافٍ ملموسة.

بالنسبة للملايين الذين يعتمدون على هذه الأراضي للمعيشة، فإن العودة إلى الحقول يكتنفها ظلّ الخسارة الفادحة. صحيح أن صور الأقمار تُظهر عودة بطيئة للشبكات الخضراء الهندسية في بعض المناطق، لكن آثار النهب وقنوات الري المغمورة تظل شاهدة على أن «سلة الخبز» الوطنية دفعَت إلى حافة الجوع.

أضف تعليق