توصلت مراجعة أعدّها ديفيد نيومان، أخصائي طب الطيران، لصالح مكتب سلامة النقل الأسترالي، إلى نتيجة مشابهة. إذ يؤثر القنب على السلوك والإدراك والأداء الحركي النفسي بشكل يتناسب مع الجرعة، والمهام المعقدة مثل قيادة الطائرات تكون حساسة بشكل خاص لهذه التأثيرات. كما وجدت المراجعة أدلة على وجود تأثيرات متبقية قد تستمر حتى 24 ساعة.
غير أن الصورة العلمية أصبحت أكثر تعقيداً مع انتشار استخدام القنب على نطاق أوسع، وارتفاع تركيز المواد الفعّالة في منتجات القنب في كثير من أنحاء العالم.
في تجربة سريرية عشوائية عام 2022 قادها توماس ماركوت من جامعة كاليفورنيا في سان دييغو، شملت 191 مستخدماً منتظماً للقنب، أظهر أولئك الذين دخّنوا مادة THC أداءً أسوأ في مهمة قيادة محاكاة. لكن الباحثين وجدوا أن حالة الضعف الإدراكي لا يمكن استنتاجها من محتوى THC في القنب، ولا من خبرة المستخدم السابقة، ولا من تركيز THC في دمه. فالمخدر أضعف الأداء في البداية، لكن بعد حوالي أربع ساعات ونصف، كان من تناولوه يؤدون بقدر ما يؤديه من لم يتناولوا المادة الفعّالة.
هذه النتيجة مهمة جداً لاختبارات الطيران. فالاختبار الإيجابي يمكن أن يثبت وجود THC في الجسم، لكنه لا يثبت بالضرورة متى تم استهلاك القنب، أو ما إذا كان الشخص في حالة ضعف في ذلك الوقت. ويقول الخبراء إن العلاقة تختلف باختلاف الجرعة وطريقة الاستهلاك وعدد مرات الاستخدام والخصائص البيولوجية للفرد.
وهذا أحد الأسباب التي تجعل القنب يشكل مشكلة للجهات التنظيمية لا تشكلها الكحول. وقال ماركوت لهيئة الإذاعة البريطانية (BBC): “على عكس الكحول، حيث توجد علاقة أكثر وضوحاً بين تركيزه في الدم والضعف الإدراكي، فإن العلاقة مع THC أكثر تعقيداً بكثير. فمادة THC تخرج من مجرى الدم بسرعة بعد التدخين، ولا يوجد ارتباط يذكر، إن وُجد، بين تركيز THC في الدم والضعف الإدراكي. وفي الأشخاص الذين يستخدمون القنب ولو من حين لآخر، يمكن كشف THC في الدم لأيام، وأحياناً أسابيع، بعد آخر استخدام، وخاصة لدى المستخدمين الأكثر تكراراً. وهذا يحدث بعد وقت طويل من زوال أي ضعف حاد.”
وتشير الدراسات إلى أن الضعف بعد تدخين القنب يستمر عادة من ثلاث إلى خمس ساعات. أما عند تناوله عن طريق الأكل، مثل الحلويات أو الأطعمة المحتوية على القنب، فإن الضعف يستمر لفترة أطول، عادة من ست إلى ثماني ساعات، وأحياناً أكثر. وقال ماركوت إنه بعد تناوله عن طريق الفم، يكون المستقلب 11-OH-THC غالباً أكثر ارتباطاً بضعف الوظائف الإدراكية من THC نفسه، الذي قد يكون موجوداً بتركيزات أقل.
وليس من المستغرب أنه لا يوجد اختبار معتمد عالمياً للقنب يمكنه أن يقول بشكل قاطع: هذا الشخص غير قادر حالياً على قيادة طائرة بسبب الضعف الإدراكي.
وقد استجابت كندا لهذا الأمر بطريقة حازمة ومباشرة. فبعد تقنين القنب للاستخدام الترفيهي في عام 2018، فرضت هيئة النقل الكندية قاعدة تمنع أفراد أطقم الطيران ومراقبي الحركة الجوية من استهلاك القنب لمدة لا تقل عن 28 يوماً قبل بدء المناوبة. وقالت الهيئة التنظيمية إن القاعدة تهدف إلى معالجة حالات عدم اليقين المحيطة بالضعف الناتج عن القنب وكيفية كشفه. ويمكن لشركات الطيران فرض قواعد أكثر تشدداً.
وتقدم التجربة الأميركية في مجال الطيران تحذيراً آخر من الإفراط في تفسير الاختبار الإيجابي. فقد وجدت دراسة صادرة عن المجلس الوطني الأميركي لسلامة النقل (NTSB) عام 2026، تناولت الطيارين الذين لقوا حتفهم في حوادث طيران مدني أميركي بين عامي 2018 و2022، أن 52.8% منهم كان لديهم مخدر واحد على الأقل في أجسامهم، في حين أن 27.7% كان لديهم مخدران أو أكثر. وكانت مادة THC هي المحرك الرئيسي للزيادة في كشف المخدرات غير المشروعة. لكن المجلس شدد على أن الدراسة كانت حول وجود المخدرات، وليس حول ما إذا كان الطيارون في حالة ضعف إدراكي.