ألغى مؤسس مايكروسوفت، بيل غيتس، كلمته الافتتاحية في القمة الوطنية للذكاء الاصطناعي في الهند قبل ساعات من موعد صعوده إلى المنصة يوم الخميس. وأوضحت مؤسسة غيتس، في بيان، أن سحب المشاركة جاء “لضمان بقاء التركيز على الأولويات الأساسية للقمة”، فيما تأتي الخطوة وسط تجدد الانتباه إلى صلات قديمة بين غيتس والراحل المدان بالجريمة الجنسية جيفري إبستين.
ما الذي كان من المقرر أن يحدث؟
كان من المقرر أن يلقي غيتس كلمة موجزة لكنها بارزة تسلّط الضوء على الفرص والمخاطر التي يطرحها الذكاء الاصطناعي، ضمن قمة استمرت خمسة أيام تعرِض طموحات الهند في القطاع المتنامي، والذي تتوقع نيودلهي أن يجذب استثمارات تتجاوز 200 مليار دولار خلال العامين المقبلين. جذب الحدث حضور شخصيات رفيعة المستوى، من بينها رؤساء دول مثل إيمانويل ماكرون ولويز إيناسيو لولا دا سيلفا.
لماذا أصبح حضور غيتس مشكلة؟
في الأسابيع الأخيرة، أثارت نشرات ملفات إبستين التي أُفرج عنها في نهاية يناير تساؤلات حول مدى ملاءمة حضور غيتس، بعد أن ظهرت رسائل تحمل اسمه في الوثائق. ورغم أن الأمور بدت تسير كالمعتاد في مطلع الأسبوع، ونشرت مكتبة مؤسسة غيتس في الهند على منصة التواصل أن غيتس سيحضر “ويلقي كلمته كما هو مقرر”، أعلن لاحقاً بساعات أنه لن يلقي الخطاب وأن أنكور فورا، رئيس مكاتب المؤسسة في أفريقيا والهند، سيتولى إلقاء الكلمة بدلاً منه.
ما هي الروابط المزعومة بين إبستين وغيتس؟
اسم غيتس ورد في وثائق مرتبطة بإبستين أصدرتها وزارة العدل الأميركية في يناير. من بين هذه الوثائق مسودة رسالة ادّعى فيها إبستين أن غيتس كان على علاقة خارج الزواج وطالب مساعدته في الحصول على أدوية “للتعامل مع عواقب ممارسة الجنس مع فتيات روسيات”. لم يتضح إن كانت تلك الرسالة قد أُرسلت بالفعل، وغيتس ينفي ارتكاب أي خطأ. ووصفت مؤسسة غيتس هذه الادعاءات بأنها “عبثية بالكامل وكاذبة تماماً”.
ماذا قالت الحكومة الهندية؟
رد الهند الرسمي كان محدوداً للغاية. رغم دعوات من معارضين لتوضيح سبب توجيه الدعوة لغيتس، لم تتبنّ الحكومة تفسيراً واضحاً لانسحابه. نقلت بعض وسائل الإعلام المحلية عن مصادر حكومية غير مسماة أنه لن يحضر، لكن المسؤولين تجنّبوا شرح الأسباب. وزير التكنولوجيا أشويني فايسناو امتنع عن إجابة صريحة أمام الصحفيين، ومودي لم يشر إلى القضية في تصريحاته العامة.
لماذا تُعد ملفات إبستين قضية حساسة في الهند؟
الملفات جاءت بعد سلسلة إفصاحات أججت انتقادات ضد حكومة مودي. في إحدى الرسائل، أشار إبستين إلى زيارة مودي التاريخية لإسرائيل في يوليو 2017 بطريقة استدعت انتقادات المعارضة التي تتهم مودي بتقليص دعم الهند للقضية الفلسطينية بعد عقود من الموقف المؤيد للفلسطينيين. ردّت وزارة الخارجية الهندية بشدة على سطور الرسالة، ووصفتها بأنها “تأملات رخيصة” من مجرم مدان تستحق الازدراء. ومع ذلك، ظل السحابة حول الملف تؤثر على النقاش العام، خصوصاً بعد ظهور تبادلات بريدية بين إبستين ووزير النفط الحالي هارديب سينغ بوري تبين تواصلاً متكرراً بعد انضمام بوري إلى حزب بهاراتيا جاناتا عام 2014، ما أثار تساؤلات حول مدى عمق العلاقات.
عمل غيتس ومؤسسته في الهند
لطالما كانت مؤسسة غيتس شريكاً أساسياً في القطاعات الصحية والتنموية في الهند، داعمةً حملات تطعيم وبرامج للوقاية من الأمراض وتحسين الصرف الصحي. لكن غيتس واجه أيضاً انتقادات صاخبة؛ من بينها اتهامات بنهج “فيلانثرو-إمبريالي” من ناشطة البيئة فندانا شيفا، التي ترى أن نفوذ المليارديرات يُستخدم للتحكم في نظم الغذاء العالمية. كما تعرض لانتقادات بعد حلقة بودكاست عام 2024 قال فيها إن الهند “نوع من المختبر لتجربة أمور… وعندما تثبت جدواها هناك يمكن نقلها إلى أماكن أخرى”، وهو ما فُسّر من قبل بعض النقاد على أنه مقاربة استغلالية للتنمية.
فضائح القمة الأخرى: روبوت صيني ومشكلات لوجستية
لم تخلُ القمة من حوادث أخرى. عرضت جامعة جالغوتياس نموذجاً لكلب روبوتي باسم «أوريون» وادّعت أنه ابتكارها، لكن مستخدمي الإنترنت سرعان ما كشفوا أنه منتج تجاري صيني متوافر في الأسواق، فتدخّل المنظمون وطالبوا الجامعة بإخلاء جناحها. كذلك واجهت الفعالية مشكلات تنظيمية في يوم الافتتاح، بما في ذلك طوابير طويلة وارتباك حول إجراءات الدخول وحتى إغلاق طرق للمرور من أجل تأمين مرور كبار الشخصيات، ما اضطر جموع الحضور للمشي مسافات طويلة. وذُكر أيضاً تعرض أجهزة معروضة للسرقة من أحد الأجنحة، وأفادت تقارير بأن عاملين تم توقيفهما لاحقاً اشتُبه في سرقتهما.
الخلاصة
حفل الذكاء الاصطناعي في الهند الذي كان مقرراً أن يكون منصة لعرض طموحات نيودلهي الاقتصادية والتقنية تحوّل إلى مسرح لجدل سياسي ودبلوماسي، بين تداعيات أسرار ماضي مرتبط بإبستين، وانتقادات لإدارة الحدث نفسه، ما أثّر في الصورة العامة للقمة وأثار تساؤلات عن الضوابط والمعايير المتبعة عند استدعاء شخصيات عامة للحديث في مناسبات دولية.