في انفصال عن فرنسا.. مدارس الجزائر تختار شكسبير على موليير

قضى أحمد كريم ثلاثين عاماً في تدريس اللغة الإنجليزية في المدارس المتوسطة بالجزائر. والآن، بعد تقاعده، يتابع الرجل البالغ من العمر ستين عاماً اللغة التي أحبّها وهي ما تزال ترزح خلف الفرنسية، لغة المستعمر، في مكانتها كلغة ثانية في البلاد. لطالما كانت الإنجليزية أقل قيمةً من الفرنسية، التي ظلت حاضرة في كل حوار بعد ستة عقود من الاستقلال.

وفي 25 يوليو/تموز، أعلن وزير التربية الجزائري محمد صغير سعداوي أن الإنجليزية ستصبح اللغة الأجنبية الوحيدة التي تُدرَّس في السنة الثالثة من المرحلة الابتدائية في العام الدراسي 2026-2027. أما الفرنسية فستُؤجَّل إلى السنة الرابعة، ما ينهي هيمنتها على حصص اللغات الأجنبية في المدارس الجزائرية. وابتداءً من الشهر المقبل، سيكون أطفال الثامنة من العمر في مختلف أنحاء الجزائر أول من يتعلم الإنجليزية قبل الفرنسية.

وقال كريم للجزيرة: «إنه قرار جيد جداً، لكنه يتطلب تفكيراً وتخطيطاً وموارد». ويأتي هذا القرار ضمن أولى خطوات الرئيس عبد المجيد تبون لإصلاح اللغة في الجزائر، وهي الخطة التي عرضها أول مرة عام 2022 مع إدخال الإنجليزية إلى المدارس الابتدائية. ومنذ ذلك الحين، بدأت كليات الطب والعلوم تتحول من الفرنسية إلى الإنجليزية. كما اختفت الفرنسية من بعض فواتير الخدمات وتذاكر الخطوط الجوية الجزائرية، وبدأت اللوحات الإرشادية على الطرق تعرض الإنجليزية إلى جانب العربية، وأصبحت مواقع الوزراء تتوفر على خيار الإنجليزية أيضاً.

إن التحول من الفرنسية إلى الإنجليزية بوصفها اللغة الثانية في الجزائر تحولٌ شامل وبنيوي. وهو يأتي في خضم أخطر أزمة دبلوماسية بين الجزائر وفرنسا منذ الاستقلال عام 1962. ففي يوليو/تموز 2024، أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تأييده العلني لمطالب المغرب بالسيادة على الصحراء الغربية. والجزائر، التي تدعم جبهة البوليساريو وتستضيف أكثر من 170 ألف لاجئ صحراوي، اعتبرت ذلك استفزازاً كبيراً. وقد أدى هذا وغيره من الخلافات إلى طرد الجزائر دبلوماسيين فرنسيين، والعكس صحيح. وتسارعت وتيرة استبدال الفرنسية بالإنجليزية بعد أن تفاقمت الأزمة الدبلوماسية.

يقرأ  تتواصل جهود إنهاء الحرب في ظل تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران

## فصل دراسي بلا معلمين كافيين

قد تحتاج الجزائر إلى إعادة النظر في نظامها التعليمي ككل. يقول كريم: «أولاً وقبل كل شيء، يجب إعادة إنشاء مراكز التكوين المتخصصة، وألا يُجبَر المرشحون على دخول مهنة التدريس دون رغبة منهم؛ فنحن بحاجة إلى من يريد هذا العمل حقاً». ويشير إلى المعاهد المتخصصة التي أُنشئت بعد الاستقلال، حيث تدرّب معلمو الابتدائي والمتوسط، مثله، وفق نموذج يجمع بين التكوين النظري والتدريب العملي المباشر في المدارس، وذلك لسد النقص في معلمي اللغة العربية. وظلت هذه المراكز تعمل حتى أواخر التسعينيات، حين حلّت الأزمة الاقتصادية وأُغلقت المراكز، وحلّت محلها المدارس العليا للأساتذة، وهي أقل عدداً وأكثر انتقائية. ومعظم المعلمين اليوم خريجو جامعات، لكنهم يفتقرون إلى التكوين العملي الذي يقوم على الصف المدرسي، والذي كان النموذج القديم يوفره.

وأضاف كريم أن المناهج المدرسية يجب أن تُصمَّم وتُسند إلى «جهة مؤهلة تضم خبرات لغوية وتربوية، بعيدة عن أي إيديولوجيا».

أما الصحفي والمحلل نور الدين بسادي فيرى أن البعد الإيديولوجي مهم في الجزائر، التي أطاحت بالاستعمار بعد نضال دموي ومرير ضد الفرنسيين. وقال بسادي للجزيرة: «منذ الاستقلال عام 1962، كان كل تحول في سياسة اللغة محل صراع على أسس سياسية بقدر ما هو تربوي». وأضاف أن حملة التعريب بعد الاستقلال، حين أُزيلت الفرنسية من الحكومة والتعليم، كانت «جزءاً من بناء الدولة وفرض الهوية الجزائرية، مع جعل العربية والإسلام في المركز». وأشار بسادي إلى أن الأمازيغية، وهي لغة غير سامية يتحدثها نحو ربع سكان الجزائر، ظلت مهمشة حتى عام 1995، بسبب «تصور أيديولوجي للوحدة يضع الانسجام اللغوي والثقافي في المقدمة».

ويرى منتقدون أن الانتقال من الفرنسية إلى الإنجليزية يحدث أسرع من قدرة المنظومة على مواكبته. فمن المعتقد مثلاً أن عدد معلمي الإنجليزية المؤهلين لا يكفي لإنجاح هذه الإصلاحات. غير أن مصدراً مطلعاً على الأمر قال للجزيرة إن هناك عدداً كافياً من المعلمين لتنفيذ هذا البرنامج في المدارس الابتدائية، وإن أي نقص يمكن سده عبر معلمين متعاقدين. وفي فبراير/شباط، أوردت تقارير أن وزارة التربية الجزائرية وظفت نحو 15 ألف معلم لغة إنجليزية للمدارس الابتدائية.

يقرأ  مجلس الشيوخ يفشل في إعادة فتح الحكومة بعد التصويت الخامس على الميزانية

رفيق لعساب، محاضر في اللغة الإنجليزية بجامعة مولود معمري في تيزي وزو، ينظر إلى إصلاح المدرسة الابتدائية بتفاؤل حذر، لكنه يعتبر الدفع الموازي لتدريس المواد الجامعية بالإنجليزية متسرعاً وسيئ التنفيذ. وقال لعساب: «بصراحة، وبعيداً عن أي شوفينية، أعتقد أن هذا القرار إيجابي… أعتقد أن هناك اليوم ما يكفي من التأطير والتقييم انطلاقاً من التجربة الأولى»، في إشارة إلى إدخال الإنجليزية سابقاً في سنوات لاحقة من المرحلة الابتدائية.

وقد أسفرت التجربة الجامعية التي بدأت في 2023-2024 عن ساعات تدريس غير كافية، وغياب تقييم حقيقي لمستويات الطلاب في الإنجليزية، وعدم تتبع تقدمهم. كما أن نحو 50 بالمئة من التدريس في قسم الإنجليزية بجامعة تيزي وزو يقوم به معلمون متعاقدون أصغر سناً، وهو ما يطرح تحديات أخرى. وقال: «يجب على المعلم المتعاقد الشاب أن يتقن المبادئ الأساسية للطب أولاً، قبل أن يحاول تدريس المصطلحات الطبية بالإنجليزية».

## تكافؤ الفرص

حالياً، لا يبدأ الأطفال تعلم لغة أجنبية إلا في السنة الثالثة من المدارس الابتدائية الحكومية، في حين تُدرَّس لغات متعددة في المدارس الخاصة منذ مرحلة الروضة. أما جمال مراح، الذي التحقت ابنته بمدرسة خاصة قبل انتقالها إلى الثانوية العامة، فقد درست العربية والفرنسية والإنجليزية معاً منذ الروضة. ويرحب مراح بإصلاحات الحكومة اللغوية في المدارس الابتدائية الحكومية، التي ستتيح لمزيد من الأطفال فرصة تعلم الإنجليزية. وقال: «هذا يعالج مسألة الفجوة في الفرص بين الأطفال الذين يحصلون على تعليم متعدد اللغات منذ البداية، وأولئك الذين لا يحصلون على الفرصة نفسها في المدارس العامة».

## حضور شكسبير يتزايد على الرفوف

ويبدو أن هناك استجابة أكثر عفوية لدى الجمهور، تسبق تشجيع الحكومة للغة الإنجليزية. كريمو طالب، بائع كتب في مكتبة «الفكر الحر» في تيزي وزو، لاحظ نمواً في مبيعات الكتب الإنجليزية، ولا سيما بين القارئات. وقال: «في رأيي، لا علاقة لهذا بقرارات الحكومة. أغلب القراء الشباب اليوم يتحدثون ثلاث لغات بطلاقة». وابنته، وهي تلميذة في المرحلة المتوسطة، تقرأ بطلاقة بالعربية والإنجليزية والفرنسية. في المكتبات الجزائرية، صار الشباب يبتعدون عن الفرنسية ويتجهون إلى الإنكليزية، لكنهم لا يقرؤون الكلاسيكيات بقدر ما ينجذبون إلى الروايات المعاصرة والعناوين الشعبية الرائجة.

يقرأ  ١٠٠ نكتة عن الديناصورات للأطفال — مضحكة وسخيفة بطريقة مرحة!

يقول تالب، صاحب مكتبة، إن المتاجر كانت في السابق توفّر لطلاب الأدب الإنكليزي أعمال شكسبير، أما اليوم فهناك تشكيلة واسعة من الكتب الإنكليزية الموجّهة إلى القارئ العادي.

غير أن الفرنسية ما زالت اللغة الأجنبية الأكثر نفوذاً في الجزائر. ووفقاً للمنظمة الدولية للفرنكوفونية، هناك نحو 15 مليون ناطق بالفرنسية في البلاد، أي ما يقارب ثلث السكان.

ولا توجد حتى الآن صحيفة واحدة تصدر بالإنكليزية، والكتابة بالإنكليزية من طرف الجزائريين ما تزال في مراحلها الأولى.

لكن هناك علامات على أن مستعمرات سابقة بدأت تدير ظهرها للإرث اللغوي الفرنسي، خاصة في أفريقيا، حيث عاد الوجود العسكري والسياسي لباريس إلى الظهور في العقود الأخيرة.

ففي مارس 2025، انسحبت مالي والنيجر وبوركينا فاسو من المنظمة الدولية للفرنكوفونية، متهمة إياها بأنها أداة سياسية في خدمة باريس.

ويضيف بسادي أن مالي جعلت لغاتها الوطنية رسمية في عام 2023، وأخفضت الفرنسية إلى مجرد لغة عمل، وفعلت بوركينا فاسو الأمر نفسه في السنة نفسها، followed ذلك النيجر في 2025. وحتى السنغال، التي لم تُلغِ الفرنسية كلغة رسمية، بدأت تشجع اللغات المحلية على حسابها.

أما كريم فيرى أن الطموح اللغوي للجزائر ليس بعيد المنال، لكن نجاحه يتطلب “الموارد الضرورية والشفافية”.

أضف تعليق