في مدينة غزة، وتعاني من حرارة قاسية داخل خيمة نزوح شمالي القطاع، تحاول منى المصري أن تخطط يومها بيوم، دون أن تنظر بعيدًا إلى الغد.
منى أرملة، وأم لأربعة أطفال تتراوح أعمارهم بين التاسعة وسنتين. زوجها محمد قُتل في غارة إسرائيلية في سبتمبر/أيلول 2024.
بين جدران من القماش لا توفر حماية تذكر، تحمل منى مسؤولية أسرة أنهكتها الحرب والحصار، وفقدان الأمان الذي رافق حياة النزوح.
تبدأ منى صباحها كل يوم وهي تحاول تأمين احتياجات أسرتها الأساسية، بالبحث عن الماء، وترتيب الطعام، ومحاولة حماية أطفالها من واقع لم يعد يشبه الحياة التي عرفوها قبل اندلاع الحرب في 2023. وتقول إن أكثر ما يؤلمها ليس فقط صعوبة العيش، بل شعورها بأنها صارت وحدها مطالَبة بمواجهة كل تفاصيل الحياة اليومية.
تقول منى: “لا توجد حياة طبيعية داخل الخيمة، كل يوم يبدأ بالأسئلة نفسها: كيف نؤمّن احتياجاتنا؟ وكيف نُكمل يومًا آخر في هذا التعب؟ الحرب لم تأخذ بيوتنا فقط، بل أخذت إحساسنا بالأمان والاستقرار، وصارت أبسط الأشياء تحتاج إلى جهد هائل”.
## أرقام في ارتفاع
منى واحدة من آلاف النساء في قطاع غزة اللواتي وجدن أنفسهن أمام أدوار جديدة فرضتها الحرب، بإدارة شؤون أسرهن بمفردهن.
وفق بيانات وزارة التنمية الاجتماعية في غزة، ارتفع عدد الأرامل في القطاع إلى أكثر من 50 ألفًا. ويشمل هذا الرقم 28,224 امرأة ترملن بسبب الحرب، إضافة إلى أكثر من 22,500 أرملة كن مسجلات لدى الوزارة قبل الحرب.
وتقول عزيزة الكالوط، المتحدثة باسم وزارة التنمية الاجتماعية في غزة، إن العدد مرشح للزيادة، لأن عددًا من الأرامل لم يُسجَّلن بعد.
وتضيف: “الحرب تركت هؤلاء النساء في مواجهة واقع صعب، منهن من تحملن مسؤولية إعالة أسرهن دون معيل، وسط دمار واسع وانهيار الشروط الأساسية لحياة كريمة”.
وتشير إلى أن هذا “يتطلب برامج فعالة للتمكين الاقتصادي، وخلق فرص عمل، وتعزيز الاعتماد على الذات، لمساعدتهن على الخروج من دائرة الفقر والحرمان”.
وتؤكد الكالوط أن احتياجات الأرامل لا تقتصر على الدعم المالي، بل تشمل المساندة النفسية والاجتماعية، والرعاية الصحية، والمساعدة القانونية المتعلقة بالوصاية والحضانة والحقوق المالية والميراث.
وتقول: “حماية الأرامل وتمكينهن في غزة أصبحت مسؤولية وطنية وإنسانية مشتركة، وتتطلب استجابة عاجلة ومستدامة”.
## دعم نفسي
فقدان الزوج أثناء الحرب لم يحرم آلاف النساء من شريك الحياة فقط، بل صاحبه نزوح وتهجير، وتدمير بيوت، وفقدان استقرار.
توضح أسهل أبو شويش، الأخصائية النفسية، أن فقدان الزوج في الحرب تجربة صادمة ذات أثر نفسي واجتماعي عميق على الأرامل وأطفالهن. وتلفت إلى أن كثيرات ممن فقدن أزواجهن وجدن أنفسهن أمام مسؤوليات جديدة ومتزايدة، وفي الوقت نفسه يحاولن التعامل مع أوجاعهن الخاصة.
وتقول: “الأرملة في غزة تواجه ألم فقدان زوجها، ومسؤولية إعالة أسرتها، ورعاية أطفالها في بيئة مليئة بالخوف وعدم الاستقرار”.
وتضيف: “كثير من النساء يُجبرن على إخفاء حزنهن وانهيارهن النفسي حتى يستطعن الاستمرار أمام أطفالهن، وتراكم الضغوط اليومية وعدم وجود مساحة للتعبير عن الألم يزيدان مستويات القلق والإرهاق النفسي”.
وتوضح أبو شويش أن الأطفال في الأسر التي فقدت أحد الوالدين يتأثرون أيضًا بعمق، خصوصًا عندما يرافق فقدان الأب نزوح وتدهور في أوضاع العيش.
وتقول: “الطفل يفقد أباه، ويفقد إحساسه بالأمان والاستقرار. وقد تظهر عليه علامات خوف دائم، واضطرابات في النوم، وتغيرات سلوكية نتيجة ما مرّ به من تجارب قاسية”.
وتؤكد الأخصائية أن احتياجات الأرامل تشمل الدعم المالي، إلى جانب خدمات الدعم النفسي والاجتماعي، لمساعدتهن على التكيف مع الأدوار الجديدة التي فرضتها الحرب.
وتختم: “هؤلاء النساء يحتجن إلى دعم مستمر يساعدهن على استعادة الإحساس بالأمان، والقدرة على إدارة حياتهن وأسرهن في هذه الظروف الصعبة”.