دير البلح، قطاع غزة — بوجهٍ يشي بالتعب، ترتب سجا المصري ما تيسر من متاعها داخل الخيمة التي جهّزها خطيبها محمد أهليوات لحفل زفافهما المرتقب بعد أيام قليلة.
خيمتهما تضم فرشتين رقيقتين بدل سرير ملائم، ركن طهي بسيط مبنيّ من خشب وقطع قماش، ومرحاض مؤقت أقامه محمد من قصاصات الخشب والألواح البلاستيكية. الترتيبات متواضعة إلى حدّ الألم، لكن تكلفتها أرهقت الشاب.
تزوجا ومخطوبتهما منذ سنة بينما عائلتاهما ناجيتان من التهجير؛ لا يزالان يقيمان في مخيم نزوح بدير البلح بعد أن قلبت الحرب حياتهما رأساً على عقب. سجا قبلت مهرًا متواضعًا، لكن محمد مضطر لدفعه أقساطًا.
يقول محمد لِـ«الجزيرة»: «اشتريت الخيمة بـ1500 شيكل (نحو 509 دولارات)، والخشب كلفني حوالي 2500 شيكل (850 دولاراً)، والغطاءات تجاوزت 2000 شيكل، والحمّام البسيط كلف نحو 3000 شيكل». قبل الحرب كانت الشقق تُؤجّر بما يتراوح بين 250 و300 دولار شهريًا.
لم يسبق لمحمد أن تخيل أن بدايته الزوجية ستكون في خيمة، ومع ذلك ثمن هذه البساطة باهظ. يعمل بأعمال متفرقة: يبيع الخبز والعلب، ويصلّح الدراجات، لكن أجره بالكاد يكفي قوت يومهم. «حاولت أدّخر قليلاً للزفاف، لكن الأسعار مرتفعة لدرجة كأنني أجهز حفلًا فخمًا»، يضيف.
قبل اندلاع الحرب كان محمد يقطن بيتًا مكونًا من سبع طبقات في النصرة ببريج، ويمتلك شقة مفروشة مساحتها 170 متراً مربعاً. «عندما أتذكر شقتي التي دمرتها الحرب أشعر بحزنٍ غائر … إخوتي وكلٌّ منا كان لديه شقة مجهزة قبل الزواج»، يقول محمد مُبديًا مرارة الخسارة: «كنا نمتلك استقرارًا ومزارع دواجن كانت تزود مناطق عدة في غزة. اليوم أَتزوّج في خيمة».
استأجر محمد مكانًا صغيرًا كان يعمل مقهى لإقامة حفل بسيط لعدم قدرته على دفع إيجار قاعة أعراس. «صديق ساعدني على استئجار هذا المكان البسيط بـ1500 شيكل. المبلغ ليس بالقليل رغم بساطة المكان؛ أما قاعات الأفراح فتتجاوز 8000 شيكل»، يشرح.
هذا الوضع ليس استثناءً في غزة؛ كثير من الأعراس تُقام الآن في خيم، بحد أدنى من التجهيزات، في ظل ارتفاع جنوني للأسعار وانهيار في سُبُل العيش بفعل الحرب والأزمة الاقتصادية المصاحبة. وصلت نسبة البطالة إلى نحو 80% بحسب وزارة العمل بغزة، ونسب الفقر قفزت إلى 93%.
تحضيرات ناقصة
تمسك سجا بدموعها وهي تستمع لخطيبها. ما كان يفترض أن يكون أسعد أيام حياتها بدا ناقصه، وليس لديها ما تذهب به عن كاهل محمد. تعلم أن الظروف خارجة عن إرادتهما، فحاولت أن تظلّ هادئة، لكن ضيق الخيارات عند اقتناء فستان الزفاف أقضّ مضجعها.
محلات تأجير الفساتين طلبت أسعارًا فلكية — أكثر من 2000 شيكل لليلة واحدة. تقول سجا: «الجميع يبرر بأن المعابر والبضائع والتنسيق أغلى الآن، فكل شيء أصبح مبالغًا فيه».
في محاولة للخروج من المأزق أحضر محمد فستانًا بسيطًا من معارفه «فقط ليتم الزفاف»، وضعها هذا في «خيار مؤلم»، حسب وصفها. «جربت الفستان البارحة وانهرتُ بالبكاء. كان مهترئاً، ممزقًا عند الحواف وقديمًا»، تقول سجا بصوتٍ ينكسر. «نمْت الليلة الماضية والدموع على خديّ… لكن لا شيء نستطيع فعله. هذا المتاح».
تأخّر الزفاف سنة كاملة بعد تأجيلات متكررة بسبب نقص التجهيزات. «الوضع لا يتحسّن… بل يزداد سوءًا. في كل مرة نقرر الانتظار لا يتغيّر شيء، لذا قرّرنا الزواج الأسبوع المقبل»، تضيف، وهي التي درست التصميم الجرافيكي سنة واحدة قبل أن تقطع الحرب مشوارها الدراسي.
من بيت حانون مرورًا بغزة المدينة وانتهاءً بدير البلح، تنقّلت العائلة ولم تجد مأمنًا ثابتًا. ليست الفستان وحده موجب القلق؛ أسعار صالونات التجميل تقارب 700 شيكل لتحضير العروس، مع غياب لمواد التجميل وارتفاع تكلفة الكهرباء والمازوت. «يقولون إن مستلزمات التجميل نادرة وغالية… والناس مثلنا هم من يدفع الثمن»، تتساءل سجا: «ماذا فعلنا لِنستحق هذا؟».
لا طعم للفرح
تتدخل أم سجا، سميرة المصري (49 عامًا)، محاولةً مواساتها: الأوضاع متشابهة للجميع في غزة، حيث نزح أغلب الفلسطينيين المحجرين عن منازلهم التي دمرتها الحرب، وقتل أكثر من 72 ألفًا منذ أكتوبر 2023. «أزّجت أربع بنات: إلهام وهدى وأميرة والآن سجا، في الحرب، بلا فرح»، تقول سميرة بصوتٍ مرتعش. «كل زفاف كان كأنه مأساة بالنسبة لي».
تصف الأم حزنها العميق لأنها لم تستطع أن تمنح بناتها احتفالًا يليق بأحلامهن: «كما ترين لا توجد ملابس كافية، لا أغراض لائقة للعروس… لا فستان مناسب، ولا خزانة ملابس ولا سرير». بينما تساعد سجا في ترتيب متاعها القليل داخل الخيمة.
يشير محمد إلى أن أثاث غرف النوم الآن يتراوح ثمنه بين 12 ألفًا و20 ألف شيكل — في حين كانت مجموعات الأثاث تُكلف قبل الحرب حوالي 5000 شيكل. «أسعار لا تُصدّق، والبضائع بالكاد متاحة في السوق»، يختم، فيما يواصلان ترتيب نهاياتٍ بسيطة لحياة مشتركة تبدأ في ظل ظروف استثنائية. اكتفينا بمراتب على الأرض.
لا بوادر تحسّن
في غزة، باتت حفلات الزواج خالية من الفرح؛ أصبحت محطات ألم تتكرر بلا هوادة.
رغم رغبتها الفطرية كأم أن تحتفل بابنتها وتمنحها بداية تليق بكرامتها، تجد سميرة نفسها عاجزة، حتى عن أن اطلب من العريس المزيد.
«الوضع غير طبيعي… لا أستطيع أن أضغط عليه أو أسأله ماذا أحضر أو ماذا لم يحضر. الكل يعرف الحال… كلنا نعيشه.»
ولا تقتصر همومها على بناتها؛ بل تمتد إلى ابنها البالغ ستًّا وعشرين عاماً، الذي يقترب من الزواج.
«أضع نفسي وابني مكان العريس: ماذا لديه؟ لا شيء. نفس الحال. كلما رأيت التكاليف ترددت عن ترتيب زواجه.»
وسط هذا الواقع، تعبر سميرة عن حزنٍ عميق على الشباب والفتيات الذين يحاولون إتمام زفاهم اليوم.
«أسأل الله أن يعينهم… أيامنا كانت أسهل بكثير… حتى أبسط المصاريف صارت فوق طاقتنا.»
ومع تحول زواجها من لحظة فرح إلى مواجهة قاسية مع الواقع، تحاول سجا أن تحافظ على تماسكها رغم غياب الخيارات الحقيقية.
تعترف أنه ليس بالأمر السهل، لكن وجود محمد إلى جانبها يمنحها قوّة.
«أحيانًا أشعر أنها بداية بائسة… لكن عندما أرى محمد إلى جانبي أتخطى حزني،» تقول مبتسمة خفيفة وهي تحدّق في زوجها المستقبلي.
لا دلائل تشير إلى تحسّن وشيك للثنائي، ومع ذلك يحاولان الموازنة بين قسوة الواقع وهشاشة الأمل.
«أشعر أن الأمور ستبقى كما هي، كما كُتِب لنا، ننتقل من خيمة إلى أخرى.»