«لا جبال ولا محيطات تفصل بين البشر الذين يتشاركون طموحات واحدة»، هكذا قال الرئيس الصيني شي جينبينغ في خطاب ألقاه في يوليو 2024 أمام قادة دول منظمة شنغهاي للتعاون ودول أخرى في أستانا بكازاخستان.
في ذلك الحين بدا القول التقليدي الصيني مبالغا فيه ومنفصلا عن الواقع: مردهاد ناريندرا مودي، رئيس وزراء الهند، إحدى الدول الكبرى في المنظمة، لم يكن حاضرا في قمة المنظمة آنذاك، مبرِّرا غيابه بانعقاد جلسة للبرلمان — ما فُسّر على أنه تجاهل للمنظمة التي تقودها بالأساس بكين وموسكو.
لكن بعد عام تبدو الخريطة الجيوسياسية مختلفة تماماً: الصين تستعد لاستضافة قمة المنظمة السنوية بدءاً من يوم الأحد، وتتوقع حضورا أوسع من زعماء إقليميين ودوليين. مودي سيزور الصين لأول مرة منذ 2018 في سياق تقارب بدأ أواخر العام الماضي وتسارعت وتيرته بعد فرض الولايات المتحدة رسوماً جمركية بنسبة 50% على سلع هندية، ما دفع نيودلهي إلى تكثيف شراكاتها مع بكين ولاعبين آخرين في يوراسيا.
في وقت يطغى فيه اضطراب السياسات التجارية والتهديدات الأمريكية على المشهد الدولي، يتوقع محلّلون أن تكون قمة شنغهاي منصة للرئيس شي لإظهار بلاده كقوة مستقرة قادرة على حشد دول الجنوب العالمي لمواجهة توازن النفوذ الغربي، وخصوصا الولايات المتحدة.
الموقع والحضور
القمة ستُعقد هذا العام في تيانجين شمال الصين على ساحل بحر بوهـاي، خلال الفترة من 31 أغسطس إلى 1 سبتمبر. أعلنت بكين أن أكثر من عشرين زعيماً أجنبياً ورؤساء عشر منظمات دولية سيتجمعون في القمة. من بين الحاضرين قادة دول المنظمة الرئيسية مثل الهند وروسيا وإيران وباكستان وروسيا البيضاء وكازاخستان وأوزبكستان وقرغيزستان وطاجيكستان؛ كما من المتوقع مشاركة رؤساء دول مثل رجب طيب أردوغان، القائد العسكري الميانماري مين أونغ هلاغ، رئيس وزراء نيبال ك. ب. شارما أولي، رئيس إندونيسيا برابوو سوببيانتو، رئيس وزراء ماليزيا أنور إبراهيم، ورئيس جزر المالديف محمد مويزو. كما سيحضر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش وأمين عام رابطة دول جنوب شرق آسيا كاو كِم هورن.
أهمّية المنظمة وتطورها
نشأت مجموعة شنغهاي في 1996 كمنتدى أمني أُطلِق عليه اسم «خماسة شنغهاي» لتسوية نزاعات حدودية بعد تفكك الاتحاد السوفييتي. تطورت إلى منظمة شنغهاي للتعاون في 2001 مع إضافة أوزبكستان ومقرّها في بكين، ثم اتسعت في 2017 لتشمل الهند وباكستان، ولاحقاً أُضيفت إيران وروسيا البيضاء كأعضاء كاملين في 2023 و2024 على التوالي. بالإضافة إلى ذلك تربط المنظمة علاقات حوار مع 14 شريكا، من بينهم السعودية ومصر وتركيا وميانمار وسريلانكا وكمبوديا.
تمثل دول المنظمة نحو 43% من سكان العالم وما يقرب من 23% من الاقتصاد العالمي. ومع ذلك، يلحظ باحثون أن رؤية وهوية المنظمة لا تزال غير متكاملة، وأنها إحدى تجليات تنوع التعددية الدولية التي برزت بعد صعود اقتصادات الجنوب مثل الصين والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا.
الهوية والرسائل
توسّع مهام المنظمة لتشمل قضايا اقتصادية وتجارية إلى جانب الأمن الإقليمي يجعل من الصعب تحديد ما يميّزها عن منتديات أخرى مثل مجموعة البريكس. حتى الآن تبدو المنظمة في طور البحث عن هويتها، حيث تُروّج لفكرة «الأمن غير القابل للتجزئة» التي تفيد بأن أمن دولة لا ينبغي أن يُبنى على حساب أمن دول أخرى — رؤية تقف في تناقض واضح مع مفهوم الأمن الجمعي القائم على التحالفات كما في حلف شمال الأطلسي. رسالتها، بحسب محللين، تتجه أيضاً لتأكيد مناطق تأثير وسيادة مصالح الدول الكبرى الإقليمية في مواجهة المطالب الأميركية.
الزمن والملاءمة السياسية
تعقد هذه القمة في ظل حروب وأزمات إقليمية ودولية: الحرب الروسية في أوكرانيا، الهجوم الإسرائيلي على غزة والامتداد الأمني في الضفة الغربية، توترات في جنوب آسيا والمحيط الهادئ، وحرب تجارية أميركية بعقوبات على واردات رئيسية. في ظل هذا التحول، من المرجح أن تسعى الصين وروسيا لتقديم رؤية متعددة الأقطاب كخريطة طريق، بينما تروّج المنظمة لنموذج تعددي يرفض الأحادية.
الأبعاد الرمزية مهمة هنا: استضافة بكين لمثل هذا اللقاء تمنحها فرصة إبراز علاقات بناءة مع عدد كبير من الدول في وقت تتدهور فيه علاقات الولايات المتحدة مع كثير من شركائها. ولا يخفى أن القمة تتزامن قريباً مع عرض عسكري كبير في بكين بتاريخ 3 سبتمبر لإحياء ذكرى نهاية الحرب العالمية الثانية في آسيا — حدث سيمثل جزءاً مهماً من المشهد البصري لدبلوماسية استضافة شي للقادة العالميين. من المتوقع أن يبقى عدد من القادة المشاركين من أجل حضور العرض العسكري، وربما يحضر زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون كذلك، ما يعزز من الطابع البصري والسياسي لهذا التجمع.
القضايا الخلافية داخل المنظمة
تظهر الانقسامات عندما يتعلق الأمر بمواقف واضحة حول قضايا جوهرية. روسيا نجحت في توجيه مواقف بعض الأعضاء لصالحها في ملف أوكرانيا، بينما حاولت الهند الحفاظ على توازن يكفل علاقاتها مع كييف وفي الوقت نفسه استمرار مشترياتها القياسية من النفط الروسي. في ملف غزة والضفة، انقسمت المواقف كذلك؛ فعندما أصدرت المنظمة بياناً هذا العام يُدين هجوماً إسرائيلياً على إيران، امتنعَت الهند عن التوقيع في خطوة تعكس ارتباطاتها القوية أيضاً مع إسرائيل. كما تتواصل التوترات بين الهند وباكستان، وفي مناسبات رفضت الهند توقيع بيانات مشتركة عندما لم تُدن المنظمة اعتداءات حدودية اتهمت نيودلهي باكستان بالوقوف خلفها.
أسباب الانقسام
الأعضاء يجتمعون على منصة واحدة لكن لأهداف مختلفة: دول آسيا الوسطى دخلت سعياً للأمن وتعزيز التبادل الاقتصادي مع الصين، والهند جاءت بمقصد محاربة الإرهاب الإقليمي وتأمين مصالحها. لذلك، ومع رغبة بكين في إبراز صورة الوحدة، يبقى احتمال أن تغلب الرمزية على الإنجازات الملموسة. كثيرون يتوقعون أن تكون القمة أكثر عن المشهدية والبروباغاندا لصالح عرض قوة مشترك من روسيا والصين على مساحة أوراسيا —القمة القمة — بدلاً من اتفاقات استراتيجية عميقة.
ما الذي تعنيه القمة للولايات المتحدة؟
في ظل سياسات إدارة ترامب اللامتسامحة مع مؤسسات الجنوب، وتهديده بفرض رسوم على أعضاء مجموعات مثل البريكس، ستراقب واشنطن القمة عن كثب. قد تُعطي نتائجها مؤشراً على مسار القمم المقبلة، مثل قمة الرباعية (الـ«كواد») التي تستضيفها الهند لاحقاً، والتي تضم الولايات المتحدة واليابان وأستراليا والهند وتعمل في الأصل كإجابة على صعود الصين في المحيط الهادئ. فرض الولايات المتحدة رسوماً على واردات هندية —وخاصة النفط الروسي— يجعل لقاء مودي مع شي في تيانجين محل متابعة دولية، إذ ستبحث واشنطن عن رسائل توضح إلى أي مدى قد يتغير إيقاع علاقاتها مع نيودلهي.
ختاماً، تبدو قمة شنغهاي هذا العام مناسبة لإعادة رسم الخطاب السياسي الدولي من منظور متعدد الأقطاب؛ لكنها في الغالب ستكون حدثاً رمزياً تُسوّق من خلاله الصين وروسيا قدرة تحالفاتهما الإقليمية والدولية على تحدي الأحادية والهيمنة الغربية، فيما تراقب الولايات المتحدة وحلفاؤها ما ستسفر عنه اللقاءات الثنائية والرسائل التكتيكية بين الحضور.