صعود أسود الأطلس
خلال عقود قليلة تحوّل المنتخب المغربي من مداومة الخروج مبكّرًا في دور المجموعات بكأس أمم إفريقيا وتخبّطه في محاولات التأهل إلى كأس العالم، إلى تواجده بين أفضل عشرة منتخبات في تصنيف فيفا، وللوصول إلى نصف نهائي مونديال قطر 2022، ومن ثمّ إلى كونه مرشحًا جديًا للقب في البطولة الكبرى هذا الصيف.
لم تقتصر النتائج على منتخب الرجال الأول فقط، بل امتدت على كافة الفئات العمرية والنسوية، ما يعكس منظومة متكاملة للتطوير.
إنجازات متراكمة
المغرب حامل لقب أمم إفريقيا 2025 بعد سحب اللقب من السنغال؛ كما وصل إلى نهائي كأس أمم إفريقيا للسيدات 2025، وفاز بكأس العرب 2025، وكأس أمم أفريقيا للمحليين (شان) 2025، وبطولة العالم تحت 20 سنة 2025، وبطولة تحت 17 سنة 2025، ونال الميدالية البرونزية في أولمبياد 2024، وأحرز لقب أمم إفريقيا في كرة الصالات 2024. هذا التتالي يبيّن أن الأمر ليس مجرد ضربة حظ.
ثلاثة أعمدة للنجاح
مصدر مقرب من الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم يوضّح أن نجاح المشروع الوطني ارتكز على ثلاثة أعمدة: إصلاح الحوكمة، ضخّ الاستثمارات المالية، وتوفير الموارد البشرية المؤهلة. الملك محمد السادس وضع هذه الاستراتيجية خلال مؤتمر الصخيرات الرياضي عام 2008، وكانت الشرارة لمشروع طويل الأمد لتطوير كرة القدم بالمملكة.
بدأ العمل بإصلاح الحوكمة، من بينها إنشاء مصلحة وطنية للرقابة المالية قلّصت الفوضى واحترافّت الإطار المالي لكرة القدم المغربية. تلا ذلك استثمار هائل في البنية التحتية على كل المستويات، ومن ذلك التعاون بين الجامعة والحكومة لإنشاء آلاف الملاعب المحلية المسماة “حقول الاقتراب” أو ملاعب القرب، مفتوحة وميسّرة للجميع لتوسيع قاعدة المشاركة الشعبية.
مركز محمد السادس والأكاديمية
إلى جانب البنى العامة، بُني مركب محمد السادس والأكاديمية بمعمورة، قرب الرباط، بملاعب مشذّبة بعناية، ومعدّات علاج طبيعي حديثة وفندق داخلي، حتى قورنت مرافقه بمراكز فنية مرموقة عالمياً مثل كليرفونتن الفرنسية. الأكاديمية أنتجت مواهب أساسية للفريق الأول، من بينهم نايف أغيرد، أزّين أوناحي، ويوسف النصيري.
استفادة من الشتات
تحوّل آخر مهم كان تعديل قواعد الأهلية القومية على مستوى فيفا بعد ضغوط الاتحادات الأفريقية، ما فتح الباب أمام الانضمام الاختياري للّاعبين المولودين في أوروبا من أصل مغربي. هذا سمح باستدعاء أسماء مثل حكيم زياش، نور الدين أمرابط، وإبراهيم دياز الذين عزّزوا المنتخب بخبراتهم.
قصة أيوب بوعدي
أحدث الوافدين هو أيوب بوعدي، لاعب خط وسط ليل البالغ من العمر 18 عامًا، والذي يُعدّ من أبرز المواهب الشابة في فرنسا. حتى زين الدين زيدان تواصل مع محيط اللاعب للاستفسار عن إمكانية بقائه مع منتخب فرنسا، لكن بوعدي ظلّ حاسمًا في اختياره تمثيل المغرب، وهو قرار يزيد من قوة وسط المنتخب على المدى الطويل. لا أظن أننا شهدنا لاعبًا بهذه الصِغَرِ والموهبة يعلن انضمامه للمغرب من قبل؛ هذا لمن لديه أثر زلزالي في مسيرة المنتخب.
آراء الجمهور
من أنصار المنتخب، قال توم يوسف دريسي إن خطوة بوعدي مختلفة واستثنائية، وأن وجود لاعبين مثل سامير المرابط، نيل العينوي، وبلال الخنوس يمنح المنتخب توازنًا جيّدًا للسنوات المقبلة، ومهد للعقد القادم بتشكيلة مختلطة بين الخبرة والشباب. كما أن الحضور القوي لفرنسا على الساحة الكروية يجعل الاحتفاظ بلاعب شاب من طراز بوعدي إنجازًا مهماً.
تداعيات نهائي أمم إفريقيا 2025
مع الصعود المتواصل للمغرب، بدا أن أكبر خطر يمكن أن يعرقل استعداداتهم للمونديال هو الاضطراب الذي صاحب نهائي أمم إفريقيا 2025. في الوقت بدل الضائع من الشوط الثاني، ومع اقتراب المباراة من التمديد والتعادل السلبي، احتسب الحكم ركلة جزاء مثيرة للجدل لصالح المغرب. ما تلا ذلك اهتزت له كرة القدم الأفريقية والعالمية: انسحب المنتخب السنغالي إلى غرف الملابس بينما تشاجر جمهورهم مع المشرفين خلف مرمى المغرب في المدرجات.
وبشكل غير مفهوم لم تُلغ المباراة؛ بعد توقف حوالى خمسة عشر دقيقة عاد المنتخب السنغالي إلى أرض الملعب، وتصدّى إدريس مندّي لقذفة إبراهيم دياز بعد محاولة بانينكا، ثم فاز السنغال في الوقت الإضافي.
الاستقالة وتغيير المدرب
في مؤتمر ما بعد المباراة براباط، سُئل المدرب وليد الركراكي فورًا إن كان سيقدّم استقالته تلك الليلة أو صباح اليوم التالي؛ تجاهل السؤال لكنه استقال فعلاً بعد أسابيع. طوال البطولة كان معروفًا أن عدم التتويج سيؤدي إلى رحيله، وكانت الترشيحات تتجه نحو طارق السكتي أو محمد الوهابي؛ الجامعة اختارت الأخير بعد نجاحه في قيادة منتخب الشباب إلى إحراز كأس العالم تحت 20 سنة بأسلوب هجومي.
توازن بين القديم والجديد
يقول الصحفي المغربي سعيد عبّادي إن ثمة تشابهًا مع تجربة الركراكي قبل مونديال 2022، إذ تولّى المهمة قبل أشهر قليلة من الحدث، وإن بدا أن بداية مباريات الوهابي الودية في مارس أظهرت تطبيقًا لمبادئه وأساليبه. لكن الوقت لا يسمح بعملية تغيّر شاملة؛ مطلوب توازن دقيق بين الخبراء من جيل الركراكي والوجوه الجديدة. يبقى سؤال مشروع حول ما إذا كان الأسلوب العملي والواقعي لركراكي كان الأنسب لمتطلبات كأس العالم.
أداء تكتيكي في قطر
في مونديال قطر، لعب المغرب مباريات ناجحة حتى في حال امتلاك الخصم للحصة الأكبر من الكرة: لم يُهزم في المباريات التي لم تتجاوز فيها سيطرته نسبة 50% من الاستحواذ، والمباراة الوحيدة التي خسرها كانت أمام فرنسا حين تحكّموا في مجريات اللقاء. هذا يظهر قدرة تكتيكية عالية على التكيّف والفاعلية بغضّ النظر عن نسب الاستحواذ، وهي سمة تحافظ على تنافسية المنتخب على الساحة الدولية. لم تقدم أي نص للترجمه. هل يمكنك لصق النص المطلوب هنا؟