أكّد رئيس الوزراء الكندي مارك كارني أن بلاده سترد على الرسوم الجمركية الأميركية الجديدة برسوم مضادة مماثلة، “دولار مقابل دولار”، بعد أن فرضت الولايات المتحدة رسوماً قاسية على البضائع الكندية.
وجاء حديث كارني للكنديين يوم السبت، بعد ساعات من فرض واشنطن رسوماً بنسبة 50 بالمئة على بضائع كندية تبلغ قيمتها نحو 20 مليار دولار، بعد فشل المحادثات بين البلدين.
وتوعّد رئيس الوزراء بـ”رد موجّه” يبدأ في الثامن من سبتمبر، ويشمل فرض رسوم مماثلة على واردات أميركية مثل الصلب والألبان والأجهزة المنزلية والمعدات الزراعية والورق والإلكترونيات.
وقال كارني: “لقد جرّبنا كل السبل للوصول إلى اتفاق يحمي العمال الكنديين وعائلاتهم، ويقوّي اقتصادنا، ويحترم سيادة كندا. ونحن نتخذ هذه الخطوة على مضض”.
وجاءت تصريحات كارني بعد أسابيع من الغموض حول ما إذا كانت الرسوم ستدخل حيز التنفيذ. فقد أُعلن عن هذه الرسوم الجديدة لأول مرة في يوليو، ضمن سلسلة من الخلافات التجارية المتواصلة بين البلدين.
ومنذ بداية ولايته الثانية، يسعى ترامب إلى تصعيد الضغط على كندا، ضمن محاولة لزيادة النفوذ الأميركي في نصف الكرة الغربي وتعزيز أولويات واشنطن.
وعند إعلان الرسوم بنسبة 50 بالمئة في 20 يوليو، اتهم ترامب كندا بـ”معاملة تمييزية” في سياساتها التجارية. والبلدين حليفان قديمان، ويُعتبر كل منهما من أكبر الشركاء التجاريين للآخر منذ عقود.
غير أنّ المفاوضين من الجانبين حاولوا منع تفعيل هذه الجولة الأخيرة من الرسوم، ونجحوا في تأجيل الموعد النهائي الذي كان مقرراً يوم الأربعاء. لكن رغم المحادثات المكثّفة التي استمرت ثلاثة أيام، لم يتمكنوا من إبرام اتفاق تجاري. وانتهى الموعد المعدّل للرسوم عند منتصف ليل السبت بتوقيت شرق الولايات المتحدة، أي الساعة الرابعة فجراً بتوقيت غرينتش.
وأوضح كارني، الذي قال إن كندا كانت “براغماتية وصبورة ومثابرة”، أن بلاده انسحبت من المحادثات لأن الولايات المتحدة “طلبت الكثير وقدّمت القليل”. كما اتهم واشنطن بطرح شروط في اللحظة الأخيرة أدّت إلى إفشال المفاوضات.
وقال كارني: “في الأيام الأخيرة، اقترحت الولايات المتحدة شروطاً جديدة غير اقتصادية وغير عادلة، وتقوّض الفوائد الصافية لكندا، وتلقي بظلال من الشك على موثوقية أي اتفاق”.
وعندما طلب منه الصحافيون توضيحاً، أشار كارني إلى تغييرات طُرحت في الساعة الأخيرة تتعلق بواردات السيارات، بالإضافة إلى قيود على قدرة كندا في إقامة تحالفات تجارية جديدة. وأضاف: “أدخلت الولايات المتحدة في الساعات الأخيرة محاولات لتقييد قدرتنا على إبرام اتفاقيات تجارية أخرى. نحن الشريك المفضّل في كثير من النواحي لدول حول العالم، والأميركيون أرادوا تقييد ذلك. كان لديهم نص يحاول تقييده. هذا غير مقبول”.
كما انتقد كارني التبريرات المتغيّرة التي تسوقها واشنطن لفرض الرسوم، مشيراً إلى تصريحات لترامب تحدث فيها عن تهريب المخدرات، والإعلانات التلفزيونية، ودخان حرائق الغابات، كأسباب لزيادة الرسوم على المنتجات الكندية.
ومنذ توليه منصبه في 2025، دخل كارني في خلاف حاد مع ترامب، الذي عاد إلى البيت الأبيض لولاية ثانية في العام نفسه. ويستخدم ترامب الرسوم الجمركية الواسعة بشكل متكرر كورقة ضغط للحصول على صفقات أفضل من الشركاء التجاريين. ويقول خبراء إن سياسته الخارجية العدوانية سبّبت نفوراً لدى بعض الحلفاء القدامى للولايات المتحدة.
وفي مواجهة هذه التوترات، دعا كارني إلى تحالف “القوى الوسطى” في العالم لموازنة نفوذ القوى الكبرى مثل الولايات المتحدة والصين. واعترف في خطابه يوم السبت بالتأثير المزعزع لترامب في السياسة العالمية.
وقال كارني: “حكومتنا فهمت قبل كثيرين أنّ أميركا ستعيد تشكيل كل علاقاتها التجارية، وستفرض سلسلة من الرسوم على أقرب حلفائها، وستستخدم التكامل الاقتصادي كسلاح”. كما أشار إلى أنّ الولايات المتحدة في عهد ترامب قد تغيّر مسارها فجأة، قائلاً: “نحن ندرك أنّ توقيعها كان أحياناً بقلم رصاص”. وأضاف: “الفجوة بين الشراكة والمنافسة ظلت، للأسف، واسعة جداً في الأيام الأخيرة”.
في المقابل، تحاول إدارة ترامب تصوير المطالب الكندية على أنها العقبة أمام إبرام اتفاق هذا الأسبوع. وحتى وقت متأخر من بعد ظهر الجمعة، بدا أن اختراقاً بين أوتاوا وواشنطن ممكن، حيث قال ترامب للصحافيين: “الصفقة مع كندا تتقدم”.
وظهرت تقارير تفيد بأن الولايات المتحدة عرضت خفض الرسوم على الألمنيوم والسيارات والصلب إذا منحت كندا الشركات الأميركية وصولاً أكبر إلى أسواق الألبان والأخشاب لديها.
لكن يوم السبت، قال الممثل التجاري الأميركي جاميسون غرير لقناة فوكس نيوز إنه لا توجد محادثات مقبلة مع كندا. وكشف غرير أن الولايات المتحدة “ستتحرك بإجراءات” للرد على الرسوم الكندية المضادة. وأضاف: “لقد حصلوا دائماً على أفضل صفقة، وكان بإمكانهم الحصول على صفقة أفضل، لكنهم لم يريدوا ذلك”.
أما كارني، فأشار إلى أن كندا ستواصل تعزيز علاقاتها التجارية مع دول أخرى. وقال: “لا يمكننا السيطرة على العاصفة القادمة من واشنطن. لكن يمكننا رسم مسار جديد عبر بناء كندا قوية وتنويع علاقاتنا التجارية في الخارج”.
وسأل أحد الصحافيين كارني عن نبرته الحزينة: “لماذا يبدو الأمر اليوم وكأن مارك كارني ذاهب إلى الحرب؟ حرب تجارية؟” فردّ كارني بصراحة: “أنت في حالة حرب عندما تتعرض للهجوم. لقد تعرضنا للهجوم”.