وصل الرئيس الصيني شي جينبينغ إلى بيونغ يانغ في أول رحلة خارجية له هذا العام، في محاولة لتعزيز العلاقات مع كوريا الشمالي، الدولة المعزولة ذات الترسانة النووية والمعارضة لتوسع الوجود العسكري الأميركي في منطقة آسيا والمحيط الهادئ.
خلال الزيارة التي تستمر يومين، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية مايو ننغ في مؤتمر صحفي يوم الجمعة إن «الجانبين سيستغلان الزيارة كفرصة لدفع تطوير أكبر للعلاقات الصينية–الكورية بما يتوافق مع متطلبات العصر».
لمحة تاريخية وتطور العلاقات
تُعد هذه أول زيارة لشي إلى كوريا الشمالية منذ سبع سنوات، وتأتي في وقت تعزز فيه بيونغ يانغ علاقاتها مع روسيا، الجارة الشمالية لها. تعود علاقات كوريا الشمالية مع الصين إلى حرب كوريا قبل أكثر من سبعين عاماً، حيث ساهمت الصين في صد قوات الجنوب المدعومة من الولايات المتحدة والأمم المتحدة في أوائل خمسينيات القرن الماضي، وخسر خلالها بين 200000 و400000 جندي صيني. وفي عام 1961 وقعت بكين وبيونغ يانغ معاهدة الصداقة والتعاون والمساعدة المتبادلة التي تنص على التزام الصين بالتدخل عسكرياً إذا ما تعرّضت كوريا الشمالية لهجوم.
على الرغم من هذه الروابط الوثيقة، شهدت العلاقات تقلبات؛ ففي الثمانينيات عملت الصين على توطيد علاقاتها الاقتصادية مع كوريا الجنوبية. كما عارضت بكين مراراً برامج كوريا الشمالية النووية، وانتقدت التجربة النووية الأولى في 2006 ووصفتها بأنها «وقحة وصريحة». وعندما فرضت الأمم المتحدة عقوبات على كوريا الشمالية في 2009 بسبب برنامجها النووي، أيدت الصين قرار العقوبات آنذاك. كما أدانت الصين اختبارات نووية لاحقة في 2013 و2016.
إصلاح العلاقات منذ 2018
منذ 2018 بذلت بكين جهداً لإصلاح العلاقات مع بيونغ يانغ، الذي بدأ أيضاً تحسين تواصله مع واشنطن. في مارس 2018 دعا شي كيم إلى الصين لإجراء محادثات حول شبه الجزيرة الكورية، وأكد خلال الزيارة حرص بكين على حماية شبه الجزيرة والسعي إلى نزع سلاحها النووي. وبعد ذلك بلِغة شهور التقى زعيم كوريا الشمالية بالرئيس الأميركي دونالد ترامب في سنغافورة، في محاولة للتركيز على نزع السلاح النووي لشبه الجزيرة.
زار شي بيونغ يانغ لأول مرة في يونيو 2019، وفي عام 2021 جدّدت الدولتان معاهدة الدفاع المشتركة الموقعة عام 1961 لمدة عشرين عاماً إضافية. وفي سبتمبر الماضي حضر كيم عرضاً عسكرياً ضخماً في الصين قادماً بواسطة قطاره المدرع الأخضر الشهير.
تزايد التقارب الروسي–الكوري الشمالي يثير حذر بكين
يرى محللون أن الصين حذرة من التقارب المتزايد بين كوريا الشمالية وروسيا. قاتل جنود كوريون شماليون إلى جانب القوات الروسية بعد توقيع موسكو وبيونغ يانغ ميثاق دفاع متبادل في أعقاب حرب أوكرانيا، وزار بوتين بيونغ يانغ في 2024 بعد غياب 24 عاماً لتعزيز الروابط الدفاعية. بحسب أليخاندرو رييس، أستاذ مساعد في قسم السياسة والإدارة العامة بجامعة هونغ كونغ، فإن أحد أبرز التحولات الجيوسياسية في السنوات الأخيرة كان تعمق علاقة روسيا بكوريا الشمالية.
وقال إن «كيم يملك الآن مساحة مناورة دولية أكبر مما كان قبل عقد من الزمن. زيارة شي تذكير بأن روسيا قد تكون شريكاً متزايد الأهمية، لكن الصين تظل الجار الذي لا غنى عنه لكوريا الشمالية». وأضاف أن من الخطأ المبالغة في تقدير قلق بكين: فروسيا قد توسع الخيارات أمام بيونغ يانغ لكنها لا تستطيع أن تحلّ محل الأهمية الجغرافية والاقتصادية والسياسية للصين.
مدى اعتماد كوريا الشمالية على الصين
تُعد كوريا الشمالية من أكثر دول العالم عزلة وفقراً. وفق تقرير صدر في أغسطس 2025 عن بنك كوريا الجنوبي، بلغ الناتج المحلي الإجمالي لكوريا الشمالية 26.6 مليار دولار في 2024 بارتفاع 3.7% عن العام السابق، بينما بلغ الناتج المحلي لكوريا الجنوبية نحو 1.88 تريليون دولار في 2024. تعرّضت بيونغ يانغ لعزلة تجارية بسبب عقوبات الأمم المتحدة على برنامجها النووي؛ وتقدّر لجنة وطنية مقرها واشنطن أن الصين تمثل ما يصل إلى 95% من تجارة كوريا الشمالية.
تشمل صادرات الصين إلى كوريا الشمالية النفط والمواد الغذائية والمنسوجات والآلات والمركبات، بينما تستورد الصين من هناك منتجات تجميلية مثل رموش اصطناعية، باروكات، وحديد وفولاذ وأسماك مجمدة وبعض المواد الغذائية المصنعة. يبلغ حجم التجارة الثنائية نحو 2.74 مليار دولار وفق بيانات إدارة الجمارك الصينية.
تُرسل كوريا الشمالية أيضاً عدداً كبيراً من مواطنيها للعمل في قطاعات الصيد والبناء في الصين، وتقول منظمات حقوقية إن بعض هؤلاء العمال يتعرضون للاستغلال. فيما تعمل الصين على مشاريع بنية تحتية ونقل مع كوريا الشمالية؛ ففي 2015 افتتحت خط شحن وربط سكة حديد عالية السرعة مع بيونغ يانغ.
الدافع الأمني والاقتصادي للصين
يقول ديلان لو، أستاذ مشارك في السياسة العامة والشؤون العالمية بجامعة نانيانغ التكنولوجية، إن كوريا الشمالية تاريخياً اعتمدت على الصين كمصدر حياة اقتصادي، وكانت شريكها التجاري الأكبر لفترة طويلة. إضافة إلى الاعتماد التجاري، تمنح العلاقة مع الصين بيونغ يانغ شرعية دولية وحماية. فبكين هي الضامن الأمني الفعلي لكوريا الشمالية.
يرى رييس أن الحفاظ على علاقة طيبة مع بكين مسألة مركزية لأمن نظام كيم. فمع أن أهمية روسيا زادت بشكل كبير عبر التعاون العسكري والدعم المرتبط بحرب أوكرانيا، فإنها لا تستطيع أن تحل محل الصين اقتصادياً. يمكن لموسكو أن توفر أسلحة وتقنيات وطاقة ودعماً دبلوماسياً، بينما تقدم بكين شرايين اقتصادية ووصولاً جغرافياً واستقراراً استراتيجياً طويل الأمد. كما توفر الصين حماية سياسية بوصفها عضواً دائماً في مجلس الأمن وحليفة معاهدة وحيدة لكوريا الشمالية، مما يجعلها القوة الكبرى القادرة على مساعدة بيونغ يانغ في التعامل مع العقوبات والدبلوماسية الإقليمية وأي انفتاح مستقبلي على العالم الخارجي.
لماذا تحتاج الصين كوريا الشمالية؟
تحتاج الصين إلى كوريا الشمالية أساساً لضمان الاستقرار في شبه الجزيرة الكورية. وفق تقرير لمركز الشؤون الخارجية في نوفمبر 2024، تركز سياسة شي على منع انهيار نظام كيم وتفادي حرب غير مرغوبة في المنطقة قد تقوض المصالح الأمنية للصين. كما تعمل كوريا الشمالية كحاجز مهم أمام القوات الأميركية المتمركزة في كوريا الجنوبية؛ فهناك نحو 28500 جندي أميركي في الجنوب ضمن معاهدة الدفاع المتبادل بين واشنطن وسيول التي تأسست بعد هدنة حرب كوريا.
مع طموحات كوريا الشمالية النووية تسعى بكين أيضاً إلى حماية مصالحها وسلامة مواطنيها القريبين من حدود كوريا الشمالية. إلى جانب الحسابات الأداة، ثمة تاريخ مشترك اقترنت فيه علاقات حزبية قوية منذ الحرب الكورية.
بقيت الصين، بحسب أليثيا غارسيا هيريرو، كبيرة الاقتصاديين لشؤون آسيا والمحيط الهادئ في بنك ناتيكسيس الفرنسي، ترى كوريا الشمالية كحاجز استراتيجي أكثر من كونها حليفة. وجود كوريا الشمالية يبعد القوات الأميركية عن حدود الصين ويمنع انهياراً فوضوياً قد يرسل ملايين اللاجئين صوب الصين ويعطي واشنطن نفوذاً أكبر في آسيا.
إعادة ضبط النفوذ الصيني
تؤكد هيريرو أن زيارة شي إلى كوريا الشمالية تتعلق أساساً بلعبة قوة تكتيكية. الصين تعيد تأكيد سيطرتها بينما تنجرف كوريا الشمالية نحو روسيا وترغب بكين في البقاء بواب المنطقة إذا حاول ترامب إبرام صفقة مع كيم. الرحلة أيضاً رسالة داخلية ودولية: شي نادراً ما يغادر الصين، وهذه الزيارة تظهر حرص بكين على تأمين جناحها الشمالي الشرقي في ظل ضغوط أميركية وروسیة متصاعدة.
يجادل رييس بأن ثمّة إشارات تجريبية على اختبار قنوات دبلوماسية في المنطقة، وهو ما يدفع الصين لتحسين علاقاتها مع كوريا الشمالية. التكهنات الأخيرة حول زيارة وزيرة خارجية سنغافورة لفيفيان بالاكريشنان إلى بيونغ يانغ أثارت نقاشاً حول ما إذا كانت الجهات الإقليمية تقيم بهدوء مدى استعداد كوريا الشمالية للانخراط مستقبلاً. تحتل سنغافورة موقعاً فريداً لدورها في استضافة قمة ترامب–كيم 2018 ولقدرتها على الحفاظ على علاقات منتجة مع واشنطن وبكين وبيونغ يانغ، لكن ذلك لا ينبغي المبالغة فيه.
في الوقت الراهن، لدى الولايات المحدة قنوات مباشرة إلى كوريا الشمالية، ولا توجد دلائل قوية على أن بيونغ يانغ تسعى بنشاط إلى اختراق دبلوماسي كبير مع واشنطن. كما قد يعزز الصراع الأميركي–الإسرائيلي على إيران تفضيل كيم للحفاظ على قنوات اتصال متاحة مع تجنبه أن يصبح محور اهتمام استراتيجي أميركي.
ختاماً، زيارة شي إلى بيونغ يانغ تتجاوز مجرد العلاقات الثنائية أو النفوذ الروسي؛ إنها تهيئة لمشهد إقليمي قد تصبح فيه كوريا الشمالية أكثر ثقة واتصالاً بموسكو، وأكثر اقتناعاً بقيمة الردع النووي، وربما تدخل مرحلة جديدة من الحسابات الاستراتيجية.