طهران — لم تُغلق القيادة الإيرانية الباب كليًا أمام احتمال التوصّل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة، غير أن أصواتًا أكثر تشددًا على الجانبين ترفع مطالب صعبة تُبعد أي تفاهم عن متناول اليد.
مرّت أكثر من ثلاثة أشهر على اندلاع الحرب ولا تزال واشنطن وطهران بعيدتين عن اتفاق يحدد آلية المرور الدولي عبر مضيق هرمز، بعد إصرار إيران على السيطرة على الممرّ وفرض الولايات المتحدة حصارًا على موانئ طهران. كما يغيب الوضوح بشأن إمكانية التوصل إلى تسوية طويلة الأمد حول تخصيب اليورانيوم واليورانيوم المخصب عالياً المخبّأ داخل إيران، أو حول رفع العقوبات الأميركية وتلك المفروضة من الأمم المتحدة.
في الأيام الأخيرة تعرّضت قوات أميركية والحرس الثوري لتبادل نيران، وتتهم طهران واشنطن بانتهاك متكرر لوقف إطلاق النار الذي تم التوصّل إليه في أوائل أبريل. وتناقلت وسائل إعلام إسرائيلية رواية تقول إن انفجارًا ليل الأحد في مبنى سكني بمنطقة أنديشه بطهران كان اغتيالًا مُستهدفًا لجنرال من الحرس الثوري، بينما نقلت وسائل الإعلام الإيرانية تبريرًا مختلفًا أرجعته إلى تسرب غاز.
القادة العسكريون والدينيون والسياسيون الإيرانيون يكررون التأكيد على أنه لا خيار لـ«الاستسلام» في ظلَّ شكوك عميقة تجاه الولايات المتحدة، إلا أن تباينات دقيقة في مواقفهم لا تزال قائمة.
نظرة على أبرز الوجوه:
مجتبا خامنئي
ابن المرشد الأعلى الذي قُتل، اختير ليتولى موقع الصدارة في المؤسسة الدينية والعسكرية بعد تقارير عن إصابته في الضربات نفسها التي أودت بحياة والده وأفراد من العائلة. غاب عن المشهد العلني شفويًا ومرئيًا، وظُهرت رسائله مكتوبة فقط، وسط قلق من أن يكون هدفًا محتملًا لاغتيال من قِبل الولايات المتحدة وإسرائيل. لا يحظى بنفس ثقل والده الذي تمتع بسلطة مطلقة قرابة سبع وثلاثين سنة، لكن وفق القانون يتطلب الأمر موافقته على قرارات مفصلية.
في رسائله لم يقدم نفسه خصمًا للمحادثات، لكنه شدّد على أن «مستقبل منطقة الخليج الفارسي سيكون خاليًا من الوجود الأميركي وخادمًا للتقدّم والهدوء ورفاه شعوبها». وصف البرامج النووية والصاروخية بأنها «أصول وطنية» يجب حمايتها كما تُحفظ الحدود الإقليمية؛ ودعا أنصاره والقوات المسلحه إلى التظاهر ليلاً تلو الآخر احتجاجًا على الولايات المتحدة وإسرائيل، وأشار إلى توقعه بقاء العقوبات داعيًا البلاد للاستعداد لسنة إضافية من «اقتصاد المقاومة».
الكتلة العسكرية والأمنية
التي تقودها قيادات الحرس الثوري ارتفعت مكانتها وتوسّعت صلاحياتها في ظل الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل. قادة الصفّ الأول الذين يديرون المسار العسكري تجنّبوا الإدلاء بتفاصيل حول المفاوضات مع واشنطن، لكن يُعتقد أنّ لديهم وصولًا مباشرًا إلى خامنئي ونفوذًا هائلًا في توجيه عملية صنع القرار. لقد أبلغوا عن موقف حازم يرفض تقديم تنازلات جوهرية للرئيس الأميركي دونالد ترامب.
أحمد وحيدي، القائد العام للحرس الثوري، ركّز في خطابه على الردع والتهيؤ للتصعيد إذا اقتضت الضرورة، وعلى تحقيق «انتصار» على ما وصفه بـ«القوة العظمى الفاشلة» وحليفها الأهم، إسرائيل. حذّر مسؤول رفيع من «ردٍّ مدمر وجهنمي على أبعاد إقليمية وعابرة للإقليم» إذا ما استؤنفت الحرب.
أكّد علي عبداللهي، قائد مقر خاتم الأنبياء المركزي للقوات المسلحة، أن «أمن مضيق هرمز تقوده القوات المسلحة» الإيرانية، وأنها تبقى على أهبة الاستعداد لفتح النار على الخصوم عند الاقتضاء.
في الأسبوع الماضي استعاد مجيد موسوي، قائد فرع الفضاء الجوي في الحرس الثوري الذي أطلق مقذوفات عبر المنطقة أثناء الحرب، تصريحًا لخامنئي القائل إن «التفاوض مع العدو خسارة صافية».
من جهته، رسم محمد علي جعفري، القائد السابق للحرس الثوري والرئيس الحالي لمقر بقياتالله، قبل شهر قائمة من خمسة شروط يجب توافرها ليثمر التفاوض: إنهاء الحرب على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان والمناطق الأخرى التابعة لما يسمّى «محور المقاومة» المدعوم من طهران؛ رفع العقوبات؛ تحرير الأصول المجمدة؛ تعويضات عن الحرب؛ والاعتراف بالسيادة الإيرانية على مضيق هرموز.
يشغل محمد باقر ظهیر (زلغدر) منصب أمين مجلس الأمن القومي الأعلى ويُنظر إليه كحكم بين أقطاب الحرس القديم؛ سلفه علي لاريجاني اغتيل أيضًا خلال الحرب. ومنذ توليه المنصب صدر عنه بيان كتابي قصير واحد فقط يقول «لن يكون هناك استسلام ولا تراجع» مع تأكيده على «الوحدة» بين مناصري الدولة.
جبهة بيداري وسعيد جليلي والنواب المتشددون
جبهة بيداري، التي يقودها سعيد جليلي، شخصية معروفة في مجلس الأمن القومي الأعلى، تُعَدّ ممثلاً عن بعض الفصائل الصلبة المتطرفة داخل إيران. شغل جليلي منصب رئيس الأمن والمفاوض الرئيسي مع الغرب بين 2007 و2013، خلال أغلب فترة رئاسة محمود أحمدينژاد. سنوات المحادثات تلك فشلت في تحقيق نتائج، ما مهد لاحقًا لفرض عقوبات أممية صارمة على البرنامج النووي الإيراني قبل إبرام الاتفاق النووي المنهار عام 2015 في عهد روحاني.
يُعرَف جليلي بمواقفه الصلبة والقصوى الرافضة للانخراط مع الغرب أو تقديم أي تنازلات، وله حلفاء بارزون من أمثال علي باقري كني. خلال الحرب قام بتأطير أي محادثات على أنها مقبولة فقط إن اعتُبرت اعترافًا بالقوة الإيرانية، و insist على ضرورة ضمانات تمنع أن ترتكز أي صفقة طويلة الأمد على «الثقة» بالولايات المتحدة، واعتبر العقوبات والاغتيالات والحرب «أذرعًا» يجب «تحييدها» كليًا.
قال في أبريل: «اليوم يشهد العالم أن النظام الإقليمي الجديد لن تُحدده أميركا والكيان الصهيوني، بل انتصارات وخطاب المقاومة القوي». يدعمه مزيج من النواب الأصوليين المتشددين من طهران ومدن أخرى، الذين هيمنوا على البرلمان منذ انتخابات ذات إقبال تاريخيًا منخفضًا عام 2020. من بين هؤلاء رجال دين نافذون مثل محمود نبويان وحامد رصايي، ونواب مثل إبراهيم عزيزي وعباس مقتدائي وأعضاء لجنة الأمن القومي البرلمانية.
وجوه الحكومة
قاد محمدباقر قاليباف فريق التفاوض الإيراني في الجولة الأولى من المحادثات المُيسّرة مع الولايات المتحدة في باكستان خلال أبريل؛ وهو قائد سابق في الحرس الثوري يهاجم فكرة «الاستسلام» لكنه قال إنه يؤيد صفقة عملية لوقف الأعمال العدائية. كما أبدى الرئيس مسعود بيزِشكيان ووزير الخارجية عباس عرْقجي مواقف مشابهة مؤيدة لسلامٍ تفاوضي يحفظ المصالح الإيرانية.
تُبث أقسى المواقف ضد خصوم إيران عبر التلفزيون الرسمي (IRIB). تستخدم القنوات الحكومية مذيعيها وضيوفها، بمن فيهم قادة عسكريون ملثمون أحيانًا، لتوجيه رسائل، أو حتى لتقديم تدريبات سلاح مؤخرًا لمناصريها ودعوتهم إلى «التضحية» من أجل الدولة. كما طرحت عبرها شروطًا «مقبولة» لاتفاق مرحلي، تشمل سلطة على مضيق هرموز، والمشاركة في تصنيف السفن وفرض رسوم عبور، والوصول السريع إلى ما لا يقل عن 12 مليار دولار من الأصول المجمدة في الخارج.
تصاعدت أصوات قنوات وأنباء مرتبطة بالحرس مثل تسنيم وفارس ومهر وغيرها خلال الحرب لنقل خطاب السلطات وطرح أفكار متطرفة، من ضمنها اقتراح فرض رسوم على كابلات الإنترنت البحرية. أما صحيفة كيهان الأصولية فظلت منبرًا ثابتًا للمواقف القصوى لعقود: مديرها المسؤول حسين شريعتمداري — الذي عينه خامنئي — نادى مرارًا بضرورة إغلاق مضيق هرموز، والانسحاب من معاهدة منع الانتشار النووي، والنظر بجدية في امتلاك أسلحة نووية.