روسيا حذّرت بريطانيا من أنها قد تواجه “عواقب” بسبب تزويدها أوكرانيا بمسيّرات استُخدمت في هجمات بعيدة المدى داخل الأراضي الروسية.
قالت السفارة الروسية في لندن في بيان يوم الاثنين: “أفعال لندن ستؤدي حتمًا إلى عواقب سيتعين عليها أن تتحمل مسؤوليتها. وكلما تعمّق تورطها في النزاع وزاد دعمها للآلة الإرهابية في كييف، ارتفع الثمن الذي ستدفعه”.
وكتبت السفارة على تيليغرام: “لندن تختار عمدًا تصعيد أزمة أوكرانيا، بينما تعلن بشكل منافق رغبتها في السلام. وبذلك، تمارس المملكة المتحدة دور الشريك والمتواطئ في الجرائم الدموية والهجمات الإرهابية”.
وقال أندريه فيدوروف، نائب وزير الخارجية الروسي السابق، لبي بي سي يوم الثلاثاء، إن “العواقب” قد تشمل إمكانية شن هجمات. وأوضح أن العديد من الخبراء العسكريين الذين يقدّمون المشورة للكرملين مقتنعون بأن الناتو لن يرد بقوة إذا وجّهت روسيا ضربة للمملكة المتحدة. وأضاف: “ترامب لن يسمح للناتو بالرد”.
يأتي هذا التهديد بعد تقارير عن أن أوكرانيا تستخدم مسيّرات بعيدة المدى لضرب أهداف روسية رئيسية، بما في ذلك مصافي النفط والمنشآت اللوجستية. ووفقًا لنتائج تحقيق أجرته صحيفة التايمز البريطانية، فقد استُخدمت مسيّرات من إنتاج شركتين بريطانيتين في عدد من هذه الهجمات.
وفي ليل الاثنين وفجر الثلاثاء، قال عمدة موسكو إن أوكرانيا أطلقت ما لا يقل عن 637 مسيّرة باتجاه العاصمة الروسية، أسقطت الدفاعات الجوية الروسية 197 منها.
لم تؤكد وزارة الدفاع البريطانية أن مسيّراتها استُخدمت في مهاجمة الأراضي الروسية. ومنذ بدء الحرب الروسية على أوكرانيا في عام 2022، كررت موسكو تحذيرها لبريطانيا ولحلفاء أوكرانيا الغربيين الآخرين من أن تزويد كييف بأسلحة بعيدة المدى سيعتبر تصعيدًا.
لكن بعد تحذير السفارة الروسية يوم الاثنين، قال رئيس الوزراء آندي بورنهام إن الحكومة البريطانية ستواصل دعم أوكرانيا “بمئة في المئة”. وأضاف: “هذا ما كانت بريطانيا تقول طوال الوقت إنها ستفعله، وهو دعم أوكرانيا 100% ضد هذه الحرب غير القانونية بقيادة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. نحن نقدّم الدعم كي تتمكن أوكرانيا من الدفاع عن نفسها، وهذا هو الموقف البريطاني طوال هذا النزاع عبر رؤساء الوزراء السابقين. وما زال هذا هو موقفي. نحن لسنا أصدقاء في الرخاء فقط”.
في ما يلي نظرة على سبب توجيه روسيا هذا التحذير إلى بريطانيا الآن، وما إذا كان هناك خطر من مواجهة أوسع:
## ما المعدات العسكرية التي تقدمها بريطانيا لأوكرانيا؟
في أبريل/نيسان، أعلنت وزارة الدفاع البريطانية عن أكبر حزمة مسيّرات على الإطلاق لأوكرانيا، وبدأت تسليم ما لا يقل عن 120 ألف مسيّرة. وقالت الوزارة في بيان إن الحزمة شملت “آلاف المسيّرات الهجومية بعيدة المدى، ومسيّرات الاستخبارات والاستطلاع، ومسيّرات لوجستية، وقدرات بحرية”.
ثم في يونيو/حزيران، أعلنت لندن عن حزمة تمويل بقيمة 752 مليون جنيه إسترليني (996 مليون دولار) تشمل 150 ألف مسيّرة لأوكرانيا بحلول نهاية عام 2026.
وجاء ذلك بعد لقاء جمع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي ورئيس الوزراء البريطاني آنذاك كير ستارمر في داونينغ ستريت، أعلن خلاله زيلينسكي أن البلدين سيبدآن إنتاج مسيّرات بعيدة المدى بشكل مشترك.
لكن دور لندن لا يقتصر على المسيّرات. كانت بريطانيا أول دولة تعهّدت بتزويد أوكرانيا بدبابات قتال غربية حديثة من طراز تشالنجر 2، لتحل محل دباباتها السوفيتية القديمة. كما كانت أول من زوّد كييف بصواريخ كروز بعيدة المدى من طراز ستورم شادو لضرب القوات الروسية خلف خطوط الجبهة.
كما مولت بريطانيا ووفرت آلاف صواريخ الدفاع الجوي، وصواريخ مضادة للدروع، وأنظمة مدفعية، وعربات مدرعة وعربات دعم، وقدّمت تدريبًا للجنود الأوكرانيين.
## أين استُخدمت المسيّرات أو المكونات البريطانية؟
صعّدت أوكرانيا هجماتها داخل روسيا هذا العام، مستهدفة بشكل متزايد المنشآت الصناعية العسكرية ومنشآت الطاقة، في محاولة لخفض عائدات النفط الروسية التي تمول الحرب، وجعل المواطنين يشعرون بأثر النزاع الذي بدأ في فبراير/شباط 2022 عندما غزت روسيا أوكرانيا.
قالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا إن مسيّرات تحتوي مكونات أو تجهيزات بريطانية استُخدمت في مهاجمة أهداف داخل روسيا، من بينها مصنع كامينسكي، وهو منشأة صناعية عسكرية روسية في منطقة روستوف.
وأفادت بي بي سي أن هذه المسيّرات استُخدمت لضرب أهداف عسكرية وصناعية، بما في ذلك مصافٍ ومستودعات تابعة لشركة وايلدبيريز الروسية العملاقة للبيع بالتجزئة، المعروفة باسم “أمازون روسيا”.
في الأسابيع الأخيرة، استهدفت أوكرانيا عدة مستودعات لوايلدبيريز، وقالت إنها تُستخدم لتزويد الجيش الروسي بمكونات عسكرية. وتنفي الشركة نفسها والكرملين الادعاءات الأوكرانية.
الأسبوع الماضي، اضطرت الشركة إلى تقييد الطلبات بعدما أصابت مسيّرات أوكرانية مستودعًا في يكاترينبورغ، على بُعد 2087 كيلومترًا (1297 ميلًا) من الحدود الأوكرانية. كما تضرر يوم الثلاثاء مستودع تابع لوايلدبيريز شرق موسكو في هجوم بمسيّرات.
وبالإضافة إلى هذه الهجمات البارزة، بات وقع الحرب يتحول بشكل متزايد نحو العاصمة الروسية. ففي ليلة السبت وفجر الأحد، شنت أوكرانيا واحدة من أكبر هجماتها الجوية على روسيا، وأطلقت 822 مسيّرة أسفرت عن مقتل سبعة أشخاص. وقال حاكم منطقة موسكو إن المدينة شهدت “واحدة من أضخم هجمات المسيّرات في الذاكرة الحديثة”.
## ماذا قد تعني روسيا بـ“عواقب”؟
أوضح بورنهام الثلاثاء أن بريطانيا لن تتراجع عن تقديم الدعم العسكري لأوكرانيا. وقالت وزيرة العمل والمعاشات ليليان غرينوود إن بريطانيا ستواصل “الوقوف كتفًا بكتف مع أوكرانيا” رغم التحذير الصادر من موسكو. وأضافت لشبكة سكاي نيوز: “على الروس أن يدركوا أن عزيمتنا لا تزال ثابتة تمامًا في دعم أصدقائنا في أوكرانيا وتزويدهم بالمعدات التي يحتاجون إليها”.
لم تذكر السفارة الروسية في بريطانيا تفاصيل عن نوع “العواقب” التي قد تواجهها لندن. وقد تختار روسيا استهداف مصالح عسكرية أو استخباراتية بريطانية في الخارج، أو تصعيد الهجمات الإلكترونية وأشكال أخرى من الحرب الهجينة. وكان الاتحاد الأوروبي وبريطانيا قد أعلنا الشهر الماضي عقوبات منسقة ضد روسيا بعد تقارير عن تخريب رقمي في مختلف أنحاء أوروبا.
لكن التهديد الروسي يثير أيضًا سؤالًا حول ما إذا كان بوتين مستعدًا لمهاجمة بريطانيا والمجازفة بتدخل الناتو. وقال فيدوروف لبي بي سي الثلاثاء إن موسكو قد “تعتبر أن المملكة المتحدة جزء من الحرب”. قال مسؤول روسي إن موسكو تملك الحق في ضرب أي دولة تدعم أوكرانيا. وأضاف في مقابلة مع برنامج “توداي” الرئيسي على راديو 4: “لا شيء يمكن استبعاده من وجهة نظري الشخصية”. وأشار إلى أن كثيرين في القيادة الروسية يقولون إن كل المنشآت المرتبطة بأوكرانيا قد تتعرض لضربات روسية، لأنها تعتبر أهدافاً مشروعة.
وأوضح أن الخبراء العسكريين في موسكو يقولون: “لا تقلقوا، روسيا قادرة على ضرب بريطانيا ولن يحرك حلف الناتو ساكناً. ترامب لن يسمح للحلف بالرد”. وأضاف أنه مع حالة عدم الاستقرار الحالية داخل الناتو، فمن المحتمل جداً ألا يفعل الحلف شيئاً، وربما يصدر بياناً أو يلجأ إلى المادة الرابعة، وليس المادة الخامسة. وتابع: “دونالد ترامب ما زال حارس مفاتيح الناتو”.
وتنص المادة الخامسة من معاهدة شمال الأطلسي على أن أي هجوم مسلح ضد أحد أعضاء الناتو يُعتبر هجوماً ضد جميع الأعضاء. لكن ترامب على خلاف مع الحلف، إذ اتهمه بعدم بذل ما يكفي لدعم الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران. أما المادة الرابعة فتنص على أن الأعضاء سيتشاورون معاً عندما يشعر أي عضو منهم أن سلامته الإقليمية أو استقلاله السياسي أو أمنه مهدد، لكنها لا تؤدي تلقائياً إلى عمل عسكري.