قد تكون الدبابة الروسية التي سارع مراقبون أوكرانيون وغربيون إلى اعتبارها “تجربة فاشلة” في حماية المدرعات من المسيّرات، قد فعلت في النهاية ما صُممت لأجله، لكنها لم تفعل ما يكفي.
فبحسب شهادة ميدانية جديدة لدميترو بوتياتا، المتخصص في حرب المسيّرات، أكدت وحدة أوكرانية شاركت في المعركة أن نظام “أرينا” للحماية النشطة على دبابة T-72B3A دمّر سبع مسيّرات انقضاضية من نوع إف بي في قبل أن تُصاب الدبابة وتُدمّر. وقال بوتياتا إنه هو وروب لي، الزميل البارز في معهد أبحاث السياسة الخارجية، تحدثا مباشرة مع إحدى الوحدات الأوكرانية التي شاركت في العملية للتأكد من فعالية النظام. وأضاف: “للأسف، إنه يعمل. دبابة واحدة دمّرت سبع مسيّرات إف بي في، وبشكل عام يلزم ما بين 15 و20 مسيّرة إف بي في لتدمير دبابة”.
نظام “أرينا” هو نظام حماية نشط من نوع “القتل الصلب”، أي أنه يكتشف التهديدات تلقائياً ويطلق مقذوفات صغيرة تعترضها في الجو قبل وصولها إلى الدرع. زُوّدت به دبابة T-72B3A، وهي نسخة مطورة من دبابة T-72 الروسية، ويُعرف في المصطلحات الروسية اختصاراً باسم “كاز”. ويعتمد النظام على رادار يلتقط المقذوفات القادمة، سواء كانت صاروخاً مضاداً للدبابات أو قذيفة آر بي جي أو مسيّرة صغيرة من نوع إف بي في، يوجّهها مشغّل عبر كاميرا بث مباشر نحو الهدف. وبمجرد رصد التهديد، تطلق المنظومة عبوة مضادة تعترضه في منتصف الطريق قبل أن يصل إلى الدرع.
هذه الرواية تعقّد القصة التي انتشرت بسرعة في أواخر يوليو، حين نشر مركز “أوميغا” التابع للحرس الوطني الأوكراني لقطات بدت وكأنها تُظهر دبابة T-72B3A تتلقى ضربة مسيّرة مباشرة في مؤخرتها دون أي ردّ مرئي من نظام “أرينا”. وسارعت مواقع مثل “ميلتارني” و”ديفنس بلوغ” إلى وصف الحادث بأنه أول فشل موثق للنظام الروسي المطور، واعتبر كثيرون أن الرادار لا يميّز المسيّرات الصغيرة البطيئة بشكل موثوق.
غير أن أندريه تاراسينكو، محلل المركبات المدرعة، قدّم قراءة تقنية أكثر تفصيلاً للقطات نفسها، التي جمعها جهاز الأمن الأوكراني ونشرها. فقد لاحظ تاراسينكو أن الفيديو يظهر أيضاً دبابة T-72B3M بقفص واقٍ مصنعي فقط لا يوفر حماية حقيقية، ودبابة T-90M بقفص معدني مرتجل يُشبه القنفذ. لكن ما لفت انتباهه أكثر كان دبابة T-72B3A التي تحمل الرقم “133” والمزوّدة بنظام “أرينا”، إذ بدا أن دفاعاتها كانت مستنفدة قبل الضربة القاتلة. بمعنى آخر، كان النظام قد أطلق كل اعتراضاته المتاحة على تهديدات سابقة، ثم وصلت المسيّرة التي دمّرته فوجدت مخزونه فارغاً.
وأشار تاراسينكو أيضاً إلى قيد بنيوي يفسّر هذا النقص: زيادة مخزون نظام “أرينا” الحالي ليست مجرد إضافة ذخائر، لأن ذلك سيحجب فتحة حجرة المحرك وناقل الحركة، وهي نقطة وصول أساسية يحتاجها الطاقم لأعمال الصيانة والإصلاح.
هذه التفاصيل الفنية تتسق مع تقييمات نُسبت إلى مصادر روسية، اعترفت بأن النسخة الحالية من نظام “أرينا” المطور كانت ستكون أكثر فائدة في وقت سابق من الحرب، وتحديداً بين عامي 2023 و2025، قبل أن تتطور تكتيكات المسيّرات الأوكرانية إلى حد إغراق الدبابة بما يزيد على اثنتي عشرة مسيّرة من نوع إف بي في في معركة واحدة. وذهبت تلك المصادر إلى أن زيادة عدد طلقات الاعتراض بشكل ملموس أمر غير مرجح، بالنظر إلى الحجم المادي لمنظومة “أرينا” والمساحة المحدودة على هيكل الدبابة، ما يعني أن المهندسين الروس يواجهون سقفاً حقيقياً في التصميم لا مجرد مشكلة قابلة للحل.
وبذلك تبدو الصورة النهائية أكثر تعقيداً مما توحي به عناوين “فشل النظام” أو الادعاءات الدعائية الروسية حول فعالية “أرينا”. المنظومة عملت كما صُممت تماماً واعترضت مسيّرة بعد مسيّرة في ظروف قتال حقيقية، لكن القوات الأوكرانية كيّفت تكتيكاتها ببساطة عبر إرسال مسيّرات أكثر مما يستطيع النظام إيقافه. اعتراض سبع مسيّرات من أصل ما يتراوح بين 15 و20 مسيّرة تكفي عادة لتدمير دبابة حديثة هو إنجاز تقني حقيقي للمهندسين الروس، لكنه لا يغيّر شيئاً من مصير طاقم الدبابة بعد نفاد الذخيرة.