على مدى الأشهر التسعة الماضية، استخدمت ليبيريا تجربتها مع النزاعات المسلحة الطويلة لتكون صوتاً مبدئياً في نقاشات الأمم المتحدة حول العواقب الإنسانية لعدد من أخطر الأزمات الجيوسياسية، من غزة والسودان إلى أوكرانيا وإيران.
لكن تحت هذا المظهر الفاضل تكمن مفارقة مقلقة. ففيما تستعد بلدي لتولي الرئاسة الدورية لمجلس الأمن الدولي في ديسمبر كعضو غير دائم، فإنها تتجاوز دستورنا وتخالف اتفاقيات الأمم المتحدة عبر استضافة مرحّلين طُردوا من الولايات المتحدة.
قبل عام من حملتها الحالية لجذب الاهتمام عبر المحيط الأطلسي، حيث يحاول وفد يقوده الرئيس كسب ود المشرعين الأمريكيين في واشنطن ويعلن أجندته للسلام والأمن في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، وقّعت ليبيريا في 10 سبتمبر 2025 اتفاقاً مع إدارة ترامب لاستقبال عدد غير معلن من رعايا دول ثالثة رُحّلوا من الولايات المتحدة.
منذ يناير 2025، أبرمت إدارة ترامب اتفاقات ترحيل مع 35 دولة، نحو ثلثها في أفريقيا، لاستقبال أجانب تتراوح أوضاعهم في الهجرة الأمريكية بين النظامي والقانوني إلى المحميين من الإبعاد. ويُعد تعاون ليبيريا واحداً من أكبر هذه الاتفاقات، وقد أثار جدلاً خاصاً.
في أواخر الشهر الماضي، وصل أول 20 مرحّلاً من أصل 1200 متوقع إلى مطار روبرتس الدولي في عملية تسليم جرى تغطيتها على نطاق واسع وأُدينت. وفي تطور مفاجئ، نُقل الستة الذين رفضوا النزول إلى غينيا الاستوائية وفق شروط غامضة. أما من بقوا في ليبيريا، فمن غير الواضح أيضاً من هم، ولماذا رُحّلوا، وأين سيقيمون، وهل هم أحرار في المغادرة، وما وضعهم القانوني.
ورغم أن الاتفاق بين مونروفيا وواشنطن شحيح التفاصيل، فإنه يظل محفوفاً بالمخاطر السياسية ومشبوهاً أخلاقياً وغير قانوني. فالترحيل دون إجراءات قانونية واجبة، مع معاملة قاسية وغير إنسانية، يخالف مبادئ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. كما أن الموافقة على استضافة رعايا دول ثالثة دون موافقة تشريعية تخرق المادة 34(ف) من دستور ليبيريا.
وقال عدة مرحّلين وصلوا إلى مطار روبرتس الدولي في 20 أغسطس إنهم احتُجزوا في الولايات المتحدة دون إجراءات قانونية واجبة، خلافاً للمادتين 8 و10 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، اللتين تضمنان الحق في «سبيل انتصاف فعال» و«محاكمة عادلة وعلنية» أمام محكمة أو هيئة قضائية مستقلة. وقالوا أيضاً إنهم قُيّدوا بالسلاسل أثناء الرحلة إلى ليبيريا، وهي معاملة قد تنتهك المادة 5 التي تنص على أنه «لا يجوز إخضاع أي شخص للتعذيب ولا للمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة».
ومن الاتفاقات الأممية الأخرى التي قد تكون خُرقت بروتوكول 1967 المتعلق بمركز اللاجئين، واتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وهي اتفاقيات تعد ليبيريا والولايات المتحدة طرفين فيها.
أما على الصعيد الداخلي، فينص دستور ليبيريا بوضوح على أن أي «معاهدات واتفاقيات واتفاقات دولية أخرى تُتفاوض أو تُوقّع باسم الجمهورية» يجب أن تصدق عليها الهيئة التشريعية الوطنية. ولم تناقش هيئتنا التشريعية الاتفاق الخاص باستضافة رعايا دول ثالثة ولم توافق عليه، بل أذنت به السلطة التنفيذية من جانب واحد. وبناءً على ذلك، فإن تنفيذ الاتفاق دون موافقة تشريعية غير دستوري.
وبقبولها مرحّلين معظمهم من السود والبنيين في ظل ترتيبات مشكوك فيها، تصبح ليبيريا شريكة في تنفيذ عمليات طرد من عصر «لنجعل أمريكا بيضاء مرة أخرى»، وهي عمليات كان الآباء والأمهات المؤسسون، الذين فروا من العبودية والتمييز العنصري في الولايات المتحدة في القرن التاسع عشر، سيخجلون منها. وهذا البلد الصغير في غرب أفريقيا، الذي كان في القرن الحادي والعشرين نموذجاً للاستقرار بعد الحرب، قوّض أي مصداقية قد يتمتع بها في مداولات مجلس الأمن الدولي مستقبلاً. فما الذي يأمله صناع القرار الليبيريون في السلطة التنفيذية بالضبط؟
ما الذي تكسبه ليبيريا؟
بوصفي باحثاً يدرس الهجرة من ليبيريا وإليها وداخلها، كنت بطبيعة الحال فضولياً بشأن شروط الاتفاق الثنائي بين ليبيريا والولايات المتحدة وظروفه وتداعياته. وقد حوّل بيان صحفي رسمي صدر قبل يومين من وصول الدفعة الأولى المتوقعة من المرحّلين فضولي إلى شك. فهو يروّج للاتفاق كترتيب «إنساني» لنقل «كريم وآمن ومنظم» لغير المجرمين الذين أُبعدوا من الولايات المتحدة. كما يزعم أنه رغم أن ليبيريا «لم تطلب ولم تتلق أي تعويض أو وعد بمكافأة»، فإن «الدعم» سيكون متاحاً لإدارة البرنامج وتعزيز إدارة الهجرة.
كلمة «دعم» تشوش الحقيقة عمداً. فلماذا توافق دولة منخفضة الدخل على استضافة ما يصل إلى 1200 من رعايا دول ثالثة دون حوافز مالية، بينما دفعت إدارة ترامب سابقاً لخمس حكومات أجنبية أكثر من 32 مليون دولار مجتمعة لقبول نحو 300 مرحّل؟ لم يكن أي شيء منطقياً، فذهبت أبحث عن إجابات.
واجهت مراوغة في كل منعطف. قالت وزيرة الخارجية إنها لا تستطيع مشاركة الاتفاق معي لأنه «على مستوى مجلس الأمن القومي». وبدلاً من ذلك أرسلت لي البيان الصحفي الذي كنت قد قرأته بالفعل وشككت فيه، كتعزية. وتظاهر مستشار الرئيس للأمن القومي بالجهل. واعترف مدير وكالة الأمن القومي بأن الاتفاق بحوزته وأنه سيعود إليّ. وما زلت أنتظر ردّه. أما وزير العدل الليبيري حينها، الذي تولى منذ ذلك الحين منصب وزير الدفاع بالوكالة، فقد أعلن بتعالٍ أن الاتفاق ما زال سرياً لأنه أُبرم مع «دولة أجنبية».
ورغم انعدام الشفافية لدى هؤلاء المسؤولين، اكتشفت الاتفاق مخفياً في مرأى من الجميع على موقع وزارة الخارجية الأمريكية. وقد أثار القلق لا بسبب ما يقوله فحسب، بل أيضاً بسبب ما يغفله، خصوصاً شرعية طرد رعايا دول ثالثة ما زالت طلبات حمايتهم معلقة في الولايات المتحدة، فضلاً عن مكافأة حكومة أجنبية، أي ليبيريا، على تسهيل ذلك. وإذا كانت قصة صحيفة «نيويورك تايمز» في 21 أغسطس صحيحة، فقد وافق مسؤولون في إدارة ترامب على دفع 5 ملايين دولار لليبيريا مقابل قبول مرحّلين. وهذا لا يتناقض فقط مع الادعاءات بعدم تلقي «تعويض أو وعد بمكافأة»، بل إن الأجر نفسه يخالف المادة 34(ف) من دستور ليبيريا لأن الهيئة التشريعية الوطنية لم تصدق عليه.
ولا تزال أسئلة أخرى معلقة. كيف تم التفاوض على مبلغ 5 ملايين دولار، ومن قام بالتفاوض؟ وما الذي يغطيه هذا التمويل بالتحديد؟ وكيف تُوجّه الموارد إن لم تكن تمر عبر ميزانية ليبيريا؟ ومن يدير المال؟ وكيف تُراقَب النفقات ويُقدَّم تقرير عنها؟ تكتسب هذه الأسئلة أهمية خاصة لأنه، إن كانت أرقام التعويضات التي نشرتها نيويورك تايمز دقيقة، فإن المبلغ المخصص لليبيريا أقل بكثير مما حصلت عليه حكومات أخرى مقابل استقبال عدد أقل من المرحّلين. فقد تلقت رواندا، مثلاً، 7.5 ملايين دولار مقابل قبول سبعة أشخاص فقط.
قرن من الاتفاقات السيئة
لدى بلدي سجل طويل في توقيع اتفاقات مشبوهة مع الولايات المتحدة. وفي أحدث الأمثلة، وُقّعت في ديسمبر الماضي مذكرة التفاهم الليبيرية-الأمريكية للتعاون الصحي الثنائي. وفي مقابل أكثر من 124 مليون دولار من «المساعدة» المخطط لها من إدارة ترامب، سلّمت ليبيريا حق الوصول إلى البيانات الصحية لمواطنيها دون إذننا. وقد رفضت أو قاومت عدة حكومات أفريقية أخرى اتفاقات مساعدات مماثلة. ورغم أن الحكومة الليبيرية لم تنشر مذكرة التفاهم علناً قط، يمكن القول إنها هي أيضاً تنتهك المادة 34 (ف) من الدستور لأن الموافقة التشريعية لم تُمنح.
قبل قرن بالضبط، في عام 1926، أبرمت ليبيريا اتفاقاً آخر مع الولايات المتحدة قوّض سيادتها. إذ كانت غارقة في الديون ويائسة لصدّ المستعمرين الفرنسيين والبريطانيين، فقبلت تحت الضغط بقرض قيمته 5 ملايين دولار من مؤسسة تمويل أمريكا، وهي شركة تابعة خاصة لشركة فايرستون تاير آند رابر الأمريكية. وكان ذلك مقابل توقيع عقد إيجار لمدة 99 عاماً لمساحة 404,700 هكتار، أي مليون فدان، ما أتاح لفايرستون استخراج المطاط غير المصنّع مقابل ستة سنتات فقط للفدان. وقد منحت شروط القرض الرئيس الأمريكي سلطة تعيين أمريكيين لإدارة الشؤون المالية الليبيرية، ومنعت ليبيريا من الاقتراض دون موافقة خطية من فايرستون. وقد أطلق ذلك إرثاً طويلاً من استنزاف الموارد الأمريكية لم تتعافَ منه ليبيريا قط.
إذا أرادت ليبيريا أن تحتل مكانتها المستحقة كأول جمهورية أفريقية سوداء مستقلة، وكقصة نجاح بعد الحرب أيضاً، فعليها أن تلغي الاتفاقات الثنائية مع الولايات المتحدة التي تضعف استقلاليتها، وتنتهك القوانين الوطنية، وتقوّض ثقة المواطنين. وعليها أن تسعى بنشاط إلى «السلام الإيجابي»، أي غياب العنف البنيوي، في أروقة السلطة داخل البلاد وخارجها.
الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن صاحبها ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.