كيف تقارن مذكرة ترامب مع إيران بالاتفاق النووي في عهد أوباما؟ تداعيات التوتر بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران

مذكرة تفاهم موقعة قرب باريس

وقّع إلكترونياً قرب العاصمة الفرنسية باريس إطار مذكّرة تفاهم تهدف إلى وضع حد للحرب بين الولايات المتحدة وإيران، بعد أسابيع من تأكيدات متكررة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب بقرب التوصل إلى اتفاق. الإطار المكون من 14 نقطة يقتضي التزام طهران بعدم اقتناء أو تطوير أسلحة نووية مقابل تخفيف للعقوبات، وخطة إعادة إعمار بقيمة 300 مليار دولار، وإعادة تشغيل الملاحة البحرية في مضيق هرمز.

تعليقات ومواقف متباينة

احتفى ترامب بالاتفاق على هامش قمة مجموعة السبع واصفاً إياه بأنه أفضل من الاتفاق الذي جرى في 2015 خلال إدارة الرئيس باراك أوباما (خطة العمل الشاملة المشتركة)، التي انسحبت منها واشنطن في 2018. لكنّ محلّلين وحلفاء حذروا من أن الحكم النهائي مبكّر، فالمذكرة تفتح عملياً باب مفاوضات مدتها 60 يوماً لمعالجة التفاصيل الجوهرية، ومن غير الواضح ما إذا كانت ستؤول إلى اتفاق نهائي شامل يختلف جوهرياً عن وثيقة أوباما التي استغرقت سنوات للتفاوض واستنفرت خبراء نوويين.

مضمون المذكرة مقارنةً بالاتفاق السابق

النص الذي وقع يؤجل معظم بنود البرنامج النووي إلى فترة التفاوض، مع التأكيد في آن واحد على أن طهران «لن تقوم باقتناء أو بتطوير أسلحة نووية». كما التزمت الأطراف «بتسوية disposition المواد المخصبة المخزّنة عبر آلية يتفق عليها لاحقاً». على مستوى الجوهر، فإن هذا الالتزام ليس جديداً بحسب محلّلين أشيروا إلى أن إيران كررت مراراً أنها لا تسعى لسلاح نووي.

على عكس خطة 2015، التي سمحت لإيران بتخصيب اليورانيوم حتى 3.67% لمدة 15 عاماً مع نظام رقابة صارم ودخول قوى دولية متعددة (الصين وروسيا وبريطانيا وألمانيا) في إطار متعدد الأطراف، تفتقد المذكرة الحالية إلى تفاصيل مثل نسب التخصيب المسموح بها أو مددها، وتأتي كمذكرة ثنائية هشة بين طرفين ثِقتهما ببعضها محدودة، كما لفت بعض المراقبين. كما أن آليات الردّ على خرق الالتزامات (آليات التراجع أو إعادة فرض العقوبات) غير مضمنة بصيغ واضحة في المذكرة، خلافاً لما تضمنه اتفاق أوباما.

يقرأ  أفضل الأكشاك في معرض إنديبندنت نيويورك ٢٠٢٦

لم تتطرّق المذكرة أيضاً بوضوح إلى القيود على القدرات العسكرية التقليدية الإيرانية، ومنها منظومات الصواريخ الباليستية، وهو مطلب كانت واشنطن قد طرحتْه قبيل اندلاع الصراع ولا يظهر ضمن بنود الاتفاق الحالي.

قراءة الخبراء

أكّد بعض الخبراء أن إعلان طهران عدم السعي لتطوير سلاح نووي ليس اكتساباً استراتيجياً كبيراً للولايات المتحدة إذ أن أجهزة المخابرات الأمريكية كانت قد خلصت قبل اشتباكات 2025 إلى أن إيران لم تكن بصدد تطوير قنبلة نووية بنشاط. لذا تقترح وجهات نظر أن صفقة ترامب في هذه الجزئية تحافظ على الوضع القائم أكثر مما تقدم تقدماً حقيقياً.

تخفيف العقوبات وبرنامج إعادة الإعمار

تنصّ المذكرة على التزام الولايات المتحدة «بإنهاء جميع أصناف العقوبات المفروضة على الجمهورية الإسلامية الإيرانية» والعمل مع شركاء إقليميين لوضع خطة نهائية متفق عليها تتضمن على الأقل 300 مليار دولار لإعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية. خلافاً لنظام تخفيف العقوبات التدريجي المشروط الذي نصّ عليه اتفاق 2015، تذكر المذكرة أن رفع الحجب سيتم وفق «جدول متفق عليه كجزء من الاتفاق النهائي»، ما يضع مسألة التتابع والتنفيذ ضمن شروط التفاوض المقبل.

يرى محلّلون إيرانيون وباحثون في شؤون المنطقة أن إزالة العقوبات أولوية لطهران، وقد ازدادت حدة هذه الأولوية بعد الخسائر الاقتصادية الواسعة الناجمة عن أسابيع الصراع. صندوق استثمار بقيمة 300 مليار دولار عبر شركاء إقليميين قد يفتح على طهران نافذة اقتصادية كبيرة تساعدها على الخروج من عزلة ممتدة، وقد تُسهِم أيضاً، بحسب مناصرين للفكرة، في تعزيز التكامل الاقتصادي بين إيران ودول الخليج وتخفيف حدة التوترات الإقليمية.

الأصول المجمدة والبعد الرمزي

تتضمن المذكرة أيضاً التزام واشنطن بجعل الأصول الإيرانية المجمدة «متاحة بالكامل» لطهران. وعلّق ترامب بأن هذه الأموال «أموال إيران» وأنه في مرحلة ما سيتعين إعادتها. وفي المقابل رأى محلّلون أن هذا التعهد يحمل طابعاً رمزياً أكثر منه عملياً، لأن الولايات المتحدة لا تملك عدداً كبيراً من الأصول الإيرانية مباشرةً.

يقرأ  مسؤول الاستخبارات الأمريكي جابارد: إيران لم تكن تعيد بناء قدرات تخصيب اليورانيوم قبل اندلاع الحرب— أخبار الحرب الأمريكية والإسرائيلية على إيران

خلاصة وتحفّظات

المذكرة تمهّد لمسار تفاوضي جديد يهدف إلى تثبيت وقف إطلاق النار وإخراج البلدين من حالة الحرب، لكنها تترك معظم القضايا الحسّاسة—خاصة تفصيلات البرنامج النووي وآليات المراقبة والعقوبات—في بيت المفاوضات المقبل. انه من المبكر الجزم بما إذا كانت هذه الوثيقة ستحقق تقدماً نوعياً مقارنة باتفاق 2015 أم أنها ستكتفي بالمحافظة على حالة الاستقرار المؤقتة، بينما يبقى نجاحها مرتهناً بالثقة المتبادلة والضمانات الدولية والآليات التنفيذية التي ستُتفق عليها خلال فترة الستين يوماً. الغالبية العظمى من هذه الأموال هي عائدات تجارية مجمَّدة، وأكبر دفعاتها توجد في الصين والعراق.
وبالتالي، «أي وعود بـِـإلغاء تجميد الأصول ليست من اختصاص إدارة ترامب»، حسب قوله.

مضيق هرمز
مما لم يكن مطروحاً قط ضمن جدول بنود الاتفاق النووي (JCPOA)، أصبح المضيق اليوم ركيزة ضغط محورية لدى طهران في جولات التفاوض الراهنة.
أغلقت ايران الممر البحري الحيوي في وقت مبكر من الصراع الذي اندلع في 28 شباط/فبراير، معطِّلة نحو خُمس إمدادات العالم من النفط والغاز الطبيعي المُسال ومُحدثة هزّات في أسواق الطاقة العالمية؛ ما أدّى إلى قفزات في أسعار النفط ونقص طاقة حاد في العديد من الدول.
وردّت الولايات المتحدة لاحقاً بفرض حصار بحري مقابِل على الموانئ الإيرانية بعد أسابيع قليلة. وأبدى ترامب حماساً عند إعلان صفقة مبدئية مع طهران قائلاً: «يا سفن العالم، شغّلوا محركاتكم، فلتنساب النفط!»
ينصّ المُذكَّر على أن الولايات المتحدة ستبدأ برفع حصارها «على الفور» عقب توقيع وثيقة الأربع عشرة نقطة، وأنها «ستنهي الحصار البحري بالكامل خلال 30 يوماً».
كما ينصّ على أن طهران «ستدخل في حوار مع سلطنة عُمان لتحديد الإدارة المستقبلية والخدمات البحرية ومصير مضيق هرمز». صياغة النص تفتح الباب أمام تفاوض البلدين بشأن ترتيبات مستقبلية للممر البحري، الذي كان مجانياً قبل اندلاع الحرب.
بموجب القانون الدولي، لا يجوز فرض رسوم عبور على المضائق الطبيعية مثل هرمز. ومع ذلك، تُصرّ طهران على أن من حق الدول المجاورة اقتطاع مبالغ لقاء «خدمات» تُقدَّم للسفن العابرة—كالتأمين أو الرسو—وهي خدمات مسموح بها وفق القواعد البحرية.
قال علوي في كلية SOAS إن إيران نجحت عملياً في إرساء «نظام جديد» في المنطقة عبر فرض سيطرة فعلية على المضيق. «إيران تمتلك الآن نفوذاً أكبر مما كان لديها أثناء مفاوضات الاتفاق النووي»، أضاف.
«لم يحتمل ترامب الضغوط الاقتصادية» الناجمة عن إغلاق مضيق هرمز، «فمنح طهران أكثر مما منحه الاتفاق النووي»، على حد تعبيره.

يقرأ  الامتنان — دفعة فعّالة لتعزيز التعلم في مكان العمل

أذرع إيران وحرب لبنان
لم يتناول لا مذكرة التفاهم ولا الاتفاق النووي بشكل صريح الميليشيات والجماعات المسلحة المدعومة من إيران في الإقليم، كالجيش اللبناني (حزب الله) في لبنان، وحماس في غزة، والحوثيين في اليمن.
ومع ذلك، تُعلن المذكرة «الوقف الفوري والدائم للعمليات العسكرية على كل الجبهات، بما في ذلك في لبنان». لكنها لم تذكر إسرائيل، التي شنت الحرب على إيران مع الولايات المتحدة في فبراير، ولا ذكرت حزب الله صراحة.
تعهد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بمواصلة احتلال جنوب لبنان رغم إعلان صفقة أميركية–إيرانية ذات صلة بتلك العمليات العدائية.
يقول شنايدر إن «صفقة ترامب، كما تتشكل الآن، لا تطالب بتنازلات بشأن حلفاء إيران الإقليميين، وبالمقابل تتضمّن تنازلات أميركية من أجل احتواء إسرائيل في الحرب التي تخوضها ضد لبنان».
كان الاتفاق النووي متعمداً في ضيقه وطاقته التقنية لتفادي الانزلاق إلى تعقيدات ملفات أخرى، ولذلك لم يدرج حلفاء إيران الإقليميين، الذين أُحيلت قضاياهم عادةً إلى مجلس الأمن الدولي.
وبحسب باسيري تبريزي في تشاتام هاوس، ما قد يجعل صفقة ترامب أفضل من الاتفاق النووي هو أن «لا تدفع إيران نحو تصور استمرار الموقف الردعي عبر برنامجها النووي ومن خلال أذرعها».
ما يُحتَمَل الآن هو «اتفاق يجذب إيران اقتصادياً إلى حد يجعلها تدريجياً تخرج من إطار الإحساس بالضعف، ويبني قاعدة للثقة المتبادلة». وستحسم الستون يوماً المقبلة مدى إمكانية تحقيق ذلك.

أضف تعليق