تأملات ثلاثة فنانين في الأثر الدائم لديفيد هوكني

خلال مسيرة امتدت سبعة عقود، قدم ديفيد هوكني مجموعة فنية فريدة جمعت إحساس الأماكن التي اعتبرها وطناً له — من مشاهد مسابح منازل لوس أنجلوس المشبعة بالشمس في أواخر الستينات وبدايات السبعينات، إلى لوحات تصور غراند كانيون وشرق يوركشاير ونورماندي وغير ذلك. اشتهر أيضاً بصوره الشخصية التي ملأها شجن قلّما يُرى، وبصور الأزواج المزدوجة التي تنبض بتوتر الحنان وحميمية الحب.

كان لفنه أثر متواصل على أجيال من الفنانين. في السطور التالية يشارك ثلاثة منهم ما كان يعنيه لهم ديفيد هوكني.

جوردان كاسل
علّمني هوكني أن اللون والخط يمكن أن ينقلا الشعور بقدر ما ينقلا الشكل. كمبتدئة في الرسم، كان لقاؤي بأعماله حدثاً محوريًّا — استعمل البورتريه والمناظر والمشاهد اليومية لتعميق رؤيتنا لعالمه النابض، وفي ذلك أعاد رسم الأشخاص الذين غالباً ما يُساء فهمهم بكرامة وحميمية وفرح. عبر عقود من العمل، علمني هوكني ولزملائي الفنانين أن النظر بعناية فعل رعاية؛ تذكير مستمر بأن هناك دائماً المزيد لنراه، وأن الرسم يبقى من أقوى الوسائل التي تساعدنا على رؤية بعضنا بعضاً. نحن مدينون له كثيراً، ولن ننساهم ابدا.

جاي لين غوميز
استيقظت على نبأ وفاة ديفيد هوكني بحزن عميق. كان تاثيره حاضراً في عملي منذ أن أهداني مرشدي الفني، السيد بروكي، كتاباً عن أعماله حين كنت في المدرسة الثانوية. عندما عملت مربية مقيمة في تلال هوليوود لاحظت أن المنزل الذي عملت فيه يشبه كثيرا ذلك الذي ظهر في لوحته الشهيرة A Bigger Splash. بمرور الوقت صنعت سلسلة بعنوان «مشاهد منزلية» بدافع الاحترام والإعجاب، وبحاجة كذلك لتوسيع مدلول تلك اللوحات التي شكلت صورة لوس أنجلوس.

كنت قلقة بشأن رأيه دائماً، لكن بعد أن قررت إتمام السلسلة اصطحبني الكاتب لورانس ويشلر، الذي كان صديقاً مقرباً له، إلى منزله في هوليوود هيلز للقاءه بشكل مفاجئ. تحدثت معه عن لوحاتي وسمعت منه مباشرة أنه أبدى إعجابه وتقديره لنسخاتي. لن أنسى كلماته، ونكاته، وعفويته — حتى قيامه أثناء الغداء ليُريَني كتاب فرا أنجيليكو المطبوع الذي كان يملكه. كثيراً ما تحدث عن تأثير بيكاسو على عمله. عندما سمعت الخبر قررت إعادة تصور أحد مطبوعاته «الفنان والنموذج» التي أعدها عام 1973، لأنني تمنيت لو جلست يوماً لجلسة بورتريه عنده بصفتي جاي لين. سأحمل ذكراه معي. رحمه الله وأسكنه فسيح جناته.

يقرأ  شخصيات مريبة تنبثق من الطبيعة في خزفيات مالينه هارتمان راسموسن— كولوسال

بريسون راند
عشتُ في مدينة نيويورك صيف 2003 بين سنتي الجامعية الثالثة والرابعة. بعد تجربتي الجنسية الأولى مع رجل قبل أشهر خلال زيارة سابقة، استغليت ما تقدمه المدينة لشاب مثلي في العشرين من عمره: تحرر وذروات في النوادي وعلاقات جنسية، ترافقها في المقابل قلق وشعور بالعار ناشئان من نشأتي في أسرة عسكرية. عندما عدت إلى جامعة كولورادو في سنتي النهائية، أقامت صالة العرض في الحرم معرضاً لسلسلة هوكني «A Rake’s Progress» — ستة عشر لوحة نقش من أوائل الستينات. كنت أتابع دروس الطباعة بعدما خيّب قسم التصوير ظني، فذهبت لأرى الأعمال دون معرفة كبيرة بهوكني.

تروي المطبوعات رحلة هوكني الأولى إلى نيويورك كشاب، وكانت المرة الأولى التي أرى فيها أعمالاً تتناول تجربة مثلية بشكل مباشر. أتذكر أنني هرعت خارج الصالة عندما دخل شخص آخر خوفاً من أن يظن أحد أن تلك المطبوعات تعكس المتع والإحباطات التي عشتها ذلك الصيف. عدت إلى المعرض مراراً، وألهمتني تلك الزيارة أن أعد رسالتي النهائية عن تجربتي في نيويورك. وإن كانت تلك الأعمال محرجة لي الآن، فقد أجبرتني على الخروج أمام أصدقائي (ولم يفاجئهم أحد) وفي النهاية أمام عائلتي لأنهم سيحضرون تخرجي. ساعدني عمل هوكني على التفكك من شدّي والبدء في عملية طويلة لفهم مكاني في العالم عبر صناعة الفن. أنا ممتن له كدليل في مطلع طريقتي الفنية.

أضف تعليق