ما دوافع إرسال البوسنة قوات إلى غزة؟ — سياسة

أقرت الرئاسة الثلاثية في البوسنة والهرسك الأسبوع الماضي مشاركة قوات بوسنية في مهمة دولية لتثبيت الأوضاع في غزة، قرار نادر اتخذ بتوافقٍ بين مكوناتٍ عرقيةٍ لم يظهر كثيرًا منذ نهاية حرب البوسنة في تسعينيات القرن الماضي.

صدر تفويض المهمة بموجب قرار لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في 17 نوفمبر، استند إلى خطة دونالد ترامب المثيرة للجدل لإنهاء الحرب التي وُصفت بالإبادة الجماعية في غزة. يسمح القرار بنشر قوات دولية للإشراف على نزع السلاح وتفكيك البُنى العسكرية، والمساهمة في إضفاء شرعية على ترتيب حكم انتقالي للقطاع.

من الواضح أن الخطة تميل لصالح إسرائيل وتخدم ترسيخ احتلالها لأراضٍ فلسطينية. والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا تقبل دولة عانت هي نفسها من إبادة جماعية وشهدت تظاهرات شعبية متكررة تندد بما يجري في غزة بالمشاركة في مثل هذه المهمة؟

تعاطف شعبي مع غزة

لا توجد مجتمعات أوروبية قليلة تتماهى مع معاناة الفلسطينيين بقدر ما تتماهى معها المجتمع البوسني. في استطلاع أجري في ديسمبر 2023، قال 61٪ من المشاركين إن البوسنة يجب أن تدعم فلسطين. ونسبة التضامن كانت أعلى بين البوشناق، في حين انقسم الكروات والصرب بين دعم إسرائيل وفلسطين أو الحياد.

في سراييفو، ظهر الدعم لغزة بوضوحٍ بالغ؛ فالآلاف يتجمعون بانتظام في العاصمة منذ عامين للاحتجاج على الحرب التي وُصفت بالإبادة. كما شهدت مقاطعات لعلامات تجارية دولية مثل زارا وسلاسل وجبات سريعة أمريكية مثل كنتاكي وبرغر كينغ، وشركات مشروبات مثل كوكاكولا.

كل أسبوع تجتمع حشود قرب نصب الشعلة الأبدية في سراييفو لقراءة أسماء الأطفال الفلسطينيين الذين قضوا في غزة—طقس هادئ وموجع من طقوس التضامن والذكرى.

في أكتوبر اجتاز نحو ستة آلاف شخصِ شوارع سراييفو تحت شعار «البوسنة والهرسك لفلسطين حرة»، من نصب أطفال سراييفو المحاصرين حتى قرب المتحف الوطني، حاملين أعلامًا فلسطينية ورايات تقول «أوقفوا الإبادة» و«أوقفوا قتل الأطفال». الرسالة كانت واضحة: مجتمع نجى من الحصار والمأسااة يشعر بأنه ملزم أخلاقيًا بالوقوف إلى جانب غزة.

يقرأ  اكتشاف أكثر من مليون مستند مرتبط بإبستين… وتأجيل نشرهاأُكتِشِفَت أكثر من مليون وثيقة متعلقة بإبستين؛ تأخر إصدارها | أخبار دونالد ترامب

ما يلفت الانتباه أن هذا الدعم لم يأتِ بالدرجة الأولى من المؤسسات الدينية الإسلامية أو الأحزاب السياسية التقليدية، بل من مثقفين وفنانين وطلاب وفعّاليات مدنيين غالبًا من التيارات اليسارية أو العلمانية. الجماعات الرسمية، بما فيها المجلس الإسلامي في البوسنة والهرسك، لم تنظم مسيرات واسعة أو تعبئة وطنية من هذا النوع؛ والشوارع امتلأت بمواطنين عاديين كثيرين من العلمانيين والشباب، مدفوعين برد فعل أخلاقي متشكل من تجربة الحصار والتهجير والعنف المنظم.

كما برز غياب جماعات تصف هويتها بالتضامن الديني الصريح؛ مجموعات السلفية التي تنشط عادة في المسائل الطقسية والعقائدية ظلت إلى حدٍ بعيد خارج دائرة التعبئة العامة حول غزة، ومساهماتها اقتصرت غالبًا على خطب وتصريحات إلكترونية وإيماءات رمزية.

في البوسنة نشأ التضامن مع غزة ليس كتعبير عن دين منظم، بل كرد فعل مدني قاعدي يَنشأ من الذاكرة والتعاطف وإحساسٍ واسعٍ بالعدالة.

الاختلال والاعتماد

لفهم السياسة البوسنية لا بد من الإشارة إلى مصدر اختلالها: نظام حكم معقَّدٌ جداً مبني على الهوية العرقية، فرضته اتفاقية دايتون عام 1995.

تمتلك البوسنة رئاسة ثلاثية تتناوب كل ثمانية أشهر بين عضو بوشناق وعضو صرب وعضو كرواتي، ويُنتخب كل عضو بقاعدة الأكثر أصواتًا داخل مجموعته العرقية لا بالأغلبية، ما يعزز منطق السياسة الصفرية بدل إجبارها على التوافق. كما أن البرلمان يتوزع وفق حصصٍ عرقية.

المقترحات من المفترض أن تُعتمد بالإجماع، وهو ما يندر حدوثه غالبًا، فتحدث حالة من الشلل. لذلك كثيرًا ما يفشل هذا النظام المترع بالتعقيد في اتخاذ قرارات بسيطة كالموافقة على ميزانية الدولة. فكيف أمكن الوصول إلى إجماع بشأن نشر قوات في غزة؟

من المهم أيضًا تذكّر أن البوسنة شاركت سابقًا في بعثات حفظ سلام دولية. منذ منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، أرسلت بلدا بانتظام قوات وضباط شرطة عسكريين وكوادر طبية وضباط ارتباط إلى بعثات تقودها الناتو والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي في أفغانستان والعراق وجمهورية الكونغو الديمقراطية ومالي وجنوب السودان وقبرص.

يقرأ  إسرائيل خرقت هدنة غزة نحو ٥٠٠ مرة خلال ٤٤ يوماً… وأسفرت عن مقتل المئات

لم تكن هذه المشاركات مجرد مساهمات عملياتية فحسب، بل كانت إيماءات رمزية روجت لها منظمات دولية نافذة مقيمة في سراييفو—الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والناتو—لإظهار أن البوسنة تتحول من مستهلك للأمن إلى مُعطي له، وفي الوقت نفسه كانت وسيلة لتجميل رواية بناء الدولة أمام الجهات المانحة الدولية.

في حالة مهمة غزة، قد ترى قيادات النخب العرقية فيها فرصة لكسب ود واشنطن لأهداف داخلية. لا يزال زعماء البوشناق ينظرون إلى الولايات المتحدة كضامن أخيرٍ لوحدة أراضي البوسنة، وترى النخبة الكرواتية في الدعم الأمريكي ورقة ضغط لدى مؤسسات الاتحاد الأوروبي، أما القيادات الصربية فبالرغم من خطابها المعادي للغرب فقد استثمرت مبالغ كبيرة في شركات ضغط أمريكية لاستمالة ترامب ومحاولة رفع عقوبات عن شخصيات صربية بارزة.

هذه العلاقة التبعية تُبرز سيادة محدودة؛ فسياسة الخارج غالبًا ما تعكس إشارة ولاء خارجيًا أكثر مما تعكس استراتيجية وطنية متماسكة.

لكن بالنسبة لقطاع كبير من البوسنيين، غزة ليست مشكلة أمنية مجردة، بل مرآة أخلاقية تعكس جراحهم غير المحلولة. في الوقت الذي يدفع فيه التعاطف الشعبي التضامن، ينظر قادة جميع المخيمات السياسية إلى غزة عبر منظار المصلحة السياسية الضيقة. النتيجة نموذج مألوف في السياسة البوسنية: قرار يتماهى مع مصالح النُخَب الضيقة أكثر مما يعكس الإرادة الشعبية.

الآراء المعبر عنها في هذا النص تعود للمؤلف ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.

أضف تعليق