ما نعرفه عن وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان وتداعياته في ظل التوترات الأميركية‑الإسرائيلية بشأن إيران

أعلنت إسرائيل ولبنان هدنة لمدة عشرة أيام لتمكين استئناف المفاوضات بشأن إتفاقية أمنية وسلام أكثر ديمومة.

أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الهدنة يوم الخميس، ودخلت حيز التنفيذ عند الساعة 21:00 بتوقيت غرينتش. وفي صباح الجمعة أفادت قيادة الجيش اللبناني بتسجيل خروقات عدة من قبل القوات الإسرائيلية.

خلفية موجزة
تأتي الهدنة بعد ستة أسابيع من القتال بين إسرائيل وجماعة حزب الله اللبنانية المدعومة من إيران. وأسفرت الحملة الإسرائيلية في لبنان عن مقتل ما لا يقل عن 2,196 شخصاً وتشريد أكثر من مليون شخص.

بنود الهدنة
وفق بيان وزارة الخارجية الأمريكية، تحتفظ إسرائيل بـ«الحق في اتخاذ كل التدابير اللازمة للدفاع عن النفس» مع الامتناع عن «القيام بأية عمليات عسكرية هجومية». كما أشار البيان إلى أنه يحق لإسرائيل الرد «في أي وقت، ضد هجمات مخططة أو وشيكة أو جارية»، وأن هذا الحق «لن يُعيقّه وقف الأعمال القتالية».

ذكر ترامب أن الهدنة التي تستمر عشرة أيام تشمل حزب الله، وكتب في منشور على منصة Truth Social: «قد يكون هذا يوماً تاريخياً للبنان. أمور جيدة تجري. لا مزيد من القتل. يجب أن تسود السلام أخيراً».

موقف حزب الله
لم تشارك قيادة حزب الله مباشرة في المفاوضات التي جرت بين مسؤولين لبنانيين وإسرائيليين في واشنطن، وكانت الجماعة رافضة للمحادثات. وقال علي فيّاض، قيادي في الحزب، لقناة الجزيرة إن الجماعة ستتعامل مع الهدنة «بحذر ويقظة»، وإن أي استهداف لمواقع لبنانية من قبل القوات الإسرائيلية سيشكّل خرقاً لها. وأضاف أن «المرحلة المقبلة شائكة ومحفوفة بالمخاطر»، محذراً من أن أسوأ سيناريو للبنان هو عودة الفتنة الأهلية.

موقف إسرائيل
قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في وقت متأخر من يوم الخميس إن حكومته أمام فرصة «لإبرام صفقة تاريخية» مع بيروت، مشدداً على أن إسرائيل قبلت الهدنة المؤقتة لكن قواتها ستبقى داخل لبنان مع منطقة أمنية واسعة تمتد حتى الحدود السورية. وأكد أن مطلبها الأساسي يظل نزع سلاح حزب الله، وأنها لن توافق على سحب الجيش الإسرائيلي إلى ما وراء حدوده كما يطلب الحزب.

انتقادات وتعليقات
رفض دبلوماسيون ومحلّلون إسرائيليون، بمن فيهم ألون بينكاس، الصياغة التي قدمتها الحكومة، وقالوا إن نتنياهو دخل الهدنة تحت ضغط ترامب وإنها ليست هدنة كان يريدها. وأعرب يائير لابيد زعيم المعارضة عن استياءه واعتبر أن وعود الحكومة تتصادم مع الواقع، مشدداً على أن إنهاء التهديد على المستوطنات الشمالية يتطلب إزالة الخطر نهائياً.

آثار الهدنة على المدنيين في لبنان
مع إعلان الهدنة سُمِع إطلاق نار احتفالياً في بيروت، لكن النازحين في وسط المدينة أعربوا عن عدم ثقتهم بمسؤولية الإسرائيليين عن الالتزام بالوقف، وقالوا إنهم سينتظرون قبل العودة إلى منازلهم — إذا كانت منازلهم باقية أصلاً.

أفاد الجيش اللبناني بتسجيل عدة خروقات «مع رصد عدة هجمات إسرائيلية بالإضافة إلى قصف متقطع يستهدف عدداً من القرى». ودعا الجيش المواطنين إلى «توخي الحيطة عند العودة إلى القرى والبلدات الجنوبية».

أفادت وسائل إعلام لبنانية بأن قوات إسرائيلية أطلقت النار من رشاش وقذيفة مدفعية صوب فريق إسعاف تابع للهيئة الصحية الإسلامية في بلدة كُنِّين بنبطيّة، وأوردت تقارير عن وقوع إصابات. من جانبهم حذّر الناطق العسكري الإسرائيلي أفيخاي أدرعي سكان الجنوب من الحركة جنوب نهر الليطاني، قائلاً إن القوات الإسرائيلية ستحافظ على مواقعها لمواجهة «نشاطات إرهابية مستمرة» من حزب الله، وطالب السكان بالبقاء شمال الليطاني حتى إشعار آخر.

يقرأ  موظفو صحيفة في بنغلاديش يلهثون طلبًا للهواء بعد أن أُضرم النار في مكاتبهم

دعت قيادة حزب الله أيضاً النازحين إلى الحذر وعدم التوجه إلى المناطق المستهدفة في الجنوب والبقاع وطارف الضاحية الجنوبية لبيروت حتى تتضح مجريات الأمور.

مآلات ومسائل دون حل
يظل عدد من التفاصيل الجوهرية عالقاً، لا سيما في مناطق الجنوب حيث، كما وصف بينكاس، ثمة «منطقة قاتلة لحزب الله في جنوب لبنان»، ولا يبدو واضحاً إن كانت الهدنة ستشمل تلك المناطق أم لا. جنو ب المسألة ما زال يطرح تساؤلات مصيرية حول قدرة أي اتفاق على تحقيق سلام دائم ما لم تُحسم قضية سلاح حزب الله وموقف القوات الإسرائيلية على الأرض. «ومتى يصبح وقف إطلاق النار جزئياً، فإنه يتوقف عن كونه وقف إطلاق نار»، قالت ذلك.

رغم الخروقات المتكررة للهدنة، يتوق الناس إلى العودة إلى منازلهم في الجنوب. من نباتية، أفادت زينة خضر من قناة الجزيرة أن العائدين لا يرغبون في التخلي عن أرضهم. وقالت: «هناك قدر كبير من الغضب. وفي الوقت نفسه، يؤكد السكان هنا أنهم تمكنوا من الصمود».

ماذا يعني هذا لسكان شمال إسرائيل؟
خلال ليلة الخميس، وفي تحضير لوقف إطلاق النار، أعلنت حزب الله أن مقاتليه شنوا 38 هجوماً على قوات إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية، و37 هجوماً في شمال إسرائيل. ومع ذلك، وفي صباح الجمعة، ظلت صفارات الإنذار التي تعلن قبل الضربات الصاروخية صامتة في شتى أنحاء إسرائيل.

لكن قادة المجالس الإقليمية في الشمال الإسرائيلي، التي تضم المناطق الأكثر تضرراً من القتال بين إسرائيل وحزب الله، أعربوا عن استيائهم من الهدنة. قال موشيه دافيدوفيتش، رئيس مجلس ماتي عاشر الإقليمي في الجليل الغربي، لوسائل إعلام محلية إن وقف إطلاق النار وإقامة منطقة أمنية حتى نهر الليطاني «ليست إنجازاً دبلوماسياً»، بل قد يعرض لمزيد من العنف. وأضاف: «سكان الشمال ليسوا مجرد أرقام في عرض علاقات عامة دولية».

ورفض شمعون غيتا، رئيس مجلس معالي يوسف الإقليمي أيضاً في شمال إسرائيل، أي تأثير خارجي على سياسة أمن إسرائيل، مطالباً بأن تضمن أي تسوية «نزع سلاح حزب الله تماماً» و«أمن مطلق» للمجتمعات الشمالية، مشدداً على أن «الاتفاقات على الورق لا معنى لها» من دون آليات إنفاذ واضحة.

قال المعلق السياسي عبد أبو شحادة للجزيرة إن الإسرائيليين، وخصوصاً سكان الشمال، تحملوا وطأة هجمات حزب الله، ما تركهم محبطين من أنباء الهدنة. وأضاف: «أولاً، تفاجأوا بأن حزب الله استطاع أن يحافظ على قدراته العسكرية ويقاتل حتى اللحظة الأخيرة من الهدنة. ثانياً، ما وصلهم لم يكن ما وُعِدوا به. وُعِدوا بنصر مطلق. وُعِدوا بأن تحول إسرائيل كل جنوب لبنان إلى منطقة عازلة، ولم تستطع قواتهم تحقيق ذلك».

كما أكد شحادة أن الهدنة عززت الانطباع لدى كثير من الإسرائيليين بأن حكومتهم كذبت عليهم بشأن تفاصيل اتفاق الهدنة الأمريكي-الإيراني. وقال: «هناك شعور بأنهم لم يُخبَروا بالحقيقة كاملةً بشأن اتفاق الهدنة. إيران و.. باكستان ذكرتا أن الهدنة تشمل لبنان. في البداية، رفضت إسرائيل والولايات المتحدة الاعتراف بذلك. والآن، الذي أخبر الجمهور الإسرائيلي عن الهدنة كان دونالد ترامب».

يقرأ  فرنسا تدعو رعاياها إلى المغادرة فوراً

هل بإمكان هذه الهدنة إعادة ضبط العلاقات بين إسرائيل ولبنان؟
تأتي هدنة الخميس بين إسرائيل وحزب الله بعد هدنة سابقة كانت مفترَضاً نافذة منذ 27 نوفمبر 2024، لكن الأمم المتحدة أحصت أكثر من 10,000 خرق إسرائيلي لوقف إطلاق النار في تلك الفترة، إلى جانب مئات القتلى اللبنانيين.

أبلغت إسرائيل الحكومة اللبنانية مراراً بأن نزع سلاح حزب الله شرط لاستمرار أي تهدئة. يُنظر إلى حزب الله منذ زمن طويل على أنه أقوى قوة عسكرية في لبنان، رغم أنه تضعف جراء الحرب مع إسرائيل وسقط من قياداته عدد كبير. ومع ذلك، لا يزال الحزب يحظى بدعم مجتمع الشيعة اللبناني، الذي نشأ منه.

كانت الحكومة اللبنانية قلقة من نفوذ حزب الله في البلاد. في ديسمبر الماضي، قالت الحكومة إنها قريبة من إتمام نزع سلاح حزب الله جنوب الليطاني قبل موعد نهاية العام، كجزء من صفقة وقف إطلاق النار 2024. ومع اندلاع أحدث جولة من القتال، أصدرت الحكومة قراراً بحظر الذراع العسكري لحزب الله.

ومع ذلك، قالت إسرائيل في يناير إن حزب الله لا يزال حاضراً قرب الحدود ويعيد بناء قدراته العسكرية «أسرع مما يفككها الجيش [اللبناني]». من جهته، يشترط حزب الله انسحاب إسرائيل أولاً من المنطقة الجنوبية كجزء من اتفاق 2024. وقد اندلعت تلك المعارك في أكتوبر 2023 بعد إطلاق الحزب لصواريخ باتجاه إسرائيل تضامناً مع الفلسطينيين في غزة. وأسفرت الهجمات الإسرائيلية عن مقتل أكثر من 3,768 لبنانياً وتشريد 1.2 مليون شخص.

قال رامي خوري، زميل متميز في السياسات العامة بجامعة الجامعة الأميركية في بيروت، للجزيرة إن «حزب الله في مركز وقف إطلاق النار، لكنه يقف خلف ستار». وأضاف: «العلاقة بين حزب الله والحكومة اللبنانية كانت دائماً علاقة دقيقة ومعقّدة. أحياناً يتصارعون، وغالباً ما يعملون معاً».

وبينما تختلف الحكومة وحزب الله في رؤيتهما للمقاومه ضد إسرائيل، أكد خوري أن الجيش اللبناني لن يحاول نزع السلاح قسرياً من حزب الله لأن ذلك سيؤدي إلى توترات طائفية هائلة في البلاد. وشرح: «لذلك، يجب أن يجري حزب الله حوارات خلف الكواليس وغير رسمية مع الحكومة اللبنانية».

رحب رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام بهدنة الخميس ووصفها في منشور على إكس بأنها «مطالبة لبنانية مركزية سعينا إليها منذ اليوم الأول للحرب»، لكن الحكومة كانت دائماً متوجسة من تحرّكات إسرائيل. كما امتنع رئيس الجمهورية ميشال عون سابقاً عن التحدث مباشرة مع نتنياهو حول خلافاتهما.

قال سامي نادر، مدير معهد العلوم السياسية في جامعة القديس يوسف في لبنان، للجزيرة إن الهدنة قد تمثل فرصة مهمة لإعادة ضبط العلاقات بين إسرائيل ولبنان، رغم أن نجاحها يعتمد على عدة عوامل حاسمة. وأضاف: «من جهة، قد تشكّل أساساً لتسوية طويلة الأمد وأكثر استدامة إذا كان الطرفان مستعدّين للانخراط بصورة بناءة. يجب أن تكون هذه الهدنة مختلفة عن التي جرت في 24 نوفمبر 2025 حين لم يحترمها أي طرف. من جهة أخرى، تواجه الحكومة اللبنانية مسؤولية نزع سلاح حزب الله». وأضاف أنَّ الدعم الخارجي، وخصوصاً الدعم الاستثنائي الذي وفرته إدارة ترامب، قد يكون حاسماً في إنجاح هذه المهمة.

يقرأ  ليكورنو، رئيس الوزراء الفرنسي المستقيل، يتهم الأحزاب بالتسبب في حالة من الجمود

كشف ترامب يوم الخميس أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ورئيس الجمهورية اللبنانية ميشال عون قد يجتمعان في واشطن خلال الأسبوع أو الأسبوعين المقبلين لمواصلة البحث في القضايا العالقة بين البلدين.

من لبنان، نقلت زينة خضر عن المصادر أن حكومتي لبنان وإسرائيل تقفان الآن على مواقف متباينة جداً، ما يجعل وقف إطلاق النار لمدة عشرة أيام غير مرجَّح أن يكفل سلاماً دائماً أو تحسناً جذرياً في العلاقات بين البلدين. وقالت: «لهذا ما زال الناس قلقين، لأن هذه هدنة مؤقتة وليست نهاية دائمة للصراع».

هل يهدف وقف إطلاق النار أساساً إلى تيسير صفقة بين إيران والولايات المتحدة؟
يرى أوري غولدبرغ، محلل إسرائيلي مستقل، أن هذه الهدنة بين إسرائيل ولبنان مرتبطة بدرجة كبيرة بإيران والولايات المتحدة؛ فالطرف الإيراني يسعى إلى حل إقليمي شامل لا يمكن أن يتحقق دون تقليص قدرة إسرائيل، ويبدو أن ترامب مستعد للمضي قدماً في هذا المسار.

وبعد الإعلان عن وقف النار، قال ترامب إن اتفاقاً لإنهاء الحرب مع إيران «قريب جداً» وأن المحادثات قد تستأنف مع طهران في عاصمة باكستان، إسلام آباد، في أقرب فرصة خلال عطلة نهاية هذا الأسبوع.

من جهتها، رحّبت وزارة الخارجية الإيرانية بوقف إطلاق النار في لبنان، ونقلت وسائل الإعلام الرسمية الإيرانية الخبر باعتباره جزءاً من تفاهم أوسع مع الولايات المتحدة لتهدئة النزاع الإقليمي مؤقتاً.

وأشار كريس فيذرستون، عالم السياسة في جامعة يورك، إلى أن إيران حتى الآن تمسكت بموقف تفاوضي يقضي بأن يتضمّن أي وقف إطلاق نار بين طهران والولايات المتحدة وإسرائيل أيضاً وقفاً بين إسرائيل ولبنان. وأضاف أن «الاتفاق بين إسرائيل ولبنان قد يمثل خطوة تمهيدية لفتح باب مفاوضات أوسع بين واشنطن وطهران، بإزالة عقبة رئيسية أمام تلك المفاوضات».

ومع ذلك، نبه فيذرستون إلى احتمال أن تكون خطوة مماثلة أيضاً محاولة من ترامب للظفر بالانتباه ونسب الفضل إليه في التوصل إلى هدن تفاوضية، مستعيداً نمطاً سبق أن اتبعه في الادعاء بإنهاء نزاعات متعددة كجزء من حملته للترشح وللفوز بالجوائز الدولية.

من جانبه، قال نادر إن وقف إطلاق النار قد يتأثر بالمتغيرات الأوسع لعلاقة إيران والولايات المتحدة، لكنه ينبغي اعتباره مسألة مستقلة بذاتها. وأوضح أن إيران تحافظ على نفوذ في المنطقة عبر وكلائها، أبرزهم حزب الله، الذي يمكنه أن يؤثر على توقيت وشدة التصعيدات. وأضاف أن المسار اللبناني يظل متميزاً من الناحية الجوهرية والقانونية ويجب فهمه وفق خصوصياته؛ فهو لا يرتبط مباشرةً بملفات مثل البرنامج النووي الإيراني أو القدرات الصاروخية، بل يدور أساساً حول مسائل ثنائية بين لبنان وإسرائيل، بما في ذلك ترسيم الحدود البرية، وتأمين سكان الجانبين على طول الحدود، وقضايا الحدود البحريه.

أضف تعليق